Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


سامي عطالله ونانسي عزالدين, تباعاً المدير التنفيذي للمركز اللبناني للدراسات وباحثة اقتصادية في المركز اللبناني للدراسات


September 2017
فرص ضائعة في القطاع الصناعي اللبناني

تقوضت قطاعات لبنان الانتاجية منذ نهاية الحرب الأهلية في العام 1990. وعلى غرار قطاعات أخرى مهمشة، ضعف القطاع الصناعي، وبات يشكل نسبة هامشية من الاقتصاد، ويُعزى ذلك بشكل كبير إلى تاريخ من فرص التنمية الضائعة. وقد انخفضت حصة القطاع الصناعي من مجموع الناتج المحلي الإجمالي على نحو مطّرد من 24% في العام 1997 إلى 14% في العام 2016 ]1[.

وفي سياق متصل، يستمر لبنان بتسجيل العجز الأسوأ في الميزان التجاري في المنطقة، ويعود ذلك بشكل أساسي إلى تعويله على الواردات، وضعف قنوات التصدير. فقد سجّل العجز في الميزان التجاري، الذي بلغ 15،65 مليار دولار بحلول كانون الأول 2016، زيادة سنوية بنسبة 3,56% (BLOM- INVEST).  كما شهدت الصادرات تقلّبات في السنوات القليلة الماضية، فسجّلت ارتفاعاً من 4،49 مليار دولار في العام 2008 إلى 5،11 مليار دولار في العام 2012، ثم انخفاضاً إلى 2,44 مليار دولار في العام 2015.  وقد شهد القطاع الصناعي تقيّداً في النمو بفعل التطور المحدود في السياسة الصناعية، والتغطية المحدودة بالتيار الكهربائي، وكلفة الإنتاج العالية، بالإضافة إلى التأثيرات الناتجة عن النزاع في سوريا. وقد كان لهذا الأخير تأثيراً واضحاً على مستوى تقليص الاستثمارات في البلاد، ورفع كلفة الصادرات بفعل إغلاق ممر لبنان الوحيد للتصدير براً إلى المنطقة.

إمكانية إحراز تطور
بالرغم من هذه الصورة التشاؤمية ظاهرياً، يبدو واضحاً عند النظر إلى البيانات الجزئية على خارطة فضاء المنتجات (product space) ]2[، أنّ الوضع لم يكن قاتماً إلى هذه الدرجة. فبين العام 2000 والعام 2008، تمكّن القطاع الصناعي اللبناني من التعافي، وسجّلت الصادرات ارتفاعاً مطرداً من 742 مليون دولار في العام 2000 إلى 2،58 مليار دولار في العام 2008.  وقد ترافقت هذه الزيادة المطردة بارتفاع في مستوى تعقيد (sophistication) الصادرات، تظهر واضحة بالنظر إلى تحسّن مرتبة لبنان في فضاء المنتجات. فقد ارتفع العدد الاجمالي للمنتجات الصادرة من 898 في العام 2000 إلى 978 في العام 2008. وعلى قدر متساوٍ من الأهمية، تُظهر مقارنة توزيع هذه المنتجات أنّ عدد المنتجات الأساسية سجّل ارتفاعاً نسبته 21% (من 307 في العام 2000 إلى 370 في العام 2008)، فيما لم يرتفع عدد المنتجات الطرفية سوى بنسبة 3% (من 591 منتج في العام 2000 إلى 608 في العام 2008)، ما يعكس زيادة في تطور الصادرات اللبنانية.   
 
غير أنّ أكثر ما يلفت هو أنّ 40 من أصل 52 سلعة منتجة حديثاً في العام 2008 كانت نتيجة "وثبات طويلة". من بينها نجد المصنوعات الخزفية، وملونات الزجاج، والمواد المُعدلة للشفافية، والأصباغ، والمينا (HS:3207)، وماكينات الحلاقة، وماكينات حلاقة الشعر (HS:8510)، والتركيبات المعدنية الأساسية للمفروشات، والأبواب والسيارات (HS:8302). وتشير الوثبة الطويلة إلى أنّ سلعاً جديدة أُنتجت بالرغم من غياب المعرفة أو القدرات اللازمة، وذلك وفقاً للبيانات المجمّعة من سلة الصادرات الموجودة. وتشير المؤلفات إلى أن ظواهر مماثلة تُلاحظ في بلدان حصلت فيها تغييرات اقتصادية هيكلية. في هذا الصدد، يشكّل لبنان شذوذاً عن هذه النظرية. فبالرغم من غياب استراتيجية تقودها الحكومة لدعم النمو الصناعي، تمكّن القطاع من تحسين مكانته الصناعية من خلال إنتاج منتجات متطورة جداً بين العامين 2000 و2008.
  
صدمات الطلب المؤاتية للبنان
بغية التوصل إلى فهم أفضل لتنوّع الصادرات في لبنان، مع الأخذ بعين الاعتبار مجالات الانتاج البالغة التطور، وغياب تغيير هيكلي تقوده سياسة، تعزو الأدبيات التغيّرات في مستويات التطور في بلدان مختلفة إلى سببين رئيسيين: صدمة إنتاجية أو صدمة على مستوى الطلب. وفيما لا تزال الشركات اللبنانية تعاني تكاليف انتاج باهظة وغياب مهارات مناسبة، حفّزت صدمات الطلب، أي اكتشاف أسواق جديدة، بشكل كبير زيادة التعقيد (sophistication) في الصادرات.  أضف إلى ذلك أنّ قدرة السوق المحلية الصغيرة والتي بلغت حدّ الإشباع تدفع بالمنتجين الذين يطمحون إلى توسيع انتاجهم وتنويعه إلى التطلّع إلى الخارج. بالتالي، تستفيد الشركات اللبنانية من خبراتها، ومهاراتها في مجال ريادة الأعمال، وعلاقاتها مع الأسواق الأجنبية لتخطي عدم اليقين المحيط بالطلب. من العام 2000 وحتى العام 2008 مثلاً، تم التوقيع على عدّة اتفاقية تجارة بين لبنان وبلدان أجنبية أو جمعيات تجارية، على غرار منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى (GAFTA). وقد نتج عن هذه الاتفاقية ارتفاعاً كبيراً في حجم الصادرات، إذ استجاب المصدرون لازدياد فرص الطلب في الدول العربية.

المحافظة على ارتفاع إيجابي في التعقيد (sophistication) ؟
بالرغم من فترة التفاؤل التي امتدت من العام 2000 حتى العام 2008، وكانت مؤشراً على موجة إيجابية من التصنيع في لبنان، كان من شأن النقص في الدعم الحكومي وغياب صدمة انتاجية مكمّلة لصدمة الطلب أن يصعّب على الصناعيين المحافظة على ميزة مقارنة.
 
أضف إلى ذلك أنّ موقع لبنان في فضاء المنتجات تراجع مع انخفاض اجمالي عدد المنتجات المصدّرة من 978 في العام 2008 إلى 896 في العام 2015. فمن العام 2008 إلى العام 2015، أوقف لبنان انتاج 82 منتجاً كان قد وصل إلى مستوى الاحتراف في انتاجها في العام 2008. ويتم تحليل ما سبق على أنّها فرص ضائعة تتطلّب إيلاءها اهتماماً خاصاً، إذ قد تنذر بوجود إخفاقات في السوق.
 
ويمكن مقارنة الطفرة في التطور خلال الفترة الممتدة بين العام 2000 والعام 2008 بوضع القطاع خلال فترة ما قبل الحرب. ففي ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، شهدت الصناعة فورة مماثلة، غير أنّها أخفقت كذلك في تحقيق المزيد من التطور، ويعود ذلك بشكل أساسي إلى غياب السياسات المساندة الملائمة. مثلاً، في العام 1975، كان قطاع الصناعة اللبناني قد بلغ مستويات احترافية في تصنيع 5 من أصل 10 من المنتجات الوازنة. وعليه، سجّل مستوى القدرات في الاقتصاد، الذي تم قياسه على أساس مؤشر التعقيد الاقتصادي  (Economic Complexity Index)، الحدّ الأعلى في العام 1968. وقد بلغ ترتيب لبنان ذروته في العام 1975، حين صُنّف في المرتبة 21 في العالم. بعدئذٍ، اتخذ التعقيد الاقتصادي في البلاد اتجاهاً اجمالياً تنازلياً، حيث بلغ مرتبة منخفضة وهي 44 في العالم في العام 1998. ثم بحلول العام 2008، تحسّن ترتيب البلاد مجدداً فبلغت المرتبة 31 عالمياً.

دعوة إلى اتخاذ إجراءات: استراتيجية صناعية خاصة بالقطاع
مع تاريخ حافل بفرص التنمية الضائعة، يحتاج لبنان إلى سياسة صناعية داعمة قادرة على تأمين استفادة على النحو الأمثل من فرص التصنيع. وتُعدّ هذه الاستراتيجية أساسية لتطوير البلاد من أجل استحداث وظائف عالية التعقيد (sophistication)، وتفادي هجرة الأدمغة. ويتوجب على صانعي السياسات، من خلال استخدام فضاء المنتجات كبوصلة، أن يصمموا مبادرات محددة ترشد انتاج منتجات متطورة في المجالات التي يتمتّع لبنان فيها بميزة مقارنة.  وتتمثل إحدى السبل لصياغة وتنفيذ سياسات مماثلة في آلية مستدامة من الحوار بين القطاعين الخاص والعام، من شأنها أن ترفع مستويات المساءلة والشفافية على مستوى الجهود والإجراءات الهادفة إلى تعزيز الصناعة اللبنانية.
 
لهذه الغاية، يعقد المركز اللبناني للدراسات طاولات مستديرة لتسهيل الحوار بين القطاعين العام والخاص، بين وزارة الصناعة وجمعية الصناعيين اللبنانيين. ويستخدم المركز اللبناني للدراسات أبحاثاً مرتكزة إلى أدلة لتشجيع الصناعيين وصانعي السياسات على تخطي الشواغل الضيقة المرتبطة بالمعاملات والانتقال إلى مسائل وفرص أوسع نطاقاً لتغيير السياسات، وتحقيق نمو موجّه نحو الصادرات، وإجراء إصلاح مؤسساتي. وقد سمح ذلك ولا يزال للمشاركين في الحوار بالتوصل إلى فهم أفضل لشكل ونوع مزيج الأطر القانونية، والقواعد التنظيمية، وخدمات التدريب على العمل، وقواعد النفاذ إلى الأسواق، والبنى التحتية، الذي من شأنه أن يعزّز التنوع الاقتصادي في ظل مجالات بالغة التطور.  

]1[  استفاد هذا المقال من الأبحاث التي قادها المركز اللبناني للدراسات وأجراها سامي عطاالله، والدكتور سيباستيان بوستوس، ونانسي عزالدين، والدكتور إيلينا سرور، والدكتور محمد علي يلديريم.
 
]2[  فضاء المنتجات (product space) عبارة عن خريطة صناعية تسمح للمرء أن يفهم بشكل بصري العلاقة بين منتجات يتم التداول فيها في الاقتصاد العالمي. وتعكس هذه الشبكة القدرة الانتاجية والمعرفة الراسخة في البلد، من خلال تسليط الضوء على منتجات يقوم البلد حالياً بتصديرها. ويتيح ذلك التوصل إلى فهم أفضل للقدرات الموجودة والفرص المحتملة في المستقبل. تتشاطر المنتجات المترابطة بشكل مباشر شروطاً مسبقة مرتبطة بقدرات الانتاج، والمعرفة والمدخلات. وعادة ما تكون المنتجات المتواجدة على أطراف الشبكة منتجات أقل تعقيداً، تتضمّن على سبيل المثال مواد خام وخضار طازجة. وكلما كان موقع المنتجات أقرب إلى المركز، ازداد تعقيدها (sophistication). 






Copyright © 2017 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.