Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


آرام نركيزيان, كبير الزملاء، كرسي ألراي أ. بورك للاستراتيجية، مركز الدراسات الاستراتيجيّة والدوليّة


March 2017
تلافيًا للأزمة في العلاقات المدنيّة-العسكريّة في لبنان

ضمن سلسلة من المقالات التي تسلّط الضوء على أبرز التحديات التي تواجه لبنان، سعى المركز اللبناني للدراسات للحصول على مساهماتٍ من كبار الخبراء بشأن ما ينبغي أن تكون عليه أولويات الحكومة الجديدة. الاستفادة من المكاسب التي تحققت خلال العقد الماضي لتحديث ودعم القدرات المؤسسية والعسكرية للقوات المسلحة اللبنانية (الجيش اللبناني) لاتزال تشكل تحدياً رئيسياً للبلاد. يتناول هذا المقال أربعة تحديات محددة يواجهها لبنان وقواته المسلحة. للتطرق بشكل أفضل لهذه التحديات، يقترح المقال اعتماد استراتيجية استباقية تنطوي على التواصل بين القيادة المدنية والعسكرية في البلاد وتأخذ في الاعتبار التواصل والتخطيط ما بين المؤسسات، والمدخلات المدنية والعسكرية في تشكيل الاستراتيجية، ومخصصات ميزانية الدفاع، والأزمة على مستوى  قيادة القوات المسلحة اللبنانية.

نظريًّا، لا بدّ لانتخاب العماد ميشال عون رئيسًا للجمهوريّة وتشكيل حكومة جديدة برئاسة سعد الحريري بعد ستّة وعشرين شهرًا من الفراغ الرئاسي أن يدفعا قدمًا بالجهود الرامية إلى تدعيم القوّات المسلّحة اللبنانيّة. ومن شأن ذلك أيضًا أن يتيح فرصةً لإعادة إطلاق الجهود المتعثّرة منذ فترة طويلة والتي تقودها الحكومة لدعم تطوير الجيش اللبناني. ولكن تواجه الحكومة والجيش اللبنانيّان أربعة تحديات أساسيّة إذا كان للبنان أن يحافظ على المكاسب التي تحققت بين 2005-2016.

ويكمن التحدي الأوّل في غياب الانسجام بين الطبقة السياسية والمؤسسة العسكرية حول القضايا الاستراتيجيّة. فأي سياسية وطنية دفاعيّة تعتمد على عوامل عدة: طبيعة الموارد المتاحة وبيئة التهديدات الّتي تواجهها الأمّة المعنيّة، بالإضافة إلى الدعم الذي يوفره الحلفاء الأساسيّون والمؤسسات الدوليّة.

في نيسان/أبريل 2013، قدّمت القوّات المسلّحة اللبنانيّة الصيغة النهائيّة لـ"دفاعًا عن لبنان: خطّة تطوير قدرات القوّات المسلّحة اللبنانيّة 2013 – 2017"، والتي سنشير إليها اختصارًا بالخطّة. وشكّلت هذه الخطّة أوّل وثيقة استراتيجيّة رئيسيّة تصدر عن القوّات المسلّحة اللبنانيّة لدراسة المهمّات المتوجّب عليها تنفيذها بنجاح، وأدنى القدرات الدفاعية والهجومية المقبولة والمتاحة، ومأسسة إجراءات الجيش الدورية، ومن ثم ربط كل هذه بالموارد المتاحة والتمويل المستقبلي.

غير أنّ هذه الخطّة لم تلقَ إلاّ قبولاً خجولاً من الحكومة والفرقاء السياسيّين المتنافرين في البلد، وهي تشكّل في أحسن الأحوال محاولةً لصياغة بعض أجزاء الاستراتيجيّة العسكريّة اللبنانيّة. لكن يبقى إسهام المدنيّين في صياغة الاستراتيجيّة في لبنان رهنًا بالحسابات الضيّقة الخاصّة بالنخب السياسيّة المتنافسة. أمّا مفهوم استراتيجيّة الدفاع الوطني فقد نُزعت من سياقها التقني التقليدي. فهي رهينة صراعات سياسية داخلية أو خيارات الحلفاء الخارجيين. وتمنع هذه الصراعات تحديد أهداف وطنيّة وسياسات خارجيّة واضحة وصياغة القرارات الاستراتيجية بشكل عملي.

أمّا التحدّي الثاني فيتمثّل في التفاوت بين التخطيط والتمويل المتّصل بالتطوير العسكري. فقد ازداد عديد القوّات المسلّحة اللبنانيّة من 59 ألف عنصر عام 2010 إلى نحو 68،300 عام 2015. وظاهريًّا، بدا كأن نفقات الدفاع اللبناني قد ارتفعت أيضًا بين 2005 و2013. ولكن، عند احتساب التضخّم، يتبيّن أنّ نفقات الدفاع بقيت بشكل عام على حالها خلال هذه الفترة، بل سجّلت انخفاضاً في نفقات عامي 2011 و2012.

وفي محاولة للتعويض عن الدور المحوري الّذي تلعبه المساعدات الخارجيّة في تحديد وجهة تطوير الجيش اللبناني، أقرّ مجلسا النوّاب والوزراء معًا في 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2015 القانون المعجّل رقم 30 بموجب المادّة 62 من الدستور. وينصّ هذا القانون على أن تلتزم الحكومة اللبنانيّة بتخصيص 894.6 مليون دولار لتحديث القوّات المسلّحة اللبنانيّة وتطويرها، وضمان استدامتها العسكريّة لفترة 2016-2020. وكانت الغاية من هذا القانون دعم جهود التطوير العسكري الّتي تبذلها قيادة الجيش وتوجّهها الخطّة. ويتمثّل الهدف منه أيضًا بطمأنة الشركاء المانحين القلقين بشأن مشاركة الحكومة اللبنانية العبء المتّصل بتحديث القوّات المسلّحة اللبنانيّة.

غير أنّ قانون الميزانيّة المعتمد يبقى ناقصًا إلى حدٍّ كبير. فصدوره بعد سنتين من التأخير أدّى إلى اعتماده بمعزل تام عن الجدول الزمني لخطّة 2013-2017. وخفّض القانون ميزانيّة الاقتناء في الخطّة بنسبة 44%، وكاد يطيح تمامًا بالمخصّصات المتّصلة بالقدرات الهجوميّة والدفاعيّة، مركّزًا في المقابل على نظم النقل، والصيانة، ومشاريع البنية التحتيّة. وأخيرًا، أتاح القانون للحكومة اللبنانيّة أن تخفّض قيم المخصّصات السنويّة بحسب المنح والمساعدات الخارجيّة المقدّمة للبنان وللجيش اللبناني. ومن أصل أكثر من 170 مليونًا تمّ رصدها في العام 2016، لم يكن قد أُنفِقَ أكثر من 15 مليونًا بحلول كانون الثاني/يناير 2017.

ويتمثّل التحدّي الثالث، الّذي قد يكون الأصعب، في أزمة القيادة العسكريّة في القوّات المسلّحة اللبنانيّة. ففترة 2011 – 2016 شهدت تولّي ضبّاط من دفعات 1980، و1982، و1983، و1985 مناصب عليا على مستوى القيادة العامة والأفواج والألوية الأساسيّة. وقد اعتُبرت مجموعة صغيرة من ضبّاط دفعة العام 1980 من بين أفضل الخيارات لتسلّم قيادة الجيش عند انتهاء ولاية العماد جان قهوجي في أيلول/سبتمبر 2013. إلاّ أنّ ذلك لم يُترجم على أرض الواقع. وفي محاولة للمحافظة على استمرارية العمل داخل المؤسسة، اتفقت الأطراف المتنافرة في لبنان على التمديد المتكرّر لقائد الجيش ورئيس أركانه. هذه التمديدات حرمت دفعات بأكملها من الضبّاط من تبوّء مراكز قيادية عليا. وبين آب/أغسطس 2016 وأيلول/سبتمبر 2017، سيكون ستة وثمانون من العمداء قد تقاعدوا من القوّات المسلّحة اللبنانيّة، وسيتمّ ذلك بالنسبة إلى الكثير منهم، لئلاّ نقول معظمهم، قبل تقاعد قائدٍ يكبرهم بعشر سنوات. ومن بين هؤلاء مَن قادوا جهود خطّة تطوير القدرات، ووضعوا تصوّر أفواج الحدود البريّة وأسسوها، وبلوروا رؤية الجيش للعام 2025، وأعادوا تحديد علاقات الجيش مع شركائه الخارجيين، وحدّثوا عملية الاقتناء العسكري. وقد أدّى هذا كلّه إلى تعقيدات مؤسساتية.

أمّا التحدي الأخير فهو التزامات لبنان العسكريّة الثنائيّة والمتعدّدة الأطراف. ويشكّل الحوار الاستراتيجي بين قوّة الأمم المتّحدة المؤقّتة في لبنان (يونيفيل) والقوّات المسلّحة اللبنانيّة خارطة طريق ناجعة لبناء قدرات وحدات القوّات المسلّحة اللبنانيّة الموجودة والجديدة، ولخفض عديد قوّات اليونيفيل المنتشرة حاليًّا في قطاع جنوب الليطاني. وبدعم من المملكة المتّحدة، تحوّل مسعى تجريبي لإدارة الحدود إلى مشروع تبلغ قيمته ملايين الجنيهات لتعزيز قوّات حماية الحدود ومراقبتها القويّة أصلاً. وتواصل الولايات المتّحدة الأميركيّة والقوّات المسلّحة اللبنانيّة ترسيخ العلاقات المتينة بين الجيشين من خلال برامج المساعدات عسكريّة، والتنسيق مع قيادة العمليّات الخاصّة الأميركيّة في قاعدة حامات الجويّة التابعة للجيش اللبناني، ودعم مراقبة الحدود، ومأسسة عمليات التخطيط والاقتناء لدى القوّات المسلّحة اللبنانيّة.

وفي غضون كلّ ذلك، تجري البلدان الّتي تقدّم المساعدات العسكريّة تقييمًا لنوايا حكومة عون-الحريري الجديدة بناءً على كيفيّة معالجتها للتحديات المتّصلة بدعم تطوير الجيش اللبناني. وقد بدأ بالفعل معظم الشركاء الخارجيين للقوّات المسلّحة اللبنانيّة، ولاسيّما الولايات المتّحدة الأميركيّة، يشعرون بأثر التغييرات في المناصب. فالشراكات الأساسيّة ما عادت تتمتّع بالزخم نفسه الّذي كانت عليه خلال فترة 2011-2016، وبات القلق يساور شركاء اساسيّين حيال ما إذا كانت الحكومة ستختار للقوّات المسلّحة قائداً قديراً.

وفي عالم مليء بالتغييرات، لا يمكن للبنان أن يسمح لنفسه بترف سوء إدارة العلاقات المدنيّة-العسكريّة الشائكة. فإذا كان للبلد أن يبلغ أهداف القوّات المسلّحة اللبنانيّة البعيدة الأمد، مع احترام التزاماته وشراكاته الخارجيّة، سيتعيّن على الحكومة اللبنانيّة أن تتعاون بشكل استباقي مع القادة العسكريّين لتفادي أسوأ آثار هذه التحديات. وسيتوجّب على لبنان أن يجري التحوّل الصعب من نموذج التطوير العسكري المموّل بالمنح الخارجيّة إلى نموذج يستعين بالأموال الحكوميّة على نحو يمكن التنبؤ به من سنة ماليّة إلى أخرى. ويكون ذلك، على سبيل المثال، من خلال تحديد أهداف قائمة على نسبة محدّدة من إجمالي الدخل القومي السنوي. كما أن عليه أن يجد القيادة العسكريّة القادرة على تأمين استمرارية التحوّل البعيد الأمد للقوّات المسلّحة اللبنانيّة. 






Copyright © 2017 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.