
ج - تأثير الردميات
إن الردميات التي تقام على طول الشاطئ اللبناني تقام بوجه أساسي في مناطق صخرية ضحلة، تمثل المكان المثالي لتوالد الأسماك وتغذية صغارها، فتضطر الأسماك الى الهجرة والبحث عن مكان آخر. عندما نردم الشاطئ نطمر أيضاً جميع الطحالب والكائنات الحية الموجودة في هذا المحيط. ويجدر الذكر ان نحو 80 في المئة من شواطئنا صخرية وهذه الطحالب تعيش على الصخور التي تصل إليها أشعة الشمس.
يتم بعض الردميات ليس بالصخور ولكن بالأتربة المستقدمة من أماكن زراعية كذلك، وهكذا نخسرها مضاعفة: زراعياً وبيئياً. وهذه الأتربة، وبخاصة الناعم منها، تمتزج بمياه البحر، فتحدث عكرة في المياه فيؤثر ذلك في الحيوانات والأسماك التي تتغذى بواسطة تصفية المياه، وعوض أن تنال الغذاء الضروري لحياتها يصلها التراب الذي يسد خياشيمها وتموت اختناقاً.
كما أن الأتربة تقلل من نقاوة المياه وبالتالي تحجب أو تخفف تسرب أشعة الشمس إلى الأسفل، الأمر الذي يحصر التمثيل الكلوروفيلي، أي الإنتاج الأولي من النباتات الهائمة في طبقة رقيقة المياه. وهذا ما يضعف بقية حلقات السلسلة الغذائية. إن الأتربة الثقيلة نسبياً تترسب أسرع من الأتربة الناعمة، ولكن كليهما يؤديان إلى تغطية الطحالب البحرية، الأمر الذي يحجب عنها الضوء الضروري لعملية التمثيل الكلوروفيلي ويؤدي إلى اندثارها، وبالتالي إلى توقف الإنتاج الأولي. كذلك تغطي الأتربة الناعمة الصخور وتمنع يرقات الحيوانات القعرية، بعدما تعيش فترة حياتها الأولى هائمة في المياه، من الالتصاق لإكمال دورتها الحياتية.
إن مفعول هذه الأتربة الناعمة لا يبقى محصوراً في مكان إفراغها، فتحت تأثير حركة الأمواج وهبوب العواصف البحرية تختلط المياه بعضها ببعض،فتتسع الرقعة الملوثة. وتنقل التيارات القريبة من الأعماق هذه الأتربة إلى أماكن بعيدة من موضعها الأصلي فتساهم بذلك في توسيع بقعة التأثير السلبي لهذه الأتربة الخانقة.
إن ردم الأماكن الضحلة يعمق البحر، فالكائنات التي تعيش على مستوى معين ليست نفسها التي تعيش في أماكن أخرى أكثر عمقاً، الأمر الذي يخفض التنوع البيولوجي في منطقة معينة، وهذا ما يتناقض مع التوجه العالمي لحماية هذا التنوع ومع موقف لبنان الذي وقع اتفاقية التنوع البيولوجي.
إن كثافة الردميات التي أكلت معظم شواطئنا لتحل مكانها المجمعات السياحية أكلت أيضاً أماكن استراحة الطيور البحرية والمهاجرة التي تبحث عن موطئ للاستراحة على شواطئنا.
وأخيراً، فإن الردميات تغيّر من اتجاه التيارات البحرية الصغيرة وبخاصة القريبة من الأعماق، الأمر الذي يؤدي إلى خلل في الظروف البيئية التي تتأقلم فيها الكائنات الحية التي كانت تعيش في هذه المنطقة. وهذا التغيير في التيارات يمكن أن يسبب تآكلاً في مناطق مجاورة أو ترسبات في أماكن أخرى.
د - شفط الرمول
دلت دراسة مورفولوجيا الساحل على أن المناطق الرملية لا تتعدى 20 في المئة، إضافة إلى ضيق الجرف القاري، هذا يعني أن المساحة المغطاة بالرمال محدودة عرضاً وطولاً، وبالتالي فإن استخراج الرمول سيترك أثراً بيئياً كبيراً في المحيط البحري.
إن شفط الرمول يحدث فراغات صغيرة أو كبيرة تبعاً لكمية الشفط وسرعتها، ستؤدي حتماً إلى زحف كميات من الرمال من المحيط المجاور لملء هذه الفراغات، ومن البديهي أن تأتي من رمال الشاطئ وما يتبع ذلك من تقدم للبحر في البر. إضافة إلى أن شفط الرمول يحدث تيارات تسحب معها جميع الكائنات التي لا تستطيع الإفلات.
إن شفط الرمول يحدث عكرة في المياه ويعمق البحر، الأمر الذي يؤثر سلباً في تكاثر النباتات وانسداداً في خياشيم الأسماك. كما أن شفط الرمول يخرب أماكن توالد الأسماك والحيوانات البحرية التي لا تتكاثر في المناطق الرملية، وكون هذه الأماكن محدودة أصلاً فهي ستخف حتماً كماً ونوعاً.
هذا فضلاً عن الخطر الذي تمثله هذه المناطق على السابحين وعلى البيوت المجاورة لأنها ستخلق أرضاً غير مستقرة، والحوادث التي حصلت تشهد على ذلك.
3 - أبحاث وأنشطة على الشاطئ اللبناني
بالنسبة إلى البحر الأبيض المتوسط، فان دراسة الشواطئ تتم بصورة متوازنة، فالبعض منها كان محظوظاً أكثر من غيره. فالنصف الشمالي للمتوسط خضع لأبحاث أكثر من النصف الجنوبي منه، وحوضه الغربي كان أوفر حظاً من الشرقي. وبصورة عامة فإن مجمل الأبحاث تركزت على المناطق الشاطئية أكثر منها في عرض البحر.
إن أولى الدراسات البحرية التي جرت على الساحل اللبناني ظهرت سنة 1930 مع غروفل (
4 - ما هي الحلول والمقترحات؟
- بالنسبة إلى المجارير: يجب إنشاء شبكة مجارير لكل مدينة تجمع المياه المنزلية المبتذلة وتجري معالجتها في محطات التكرير، كما يتم في بلدان العالم. فالمواد الصلبة يجري تخميرها والمواد السائلة الغنية بالمواد المغذية يمكن استعمالها للإنتاج النباتي الذي يستعمل غذاءً للإنتاج الحيواني أو يجري تحويلها إلى أعلاف وأسمدة، أو لإغناء بعض الأراضي الجافة والقاحلة كون هذه المواد غنية بالمواد العضوية والعناصر المغذية زراعياً.
- من الحلول المطروحة هو إعادة استعمال المياه المبتذلة عن طريق تنقيتها بواسطة زرع النباتات فيها، دون اللجوء إلى التربة أو الاستعانة بالمغذيات الكيميائية.
- في المدى القريب يجب التشدد بمراقبة الآبار ذات القعر المفقود التي تلوث المياه الجوفية وبدورها يمكن أن تلوث البحر.
- بالنسبة إلى النفايات المنزلية يكمن الحل الأمثل بفرزها وإعادة تصنيعها في معامل متخصصة والإفادة منها بدل رميها بالأطنان على مداخل العاصمة في مرافئ الصيادين أو في أجمل الأودية.
- وقف مشاريع الردم الحاصلة ووقف بدعة تسوية المخالفات التي تملك الملك العام لأفراد، وتحرم الجماعة حقوقها.
- إعادة تنظيم الشاطئ ودراسة الانعكاسات البيئية قبل تنفيذ أي مشروع.
- وضع خطط وطنية للمدى البعيد من قبل السلطات تأخذ في الحسبان التنمية المستدامة واستثمار الشاطئ بطرائق مدروسة.
- السعي لتغيير نظرة الدولة إلى الشاطئ لكي تصبح نظرة بيئية وليس مالية وعدم تسييس المشاكل.
- إنشاء محميات طبيعية تكون مرتعاً للطيور وتحافظ على التنوع البيولوجي.
- تطوير قطاع الصيد وإنشاء مرافئ مخصصة له واستثمار طاقات بحرنا ليس على الشاطئ فقط الذي استنـزف بل بعيداً وفي الأعماق.
- التشديد على التربية البيئية والسلوك الاجتماعي للمواطنين على الشاطئ.
- إعادة الصلاحيات لوزارة البيئة وتوسيعها وتوضيحها والتنسيق بين الوزارات.
- تشجيع البحث العلمي ليبقى الركيزة الصحيحة لكل مشروع ولتقويم ثروتنا البحرية ومدى التأثيرات السلبية التي يمكن أن تصيبها.
- الالتزام بتطبيق المعاهدات الدولية والإقليمية وبخاصة اتفاقية برشلونة (1976) والبروتوكولات الناتجة منها التي وقعها لبنان.
- تطبيق القوانين المحلية ووضع قوانين تنظيمية تتلاءم مع بعض الأنشطة الحديثة على لبنان كتربية الحيوانات البحرية.
لن استرسل في سرد الحلول والمقترحات، فالعبرة تبقى بالتنفيذ؛ فالاتفاقيات تبقى فولكلوراً في المحافل الدولية إذا لم يعمل المسؤولون على تنفيذها؛ والمحميات تبقى سائبة إذا لم تطبق الدولة قوانين الحماية؛ ونتائج الأبحاث مهما كانت أهميتها تبقى حبراً على ورق إذا وضعت في الأدراج ولم تأخذ فيها الدولة عند تنفيذ المشاريع. المطلوب نقلة نوعية من مستوى التحسس والتفهم والوعود إلى مستوى التحرك وإيقاف المجزرة بحق شواطئنا.
إن السير في ركب الحضارة المعاصرة لا يكون بالأبنية الشاهقة فقط والمجمعات السياحية والمظاهر البرّاقة وباقتناء منتجاتها، بل بأسلوب حياة ونمط تفكير يكون بمستوى هذه الحضارة.
هذه الحضارة تبقى مستوردة ومزيفة إذا لم تدخل إلى حياتنا وذواتنا وتنعجن وتتخمر فينا قبل أن تخرج عن قناعاتنا وممارساتنا.