LCPS Logo

أبعـــــــاد
أبعـــــــاد
العدد الخامس: حزيران/ يونيو 1996

افتتاحية بول سالم: قدر القضاء: نحو تفعيل السلطة الثالثة (ص 4 - 7)
من البديهي أن القضاء المستقل والفاعل هو أحد العناصر الأساسية للدولة الديمقراطية والمجتمع المدني الحر المستقر. فلا ديمقراطية ولا جمهورية ولا نظام دستورياً بمعزل عن دولة القانون ولا مجتمع آمناً من التسلط والتعسف من دون حكم القانون حكماً قوياً عادلاً منصفاً يشمل الصغير والكبير والحاكم والمحكوم معاً.
يسلّط هذا العدد من مجلة أبعاد الأضواء على أوضاع السلطة القضائية في لبنان بالتعاون مع عدد من كبار اختصاصيي القانون والقضاء في لبنان. ولا يمثل هذا العدد مساهمة في دراسة مشكلات هذا القطاع المهم في لبنان وحسب إنما هو مساهمة في فتح ملف السلطة القضائية في العالم العربي بوجه عام.
وفي الوقت الذي تنال السلطتان التشريعية والتنفيذية حيّزاً كبيراً من الاهتمام في الدستور اللبناني، يلحظ الدستور القطاع القضائي في مواد قليلة، وبخاصة المادة 20 منه التي تنوط السلطة القضائية بالمحاكم ويؤكد ضرورة استقلالية القضاة في عملهم. ولكن قبل اتفاق الطائف عام 1989 لم تُعطَ أية صلاحية للقضاء للنظر في دستورية القوانين، ولكي يقوم بدور المراقب في حماية الدستور من الخروقات وخلق توازن بينه كسلطة وبين السلطتين التشريعية والتنفيذية. أما المادة 80 من الدستور المتعلقة بالمجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء فعلى الرغم من ورودها بدستور عام 1926 فهي لم يعمل بها ولم ينشأ هذا المجلس خلال فترة الاستقلال.

أما بعد اتفاق الطائف، فقد عُدّل الدستور بالمادة 19 منه لمصلحة إنشاء مجلس دستوري للنظر في دستورية القوانين وللنظر في الطعون المتعلقة بالانتخابات الرئاسية والنيابية. مع العلم أن إنشاء المجلس الدستوري استغرق أربع سنوات وهو لا يزال ينقصه الحد الأدنى من التجهيز المادي والبشري، لقد باشر هذا المجلس حياته وشرع في مهمة إعادة بعض التوازن بين السلطات. حتى بعد الطائف أيضاً أُخذ بالمادة 80 وألِّف المجلس الأعلى، مع العلم أنه لم يتلقّ أي دعاوى، إنما المشكلة، ربما، في كلا هذين المجلسين ، انه يحق لهما ان يتحرّكا فقط بناءً على طلب أطراف في السلطة التشريعية أو السلطة التنفيذية (أو من المقامات الروحية). بكلام آخر لا يملك هذان المجلسان استقلالية المبادرة في إثارة القضايا التي تنطرح أمامهما . فلا يستطيع المجلس الدستوري مثلاً، بمبادرة ذاتية أو بطلب من أي جهة في السلطة القضائية، أن يراجع دستورية أي قانون، فالمجلس يحق له أن يتحرك فقط بطلب من جهات في السلطة التنفيذية أو التشريعية أو من المراجع الدينية. أما بالنسبة إلى المجلس الأعلى فهو يتحرك فقط بطلب من ثلثي المجلس. وهكذا تبقى السلطة القضائية حتى في أعلى مجالسها، محدودة الاستقلال.
وإذا نظرنا إلى شؤون إدارة القطاع القضائي وبالمسألة الحيوية المتعلقة بالتعيينات والترقيات ونقل القضاة وجدنا أيضاً نفوذاً قوياً للسلطة التنفيذية على السلطة القضائية. فالتعيينات والترقيات تتم من خلال توصيات بين مجلس القضاء الأعلى ووزير العدل وترفع إلى مجلس الوزراء لاصدار المراسيم فيها. هذا مع العلم أن أعضاء مجلس القضاء الأعلى هم أصلاً معينون من قبل السلطة التنفيذية. في الواقع والروح، إذاً، تخضع الهيكلية القضائية لنفوذ السلطة التنفيذية وتتأثر معنوياً وفعلياً بمصالح النخبة السياسية الحاكمة في كل عهد.
ولا تُحصر مشاكل القطاع القضائي في لبنان بمسألة الاستقلالية وقوتها كسلطة ثالثة، إنما هناك مشاكل بنيوية وإدارية مهمة لا علاقة لها بما سبق، منها مشاكل تتعلق بتعدد المحاكم الاستثنائية التي ينقصها التنظيم مقابل المحاكم المدنية والجزائية، ومنها مشاكل تتعلق بالأزمة الإدارية والعملانية حيث يُنتظر من ما يقارب الثلاثمئة قاضٍ أن يعالجوا عشرات آلاف الملفات المتراكمة عبر السنين وآلاف غيرها تودع في المحاكم كل أسبوع وذلك من دون مكننة حديثة ومن دون البنى الإدارية التحتية اللازمة من مكاتب متابعة ومساعدين قضائيين.
لهذه القضايا الإدارية اليومية أيضاً أهمية بالغة إذا أردنا مجتمعنا مجتمعاً تتنظم علاقاته بحسب القانون والعدل وليس بحسب العلاقات الشخصية والوساطات والنفوذ المالي وغيره؛ وتكتسب هذه القضايا أهمية أيضاً حيال الهدف التنموي لحكومة لبنان الحالية إذ إن لا توظيف لأموال ولا إنشاء لشركات ومؤسسات دولية في لبنان في غياب سلطة قضائية نافذة وسريعة تعطي الثقة للمؤسسات وتبت الخلافات على نحو عملي وسريع.
يجب إذاً أن يحظى القطاع هذا بالدعم المادي والمعنوي اللازم لتفعيل نشاطه وعمله، كما أنه يجدر النظر في سبل تدعيم استقلال السلطة القضائية لتتمكن فعلاً من أن تكون هي السلطة الثالثة في الدولة وتقوم بدور المراقب والموازن للسلطتين الاشتراعية والتنفيذية.
ومن المؤسف اليوم أن نرى دولاً أخرى، كإيطاليا مثلاً، تقوم فيها السلطة القضائية بدور رائد وشجاع في الدفاع عن المصلحة العامة ومكافحة الفساد والمافيات، في حين هنا في لبنان حيث الفساد والمافيات تستنزف طاقات الوطن نجد السلطة القضائية إما غير قادرة أو غير راغبة في التحرك.

هذا العدد من مجلة أبعاد إذاً يتعاطى بالشؤون الإدارية اليومية العادية في عمل القضاء اللبناني كما يلتمس قضايا سياسية أكبر وأوسع، وذلك في ما يتعلق بقطاع قلما يفهم الرأي العام مشاكله ويقدرها وكذلك حتى النخبة المثقفة من خارج مجموعة القضاة والمحامين الذين يعيشون واقع هذا القطاع. وهذا هو القطاع الأكثر اتصالاً بحقوق الناس وحمايتها وبوضع حدود دستورية وقانونية لمن يتصرف عشوائياً بالسلطة. ونأمل أن يقدم هذا العدد ما يثمر في تقدم البحث حول هذا القطاع المهم في لبنان وفي العالم العربي بعامة.


| محتويات العدد الحالي | محور العدد الحالي | المقال التالي | الأعداد الصادرة من مجلة أبعاد | عرض المنشورات | الصفحة الرئيسية |