
6 - على الرغم من النمو الكبير في عدد تنظيمات ما يعرف بالمجتمع المدني، كالنقابات والهيئات والروابط والاتحادات والجمعيات الثقافية والدينية والاجتماعية ...إلخ، وحدوث تمدد نسبي في الدور السياسي لبعض هذه التنظيمات من ناحية، وعلى الرغم من التراجع النسبي في سيطرة الدولة على الاقتصاد خلال السنوات الأخيرة، وبخاصة في ظل سياسات التخصصية من ناحية أخرى، فان ذلك لم يحقق حالة من التوازن النسبي بين مؤسسات الدولة من جانب، ومؤسسات المجتمع المدني من الجانب الآخر، وهو أمر ضروري لتدعيم التطور الديمقراطي وترسيخه. ولا تزال الأولى، أي مؤسسات الدولة، في وضع المسيطر على الثانية، وذلك استناداً إلى قيود وضوابط قانونية وإجراءات إدارية وأمنية وسياسية ومالية تمارسها الدولة وتجعل بعض تنظيمات المجتمع المدني مجرد امتدادات لبعض أجهزة الدولة كحد أقصى، وتجعل بعضها الآخر خاضعاً للرقابة والإشراف من قبل تلك الأجهزة كحد أدنى. وهكذا تفتقد مؤسسات المجتمع المدني، على كثرتها، الاستقلالية الحقيقية عن جهاز الدولة. من هنا يرى كثيرون أن تقوية مؤسسات المجتمع المدني وتنشيطها بما يحقق نوعاً من التوازن بينها وبين مؤسسات الدولة يعد من المتطلبات الأساسية لتدعيم عملية التحول الديمقراطي في مصر. ولكن التحدي الحقيقي يكمن في سبل تحقيق هذا الهدف.
7 - إن عملية الانتقال من صيغة التنظيم السياسي الواحد إلى صيغة التعددية الحزبية المقيدة لم يترتب عليها حتى الآن حدوث تحولات جوهرية في شأن قضية مشاركة المصريين في الحياة السياسية، إذ لا تزال ظاهرة العزوف عن المشاركة السياسية مترسخة لدى الشعب المصري. فالمشاركة في الحياة السياسية من خلال الأحزاب الموجودة على الساحة ضعيفة جداً، نظراً إلى ضعف عضوية هذه الأحزاب بصفة عامة، وتقوقع أغلبها في دوائر اجتماعية ضيقة في العاصمة والمدن الكبرى. ولذلك فهي أحزاب بلا جماهير حقيقية. ومن هنا فإن دور أغلبها في الحياة السياسية هامشي ومحدود.
أما المشاركة في الانتخابات العامة فلم يحدث أن زادت نسبتها على50 في المئة من إجمالي عدد المقيدين في جداول الانتخابات. وإذا أخذنا في الحسبان حجم الفجوة العددية بين إجمالي المقيدين في جداول الناخبين من ناحية، ومجموع من لهم حق التصويت من ناحية أخرى، فإن النسبة الحقيقية للمشاركة في الانتخابات سوف تنخفض إلى نحو 25 في المئة من إجمالي من لهم حق التصويت. ومن المفارقات أن نسبة المشاركة في الانتخابات العامة ترتفع على نحو ملحوظ في الأرياف والمدن الصغيرة مقابلة بالعاصمة والمدن الكبرى، على الرغم من أن سكان الأخيرة هم الذين يتمتعون بمعدلات أعلى في التعليم والتعرض لوسائل الإعلام، وبمستويات اقتصادية واجتماعية أفضل. وترجع هذه المفارقة إلى سبب رئيسي مفاده أن الانتخابات في الأرياف والمدن الصغيرة تحكمها بالأساس التوازنات والعلاقات العائلية والقبلية. وبالتالي يتم حشد الناخبين خلف المرشحين وفقاً لمعايير الانتماء العائلي والقبلي والجهوي. لذلك تنتشر ظاهرة الدوائر المغلقة أو شبه المغلقة، التي تكون أغلبية أصوات ناخبيها حكراً على مرشحين معينين دون غيرهم. أما في العاصمة وأغلب المدن الكبرى، فإن ظاهرة العزوف عن المشاركة مردها شيوع حالة من عدم الثقة في العملية الانتخابية بين قطاعات واسعة من سكانها، وذلك لاقتناع الكثيرين بأن نتائج الانتخابات محسومة سلفاً سواء شاركوا فيها أم لا. وعلى هذا الأساس يمكن القول إن القطاع الأكبر من المصريين هو في حال استقالة من العمل السياسي، وإن العملية السياسية تجري في الواقع بين نخب وفئات محدودة في المجتمع.
8 - إن استراتيجية تهدئة الأزمات التي انتهجها النظام الحاكم خلال النصف الأول من الثمانينات، والتي كان الهدف منها إعادة الهدوء والاستقرار إلى الحياة السياسية المصرية التي اضطربت كثيراً خلال السنوات الأخيرة من عهد الرئيس أنور السادات، فضلاً عن إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس جديدة تسمح بخلق إجماع سياسي ضد تنظيمات التطرف والعنف التي اغتال أحدها السادات، هذه الاستراتيجية لم تستمر طويلاً، حيث تعرضت للتغيير التدريجي منذ منتصف الثمانينات، وبدأت تحل آليات الضبط والسيطرة محل آليات التهدئة. وقد ترتب على ذلك أن أصبح التوتر هو أحد السمات الرئيسية للعلاقة بين الدولة والعديد من قوى وتنظيمات المجتمع المدني. وقد ظهر ذلك على مستويات عديدة منها: علاقة الدولة ببعض أحزاب المعارضة من ناحية، وعلاقتها بالنقابات المهنية من ناحية ثانية، وعلاقتها ببعض الفئات الاجتماعية كالطلبة والعمال من ناحية ثالثة، وعلاقتها بالتيار الإسلامي المعتدل الذي يمثله الاخوان المسلمون من ناحية رابعة. ولا شك في أن غياب أو ضعف الآليات والأسس الصحية والصحيحة لإدارة العلاقة بين الدولة وبعض قوى وتنظيمات ما يُعرف بالمجتمع المدني يعد من مظاهر تعثر عملية التحول الديمقراطي في مصر.
9 - من المؤكد أن توفير ضمانات احترام حقوق الإنسان بمعناها الشامل هو أحد الأركان الأساسية للديمقراطية، بل لا يمكن الحديث عن تطور ديمقراطي حقيقي بمعزل عن حالة حقوق الإنسان. ولا يتسع المجال هنا لتناول حالة حقوق الإنسان في مصر بوجه تفصيلي. وفي الوقت الذي تؤكد تقارير بعض المنظمات والهيئات الدولية المعنية بقضية حقوق الإنسان، تنامي مظاهر انتهاك حقوق الإنسان في مصر خلال السنوات الأخيرة، فإن الحكومة المصرية دأبت على نفي المعلومات الواردة في تلك التقارير وعلى اتهام المنظمات التي تصدرها بعدم النـزاهة وعدم الموضوعية وبالاعتماد على مصادر غير أمنية في استقاء المعلومات. وبعيداً من السجال السياسي حول مسألة حقوق الإنسان في مصر، فإنه من خلال متابعة الواقع السياسي والاجتماعي في الوقت الراهن يمكن القول إن هناك تطوراً على صعيد الحقوق السياسية للمواطنين. وهو تطور جزئي ارتبط بتجربة التعددية الحزبية المقيدة في مصر. ويتعين النظر إليه من منظار مقارن يأخذ في الحسبان حالة حقوق الإنسان في مرحلة ما قبل التعددية الحزبية في مصر من ناحية، وفي بعض البلدان العربية المجاورة من ناحية أخرى. أما بالنسبة إلى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فالمؤكد أنها اتجهت نحو التدهور منذ منتصف السبعينات، وذلك بفضل التأثيرات السلبية التي نجمت عن السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي طُبقت منذ ذلك الوقت. وقد ترتب عليها ضمن أشياء أخرى زيادة حدة التفاوتات والاختلالات في توزيع الثروات والدخول في المجتمع، وهو ما أدّى إلى حدوث تآكل تدريجي في أوضاع الطبقة الوسطى التي تمثل مصدر الحيوية السياسية والاجتماعية في أي مجتمع، فضلاً عن تضخم حجم الطبقة الدنيا بمختلف شرائحها وفئاتها. بل الأخطر من ذلك هو تزايد أعداد المهمشين والفقراء الذين يقعون تحت خط الفقر، سواء في الريف أو في الحضر، وهؤلاء لا يتوافر لديهم الحد الأدنى من الحاجات الأساسية والضرورية. وهناك العديد من التقارير الإحصائية والدراسات العلمية الموثقة بهذا الخصوص. ومن المفارقات أن الأعباء السلبية التي ترتبت على تنفيذ المرحلة الأولى من برنامج الإصلاح الاقتصادي خلال النصف الأول من التسعينات قد تحملها بالأساس الفقراء ومحدود الدخل. وعلى الرغم من ذلك فإن احتمالات إفادة هؤلاء من النتائج الإيجابية للمرحلة الثانية من الإصلاح الاقتصادي الجاري تطبيقها حالياً تبدو غير مؤكدة، وبخاصة أن هذه النتائج لا تزال على الورق ولم تتحقق على أرض الواقع بعد.
ومع تخلي الدولة تدريجاً عن دورها التنموي والتزاماتها الاجتماعية تجاه المواطنين، ومع تزايد الخلل في توزيع الثروات والدخول بين فئات المجتمع وطبقاته، اتجهت مشكلات الصحة والتعليم والإسكان والمواصلات نحو التفاقم. ولم تعد الحلول الجزئية أو الترقيعية تجدي في وضع حد لتلك المشكلات. وكانت حصيلة ذلك كله حدوث تدهور حقيقي في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين. كما أن هذه المشكلات كوّنت - وتكوّن - بيئة ملائمة لتنامي ظواهر التطرف والعنف والجريمة في المجتمع.
10 - من الملاحظات الجديرة بالتسجيل أنه في الوقت الذي بدأ النظام السياسي المصري ينتقل من صيغة التنظيم السياسي الواحد إلى صيغة التعددية الحزبية المقيدة (منتصف السبعينات) بدأت التنظيمات الإسلامية المتشددة تكشف عن وجهها السافر في تحدي الدولة والمجتمع (حادث الفنية العسكرية الذي نفذته جماعة شباب محمد عام 1974، وحادث اختطاف وقتل الشيخ الذهبي الذي قامت به جماعة "المسلمون" المعروفة إعلامياً بجماعة التكفير والهجرة عام 1966)، بل إن أحد هذه التنظيمات (تنظيم الجهاد) هو الذي اغتال السادات في تشرين الأول/ أكتوبر 1981. وبعد فترة انحسار في نشاط هذه التنظيمات بعد تولي الرئيس حسني مبارك السلطة، عادت منذ منتصف الثمانينات لترفع راية الرفض والتحدي في وجه النظام الحاكم مرة أخرى. وقد بلغ هذا التحدي ذروته حين خاضت تلك الجماعات خلال الفترة 1988 - 1994 مواجهة مسلحة جادة مع أجهزة الأمن، إلى درجة أن هذه الأجهزة كادت تفقد الثقة في قدرتها على المواجهة. ولكن مع حلول عام 1995، استطاعت أجهزة الأمن، بفضل عوامل عديدة، ليس هنا مجال التفصيل فيها، أن تمتلك زمام المبادرة وأن تكسر شوكة تلك التنظيمات.
وما يهمنا هنا هو دلالات تلك التطورات وتأثيراتها في عملية التطور السياسي والديمقراطي. وفي هذا الإطار يمكن القول إن تنامي المنظمات الإسلامية المتشددة ونجاحها في استقطاب قطاعات واسعة من الشبان في صفوفها، قد كشف بوجه واضح عن ضعف الأحزاب السياسية وهشاشتها بما فيها الحزب الوطني. فهي لم تنجح في جذب الشبان إليها، وذلك لأسباب عديدة ليس هنا مجال الخوض فيها. كما كشف أيضاً عن ضعف بعض مؤسسات الدولة وعجزها عن القيام بوظائفها وأدوارها على الوجه الأكمل، وبخاصة تلك المؤسسات المعنية بشؤون الشباب والتعليم (نجحت التنظيمات المتشددة في بعض الفترات في اختراق بعض مؤسسات التعليم) والدعوة والإعلام. وقد بدت هذه المؤسسات لفترة غير قصيرة مرتبكة، وغير قادرة على التنسيق في ما بينها للتعامل بفاعلية مع التحدي الذي فرضته عليها التنظيمات الإسلامية المتشددة. إضافة إلى ما سبق، فإن النظام الحاكم قد اتخذ من تصاعد دور التنظيمات المتشددة، وما ارتبط به من تحديات سياسية وأمنية، عنصراً لتبرير استمرار العمل بقانون الطوارئ، إذ أصبحت الحجة التي يتم الاستناد إليها لتمديد العمل بالقانون هي استخدامه لمكافحة الإرهاب وتجار المخدرات. ومن المفارقات أن الظاهرتين (العنف الذي تمارسه التنظيمات الإسلامية وتجارة المخدرات) قد تزايدتا على نحو ملحوظ في ظل هذا القانون، الأمر الذي دفع الدولة إلى تعديل قانون العقوبات في تموز/ يوليو 1992 لتغليظ العقوبات على جرائم الإرهاب. وبغض النظر عن الأسباب التي تطرحها الأجهزة الرسمية لتبرير استمرار العمل بقانون الطوارئ، الذي تحول إلى قانون دائم، وما يعكسه ذلك من غلبة النظرة الأمنية على تلك الأجهزة في تعاملها مع ظاهرة التنظيمات الإسلامية المتشددة، على الرغم من أن لتلك الظاهرة أسبابها وخلفياتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والدينية، بغض النظر عن ذلك، فإن قانون الطوارئ، وغيره من القوانين الاستثنائية، أصبح هو الإطار القانوني الحاكم لتجربة التعددية الحزبية (المقيدة). ولذلك فإن أحد التساؤلات الرئيسية المطروحة يدور حول إمكان إنجاز تحول ديمقراطي حقيقي مع استمرار العمل بقانون الطوارئ. وفي حين يؤكد الخطاب السياسي الرسمي أن الهدف من هذا القانون هو حماية مسيرة الديمقراطية من مخاطر التطرف والإرهاب، فإن أحزاب وقوى المعارضة تطالب بإلغاء العمل بهذا القانون لكونه يعيق التطور الديمقراطي الحقيقي لما يمثله من قيود على حقوق المواطنين وحرياتهم. كما أن ظاهرة التطرف والعنف تتطلب تبني استراتيجية متكاملة، ذات أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية ودينية وأمنية، للتصدي لأسباب تلك الظواهر ومصادرها.
وهكذا فإن كل المؤشرات السابقة تؤكد ما سبق ذكره في شأن الطابع الجزئي والمحدود للتطور الديمقراطي في مصر. فكل ما تحقق حتى الآن هو مجرد خطوة أو خطوات جزئية على طريق الديمقراطية. والتحدي الجوهري الذي يفرض نفسه على جميع أطراف العملية السياسية هو كيفية تدعيم الديمقراطية بصورة تدريجية ومنتظمة حتى تترسخ قواعدها وتتمأسس أساليب ممارستها، وإلاّ فالبديل لذلك هو أن تستمر العملية السياسية تراوح مكانها عند حدود الهامش الديمقراطي الجزئي بكل ما يكتنف ذلك من مظاهر للاحتقان السياسي والاجتماعي. بل ربما تنتكس العملية الديمقراطية برمتها لسبب أو لآخر، وبالتالي يتم التراجع عنها وإغلاق الباب نهائياً. ولتجنب احتمال انزلاق الدولة والمجتمع إلى هذا البديل الأسوأ، فإنه من المهم دراسة الأسباب والمشكلات التي تعيق عملية التطور الديمقراطي وتؤدي إلى تعثرها، مع تهيئة الظروف الملائمة من قبل كل من الحكم وقوى وأحزاب المعارضة للاتفاق على برنامج حد أدنى لتدعيم عملية التطور الديمقراطي وترسيخ قواعده.
ثانياً: الثقافة السياسية والتطور الديمقراطي:
ضعف القيم الديمقراطية في بنية الثقافة السياسية للمصريين
على الرغم من كثرة التعريفات النظرية المطروحة لمفهوم الثقافة السياسية إسوة بالعديد من مفاهيم علم السياسة الأخرى، فإن هناك شبه اتفاق بين أغلب المتخصصين في حقل السياسات المقارنة على أن المفهوم يشير بصفة عامة إلى مجموعة القيم والأفكار والمعتقدات والمعارف والاتجاهات السائدة لدى أفراد مجتمع ما عن شؤون السياسة والحكم. وفي ضوء ذلك فإن مكونات الثقافة السياسية تختلف من مجتمع إلى آخر لكونها وثيقة الارتباط بجملة من المحددات والعوامل الجغرافية والتاريخية والدينية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية الخاصة بكل مجتمع. كما أن الثقافة السياسية لمجتمع ما تتغير بدرجة أو بأخرى من مرحلة تاريخية إلى أخرى، وبخاصة في حال حدوث تحولات كبرى في طبيعة نظام الحكم، والسياسات الاقتصادية والاجتماعية، والأطر الثقافية والقيمية. أضف إلى ذلك أن الثقافة السياسية ليس بالضرورة أن تكون متجانسة بالنسبة إلى جميع أفراد المجتمع. فإلى جانب ما يمكن عدّه ثقافة سياسية عامة، أي سائدة لدى القطاع الأكبر من أفراد المجتمع، فإنه عادة ما تبرر ثقافات سياسية فرعية لبعض الفئات والتكوينات الاجتماعية. هذا وتنتقل قيم الثقافة السياسية من جيل إلى آخر من خلال عمليات التنشئة السياسية والاجتماعية التي تقوم بها أجهزة ومؤسسات عديدة كالأسرة والمدرسة والجامعة والنادي والحزب والنقابة ووسائل الإعلام ... إلخ. وتولي النظم السياسية، بمختلف أشكالها، اهتماماً بالثقافة السياسة لما لها من تأثيرات مهمة في مختلف جوانب الحياة السياسية، وبخاصة تلك المتعلقة بقضايا المساندة السياسية للنظام والشرعية السياسية والمشاركة السياسية ... إلخ.
وفي ضوء ذلك، فإن الديمقراطية ليست مجرد قوانين ومؤسسات سياسية وعمليات انتخابية وإجراءات مؤسسية لإدارة العلاقة بين الدولة والمجتمع فحسب، ولكنها إضافة إلى كل ذلك هي مجموعة من القيم والمبادئ التي تعد بمثابة الإطار الثقافي للنظام الديمقراطي. أهم هذه القيم في: الاعتدال، والتسامح السياسي والفكري، والقبول بالتعددية في مجال الفكر والسياسة، والإيمان بالحوار كوسيلة للإقناع والاقتناع، وبالتنافس السلمي كوسيلة لكسب ثقة الناخبين من أجل الوصول إلى السلطة أو المشاركة فيها، مع تقبُّل الهزيمة في حال عدم الفوز. كما ان قيم الحرية والمساواة والمشاركة وسيادة القانون ... إلخ، تعد من المكونات الرئيسية للثقافة السياسية الديمقراطية. وتؤكد خبرات التطور السياسي للنظم السياسية المقارنة أنه لا يمكن إقامة نظام ديمقراطي حقيقي في مجتمع ما دون تأسيس وترسيخ قيم الديمقراطية في الثقافة السياسية لدى أفراد هذا المجتمع، الأمر الذي يجعل هذه القيم الأساس في إدارة العلاقات داخل مؤسسات المجتمع المختلفة وفي ما بينها من ناحية، ويجعلها العنصر الرئيسي في صياغة الرابطة المعنوية والعلاقة السياسية بين الحاكم والمحكوم من ناحية أخرى.
وفي خصوص موقع القيم الديمقراطية في بنية الثقافة السياسية المصرية، فقد خلص العديد من الدراسات الميدانية السابقة إلى أن تلك القيم لا تمثل مكوناً رئيسياً في بنية الثقافة السياسية لأغلبية المصريين، بل على العكس تشيع في صفوف تلك الأغلبية قيم السلبية والعزوف عن المشاركة، والشعور بعدم القدرة على التأثير في مجرى الأحداث والتطورات، وضعف روح المبادرة. فضلاً عن منظومة القيم المرتبطة بعبادة السلطة والشك فيها والتحايل على قراراتها والاستهانة بالمال العام...إلخ . ومن هذا المنطلق يمكن القول إن القيم الديمقراطية ليست محدداً لصياغة أنماط العلاقات والتفاعلات داخل مؤسسات المجتمع (الأسرة، المدرسة، الجامعة، النادي...الخ)، بل إن هذه المؤسسات ساهمت - وتساهم - بأوجه مختلفة في إعادة إنتاج القيم التسلطية في الثقافة السياسية على نحو ما سيأتي ذكره في ما بعد. كما أنها، أي القيم الديمقراطية لا تمثل محدداً لصياغة العلاقات داخل الأحزاب والتيارات السياسية والفكرية الموجودة على الساحة السياسية من ناحية ولا العلاقات في ما بين تلك الأحزاب والتيارات من ناحية أخرى، حيث تنتشر في ما بينها نزعات التخندق السياسي والفكري، فضلاً عن تجاهل أسس وأخلاقيات الحوار السياسي، وهو الأمر الذي ساهم ضمن عوامل أخرى في خلق حالة من الاستقطاب داخل المجتمع، تميزت بتعدد محاورها واختلاف درجة حدتها من فترة زمنية إلى أخرى. وقد دار - ويدور - هذا الاستقطاب حول ثنائيات عديدة منها: العروبة والإسلام، الدين والدولة، الدينية والعلمانية، الاشتراكية والرأسمالية، الناصرية والساداتية ... الخ.
وهناك روافد عدة أدّت - وتؤدي - إلي عدم بروز قيم الديمقراطية في الثقافة السياسية للمصريين وإضفاء الطابع التسلطي على تلك الثقافة:
أولها، رافد جغرافي - تاريخي، يتمثل بالتراكم التاريخي لتقاليد مركزية السلطة والاستبداد السياسي. ويمكن تتبع جذور هذه الظاهرة منذ أيام الفراعنة. ولذلك أطلق عليها المفكر جمال حمدان مفهوم "الفرعونية السياسية". وثمة عوامل عدة أدّت إلى خلق هذه الظاهرة وترسيخها أهمها: الطبيعة النهرية للمجتمع المصري، وما استلزمه ذلك من ضرورة وجود سلطة مركزية قوية لإدارة شؤون النهر وشؤون البشر، أي تقوم باتخاذ الإجراءات والترتيبات اللازمة لضبط فيضان النهر من ناحية وتوزيع المياه من ناحية أخرى. فضلاً عن استمرار ظاهرة سيطرة الدولة على الأراضي الزراعية وغياب الملكية الفردية، وذلك حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، الأمر الذي ساهم في تقوية سلطة الدولة وقبضتها المركزية. إضافة إلى ما سبق، فإن استمرارية تقاليد ممارسة السلطة المركزية (بأشكال مختلفة وبدرجات متفاوتة) من قبل الحكام الذين تعاقبوا على حكم مصر منذ أيام الفراعنة حتى الوقت الراهن، وذلك باستثناء فترات محدودة تعرضت تلك السلطة فيها للضعف والتدهور في بعض المراحل التاريخية، إن استمرارية هذه التقاليد، جعلت من الدولة المركزية ذات السلطة القوية أحد الثوابت الرئيسية في حياة المصريين، ومن ثم أحد العناصر المحورية في ثقافتهم السياسية التي تنتقل عبر الأجيال.
وثانيها، رافد اجتماعي - ثقافي، وهو لا يمكن فهمه بمعزل عن الرافد التاريخي. ويتمثل بغلبة الطابع التسلطي على عملية التنشئة السياسية والاجتماعية للمصريين. فعمليات التربية والتنشئة المتواصلة التي يتعرض الفرد لها خلال مختلف مراحل حياته، والتي يقوم بها العديد من المؤسسات الاجتماعية والسياسية كالأسرة والمدرسة والجامعة والنادي والحزب والنقابة وأجهزة الإعلام ... إلخ، هذه العمليات تقوم على أسس تسلطية واستبدادية، تكرس لدى الفرد منذ سنواته الأولى قيم الطاعة والامتثال والخضوع وتلقي التوجيهات من أعلى والتسليم بها دون حوار أو مناقشة أو نقد. وهنا يمكن التطرق إلى أمور عديدة تتعلق بخصوصية بنية العائلة المصرية وانعكاساتها على عملية التنشئة السياسية للأطفال. وطبيعة النظام التعليمي والعملية التعليمية من حيث الشكل والمضمون وتأثيرات ذلك في غرس بعض القيم الديمقراطية لدى التلاميذ والطلاب وتدريبهم على المشاركة من خلال الحوار وإبداء الرأي في قاعات الدراسة. كما يتطرق البحث إلى دور أجهزة الإعلام في نشر وإشاعة الوعي السياسي والقيم الديمقراطية بين المواطنين. ونظراً إلى طول فترة التنشئة السياسية والاجتماعية التسلطية التي يتعرض لها الفرد (من الأسرة إلى المدرسة إلى الجامعة)، فإنه لا يُنتظر من أن يشارك في الحياة السياسية بفاعلية بعد كل ذلك، فهو لم يتعود المشاركة ولم يمارسها من قبل. وعلى هذا الأساس فإنه لا يمكن إنجاز تحول ديمقراطي حقيقي على الصعيد السياسي دون تعميق الديمقراطية على صعيد المجتمع بحيث تصبح نمطاً عاماً للحياة يشمل مختلف أشكال المؤسسات والعلاقات الاجتماعية في المجتمع. وتعد هذه العملية أحد المتطلبات الاجتماعية الرئيسية لتأسيس نظام سياسي ديمقراطي، إلا أن إنجازها يرتبط بشروط واعتبارات عديدة، سوف تشير الدراسة إلى بعضها في ما بعد.
وثالثها، رافد سياسي - مؤسسي، يتمثل بحرص النظم التي تعاقبت على حكم مصر في العصر الحديث، على تكريس مركزية السلطة وتحديث أطر وأساليب ممارسة "الفرعونية السياسية". ولذلك غابت قضية الديمقراطية، ولم يعد هناك مجال لظهور ثقافة سياسية ديمقراطية. وحتى مرحلة الديمقراطية البرلمانية التي عرفتها مصر خلال الفترة 1923 - 1952 كان قد شابها كثير من التناقضات والإختلالات الاقتصادية والاجتماعية التي حالت، إلى جانب عوامل أخرى، دون تأسيس نظام ديمقراطي حقيقي. ناهيك عن الانتهاكات المستمرة التي لحقت بالقيم والقواعد الدستورية والقانونية سواء من قبل القصر أو الإنكليز أو الأحزاب السياسية. وهو الأمر الذي جعل تأثير هذه المرحلة في الثقافة السياسية للمصريين من منظار قيم الديمقراطية محدوداً وهامشياً. أما النظم التي جاءت إلى سدة السلطة في مرحلة ما بعد 1952، فقد اتسمت أساساً بالطابع السلطوي مع اختلاف في الدرجة. وقد تجلى ذلك على نحو واضح في تركيز السلطات، دستورياً وواقعياً، لمصلحة السلطة التنفيذية وبخاصة مؤسسة الرئاسة. وهو الأمر الذي أدّى إلى تكريس هيمنة السلطة التنفيذية على السلطتين التشريعية والقضائية.
وقد ارتبط بذلك وترتب عليه ضعف وهشاشة المؤسسات السياسية من ناحية، وغلبة الطابع البيروقراطي على العملية السياسية من ناحية ثانية، وسيطرة الدولة على مؤسسات وتنظيمات المجتمع من ناحية ثالثة. وقد استندت هذه الهيمنة إلى سياسات وإجراءات قمعية، فضلاً عن توظيف أجهزة الإعلام ومؤسسات التعليم والتنشئة من أجل تدعيم السلطة الحاكمة وتسويق خطابها السياسي، وتكريس قيم الطاعة والولاء والأبوية السياسية لدى المواطنين. لذلك فقد كان كل ما يعني السلطة الحاكمة من المواطنين خلال الخمسينات والستينات هو حشدهم خلف النظام وسياساته وقراراته دون أن يكون لهم أي دور يذكر في صنع تلك السياسات والقرارات. وتدريجاً أصبحت التعبئة السياسية بديلاً من المشاركة في الحياة السياسية على نحو إيجابي وفعال. وحتى حين شرع النظام السياسي في توسيع دائرة المشاركة السياسية منذ منتصف السبعينات، وذلك بالانتقال من صيغة التنظيم السياسي الواحد إلى صيغة التعددية الحزبية المقيدة، فقد حرص على إحاطة تلك التعددية بجملة من القيود السياسية والقانونية والإدارية التي فرغتها من مضمونها الحقيقي، بحيث أصبح التعدد الحزبي استمرارية لنظام الحزب الواحد، ولكن في صيغة الحزب المسيطر أو المهيمن وهو الحزب الوطني الديمقراطي.