Home | About LCPS | Contact | Careers
December 21, 2018
مقابلة مع الدكتور غسّان ديبه: تحليل خبير بشأن الاستقرار الاقتصادي والمالي في لبنان

 
تكثر التكهنات في لبنان بشأن مستقبل الاقتصاد الوطني وقطاع المصارف، وماليّة الدولة. وقد أجرى المركز اللّبناني للدراسات، ضمن إطار جهوده الهادفة إلى تحفيز حوارٍ بنّاءٍ بشأن القضايا الوطنيّة الملحّة، سلسلةً من المقابلات مع اقتصاديّين لديهم وجهات نظر مختلفة بشأن مستقبل لبنان الاقتصادي، والضريبي، والمالي. وفي هذا الإطار أجرينا مقابلة مع الدكتور غسّان ديبه، وهو استاذ في الاقتصاد ورئيس قسم العلوم الاقتصاديّة في الجامعة اللبنانيّة الأميركيّة. وهو يعتبر أنّ المصالح السياسيّة الراسخة في لبنان لن تجد أيّ منفعة لها في معالجة الاختلالات الجوهريّة في الاقتصاد الوطنيّ، ما يحتّم اعتماد نهجٍ يختلف كلّ الاختلاف عن عمليّة وضع السياسات الموجّهة ويتمحور حول التغيرات الجوهريّة الأوسع نطاقًا، والمتّصلة بكيفيّة إدارة الاقتصاد الوطني، ولا سيّما لجهة جباية الضرائب وإدارة الإيرادات. 
 
طغت على الأخبار الّلبنانيّة خلال الأشهر الأخيرة شائعات بشأن استدامة الاقتصاد الوطني. بماذا تختلف التحدّيات الاقتصاديّة الّتي يختبرها لبنان حاليًّا عن التحدّيات الماضية، إن لجهة العوامل الداخليّة أو الخارجيّة؟
 
لا أعتقد أنّنا نحتاج إلى مراجعةٍ تاريخيّةٍ للتحدّيات المطروحة اليوم مقارنةً بالماضي، لكن يمكنني القول حاليًّا إنّنا نشهد أزمةً اقتصاديّة هيكليّة متعدّدة الأوجه: إذ نواجه ركودًا مزمنًا في الاقتصاد؛ وارتفاعًا في البطالة، ولاسيّما بين صفوف الشباب؛ وهيمنةً للقطاعات المنخفضة الانتاجيّة؛ وتوسّعًا للفجوة بين الطبقات، إذ تستحوذ قلّة قليلة من الشعب على حصصٍ لا تنفكّ تتزايد من الثروة والدخل؛ وأخيرًا زيادةً في أمْوَلَة الاقتصاد مع اشتداد الهشاشة الّتي تُرَدُّ إلى ارتفاع الديون العامّة والخاصّة، ومعدّلات الفائدة، كما إلى ديناميكيّات القبض والبسط لميزان المدفوعات. ومن هذا المنطلق، قد لا يكون لبنان قد شهد طوال تاريخه مثل هذا التلاقي ما بين جميع هذه الاختلالات الاقتصاديّة، ومن هنا فرادة الأزمة الحاليّة وصعوبة التصدّي لها ومعالجتها في الوقت نفسه.
 
ما هي المتغيّرات الاقتصاديّة الأساسيّة الثلاثة الّتي تستعين بها لتحديد أزمة في لبنان، وما هي المؤشرات الّتي تستخدمها لقياس هذه المتغيّرات؟
 
الأزمة متعدّدة الأبعاد، وهي هيكليّة، وتتفشّى على جميع صعد النسيج الاقتصاديّ. وبالتالي، قد لا يكون من المجدي تحديد ثلاثة مؤشرات أو أكثر لوصفها أو لتقدير عمقها واتّساعها بشكلٍ كامل. بالنسبة إلى المؤشرات، يمكن لي أن أضيف إلى ما تقدّم، والّذي يمكن إيجازه بقياسات البطالة، ونموّ إجمالي الناتج المحلّي، ومعدّلات الفائدة، ومعامل جيني للثروة wealth Gini coefficient، وغيره من المقاييس، وتقرير التنافسيّة للعالم العربي الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2018، وقد احتلّ فيه لبنان المرتبة 105 من أصل 173 بلدًا، كما حلّ أخيرًا بين البلدان العربيّة الاثني عشر المشمولة في التقرير. ويمكن الاطلاع على مزيدٍ من التحاليل في هذا الخصوص في مقالي الصادر في جريدة الأخبار بتاريخ 3 أيلول 2018.
 
لا تنفكّ المنظمات الماليّة الدوليّة تعرب عن قلقها إزاء استدامة الوضع الاقتصادي في لبنان. فطالما أنّ هذه الشواغل لا توضّح للجهات السياسيّة في لبنان ضرورة الإصلاح، فهل من نقطة تحوّل يمكن أن تسهّل التعاون السياسيّ في مجال الإصلاحات الضروريّة؟
 
أعتقد أنّ "التعاون السياسي" موجود، لكن التعاون بين الأحزاب السياسيّة الحاكمة يهدف إلى الحفاظ على الاقتصاد السياسيّ الحاليّ، الّذي تسيطر عليه الطبقة الثريّة والمصالح الطائفيّة. وتتمثّل غايته النهائيّة في الحفاظ على ما أسمّيه بالنموذج الاقتصاديّ القديم، ومنظومة الطائف السياسيّة، مع جميع قنواتها السياسيّة والاقتصاديّة وتوزيعاتها الإداريّة. لا يمكننا أن نتوقّع من هذه الأطراف أن تتفق على "خطّة إصلاحيّة"، بل لا يجب علينا ذلك. فمن شأن مثل هذه الخطّة أن تزعزع أسس النظام. ولهذا السبب لم يتغيّر أي شيء خلال السنوات الخمسة والعشرين المنصرمة على الرغم من جميع التعهدات بالإصلاح.
 
وإذا كنّا نعني بالإصلاح بعض التغييرات السطحيّة أو التدابير المعادية للقوى العاملة وللرفاه الاجتماعيّ، فقد نجد ضمن هذا النظام جهات تتقبّل مثل هذه الأفكار، إذ يمكن لهذه التدابير أن تخدم مصالح الطبقة الّتي تنتمي إليها. ولكن، أشكّ كثيرًا بأن تتمكّن هذه الجهات من المضيّ قدمًا بهذا النوع من الإصلاحات. وأعتقد أنّها ستخشى نشوء حركة معارضة أكثر تشدّدًا من تلك الّتي شهدناها خلال التظاهرات المدنيّة الّتي جرت عام 2015. إضافةً إلى ذلك، تعتمد مجموعات طائفيّة شتّى على دعم "جماهيرها"، وبالنسبة إليها، تشكّل الدولة قناةً لإعادة التوزيع، موجّهة نحو من تعتبرهم "زبائنها". وبالمختصر، فقد تقهقر الوضع في لبنان ليستحيل منظومةً سياسيّة شبه إقطاعيّة، مقرونة بأشدّ أنواع الرأسماليّة رجعيّةً، وهي تتمثّل بأرستقراطيّة ماليّة. ولا يمكن إصلاح مثل هذه المنظومة، بل يتعيّن تفكيكها.
 
إلى أي مدى يختلف تأثير الأزمة باختلاف الفئات الاجتماعيّة والمجتمعات؟
 
تؤثّر الأزمة الحاليّة بشكلٍ أساسيّ على الشباب والفئات العاملة والوسطى، بالإضافة إلى أقسام الطبقة الرأسماليّة التي تستفيد من التقدّم ومن ريادة الأعمال الفعليّة عوضًا عن التعويل على المنظومة الحاليّة الراكدة. ولا شكّ أن الطبقات الّتي تستفيد من الوضع الحالي تخشى انهيار المنظومة بأكملها، وبدأ بعضها يدرك بأن الأمور لا يمكن أن تبقى راكدة حتّى أجلٍ غير مسمّى. وبالتالي، يحاول هؤلاء إنقاذ النموذج القديم والمتهاوي، آملين بأن تساعدهم في ذلك المساعدات الخارجيّة أو التغيير في الأوضاع الاقتصاديّة في المنطقة أو حركة إعادة الإعمار في سوريا. ولكن ذلك ليس سوى وهمٍ يعلّلون به النفس في أحسن الأحوال، فقد يتمكّنون من إنقاذ النموذج ولكن ليس الاقتصاد بحدّ ذاته.
 
ما هي التوصيات الثلاثة الأساسيّة في مجال السياسات الّتي تقدّمها للحكومة العتيدة؟
 
ليس من شأني أن أقدّم التوصيات للحكومة العتيدة. فهذا أمرٌ عقيمٌ تمامًا. ما نحتاجه هو تغييرٌ جذريّ. علينا أن نتّخذ القرار بشأن ما إذا كنّا نريد الاستمرار بفعل ما نقوم به وما دأبنا عليه خلال السنوات الـ25 الماضية، أو ننوي خطَّ مسلكٍ جديد. وإن ذهبنا إلى الخيار الثاني، علينا اتّخاذ جميع التدابير الّلازمة لإرساء اقتصادٍ منتجٍ، ومنظومةٍ سياسيّةً علمانيّةٍ حديثة، ومجتمع أكثر عدالة. فلو أردنا سياساتٍ أكثر عمليّةً، علينا أن نبدأ بوضع منظومة ضريبيّة جديدة تحوّل الإيرادات من الاقتصاد الريعيّ إلى الاقتصاد المنتج، أي أنّه علينا "استغلال" قطاع غير منتج لبناء قطاعٍ أكثر حداثة وإنتاجيّة. ما من طريقةٍ أخرى لتحقيق ذلك. فقد فشلت "الطبقة الرأسماليّة" الحاليّة فشلًا ذريعًا في تطوير اقتصادٍ حديث. أمّا رهان هذا الجيل فيكمن في تقديم بديلٍ جديد، وليس خيارات أو توصيات سياساتيّة. لقد تخطّينا ذلك. وأقتبس هنا عن السيناتور الأميركي برني ساندرز قوله إنّنا نحتاج أقلّه إلى "ثورةٍ سياسيّة". وهنا، أعتقد أنّه يتعيّن على اليسار السياسيّ - المجموعات العلمانيّة، ومنظمات المجتمع المدني - وما تبقّى من الفئات التقدّميّة في المجتمع التجاري والصناعي، أن تتحد لتقديم مثل هذا البديل.
 
ما سيكون دور الجهات الدوليّة، الدول كما المنظمات الدوليّة، في تخفيف وطأة الأزمات، وبموجب أيّ شروط؟
 
لا أعتقد بأنّه يتعيّن على الجهات الدوليّة الاضطلاع بالدور الّذي لعبته خلال السنوات العشرين أو أكثر الماضية، والّذي تمثّل بمساندة منظومة اقتصاديّة أو سياسيّة لم يفارقها التأزّم قط. وبدءًا من الودائع الأولى الّتي سُلّمت إلى البنك المركزي في التسعينيّات، وصولاً إلى مؤتمريّ باريس 2 وباريس 3، ما انفكّت الجهات الدوليّة تبادر إلى إنقاذ لبنان بحكم الواقع. إلاّ أنّ شيئًا لم يتغيّر، فجلّ ما قامت به هذه الجهات تمثّل بشراء الوقت. ولنسلّم جدلاً أنّ الأزمة الماليّة لم تنفجر عام 2002 بفضل مؤتمر باريس 2 ما شكّل أمرًا إيجابيًّا، ولكن، لا يجب أن تتركّز السياسة حصرًا على "منع حدوث الأزمات" عوضًا عن بناء اقتصادٍ حديثٍ ومستدام. فلو تمكّنت الجهات الدوليّة من تقديم جزءٍ من رأس المال الضروري لتحقيق ذلك، كان به، ولكن لا يجب أن يتمّ ذلك إلّا بعد أن نكون قد وفّرنا رأس مال كهذا بأنفسنا من خلال عمليّة إعادة هيكلة جذريّة للبنية الضريبيّة. ولنستعير عبارة جون منيارد كاينز نحن بحاجة على الأقل إلى ننفبذ "القتل الرحيم بحق النظام الريعيّ".






Copyright © 2019 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.