Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


ميلاني كاميت، دومينيكا كروسزويسكا وسامي عطاالله , على التوالي، بروفيسورة في قسم الشؤون الحكومية في جامعة هارفارد وباحثة متخصصة في الاقتصاد السياسي للشرق الأوسط في المركز اللبناني للدراسات، طالبة دكتوراه في الإدارة الحكومية في جامعة هارفارد، والمدير التنفيذي للمركز اللبناني للدراسات


May 2018
الدين والإنتخابات: بماذا يمكن أن تطلعنا الإنتخابات اللبنانية؟

سيجري لبنان انتخابات وطنية يوم الأحد للمرة الأولى منذ ما يقرب من عشر سنوات. ومن خلال نتائج دراسة حديثة أجريت حول الدوافع الإنتخابية في لبنان، نلقي الضوء على ما نتوقعه من هذه الانتخابات. تشير البيانات إلى أن "الإنتماء الديني" المشترك بين المرشحين والمواطنين هو العامل الأكثر أهمية - حتى بعد "شراء الأصوات" وغيرها من أدوات الزبائنية المستخدمة من قبل الأحزاب والسياسيين، حيث أن حوالي 10% من المشاركين سيختارون على الأرجح مرشح ينتمي إلى الطائفة نفسها وحوالي 4٪ فقط على الأرجح سيختارون مرشحين يعدونهم بتقديم خدمات زبائنية قيّمة من قبيل الوظائف، أو يتعهدون بمعالجة قضايا بالغة الأهمية كمسألة البطالة. قد يحتاج من يتحدى الوضع الراهن للأحزاب الطائفية إلى مراجعة خطاباته وكيفية تعديلها والتسليم بأن الهوية الطائفية - وليس فقط القضايا - تَلقى الصدى لدى العديد من المواطنين.
 
 
 
في 6 أيّار 2018، سيقترع المواطنون اللبنانيّون خلال الانتخابات الوطنيّة الّتي ستُجرى للمرّة الأولى منذ العام 2009.
 هذه هي أول انتخابات تقام منذ إقرار قانون الانتخابات الجديد في حزيران 2017، والأولى منذ الانتخابات البلدية لمدينة بيروت عام 2016 ، والتي تم فيها تشكيل قوة منافسة تعتمد برنامجاً انتخابياً مغايراً للأحزاب الطائفية التقليدية القائمة على الزبائنيّة، وحملت إسم "بيروت مدينتي"، وحصدت نحو 40% من الأصوات، فطرحت بذلك تحدّيًا للأحزاب الطائفيّة التقليديّة القائمة على الزبائنيّة الّتي لطالما أحكمت قبضتها على الحياة السياسيّة اللبنانيّة.
 
وفي خضمّ الحملات الانتخابيّة، يبقى السؤال: هل سيغير هذا التحدي في الواقع سلوك التصويت للمواطنين اللبنانيين؟ هل سيُذعن المواطن لاستراتيجيّات شراء الأصوات الّتي غالبًا ما مارستها الأحزاب السياسيّة لكسب الدعم الانتخابي؟ وهل سيُدلون بأصواتهم لمجموعة سياسيّة جديدة مرشّحة على أساس برنامج انتخابي؟ أو هل سيعطي الناس صوتهم التفضيلي في نظام التمثيل النسبي المُعتمد حديثًا لأبناء طائفتهم؟
 
وبغية اختبار تأثير هذه العوامل المتمايزة على السلوك السياسي للمواطنين، أجرينا مسحاً استقصائيّ تجريبي مشترك  طُلب فيه من 2,400 مُستطلع الاختيار بين مرشّحَين مُفترضَين تباينت ملامحهما الشخصيّة بشكل عشوائي بحسب مجموعة من الخصائص من قبيل الوعود الزبائنيّة بتقديم خدمات ذات قيمة متدنّية أو مرتفعة، والتعهدات بتنفيذ برامج متّصلة بإدارة النفايات والبطالة، وطائفة المرشّح، من بين جملة أمور أخرى.
 
وقد برزت ثلاثة استنتاجات رئيسيّة:
 
 يتّصل أوّلها بالزبائنيّة، والتي لا تقتصر فقط على صفقة تبادل قصيرة الأجل . تشدّد المنشورات الأكاديميّة الّتي تُعني بالسياسة في الدول النامية – بما فيها تلك الّتي تتسم بشروخ اجتماعيّة إثنيّة-دينيّة، على غرار لبنان، على دور عمليّة شراء الأصوات خلال الانتخابات. إلاّ أنّ دراستنا الّتي تميّز بين نوعين من  الخدمات، تبيّن أنّ لأشكال الخدمات المختلفة آثار متباينة على السلوك الانتخابي. ونذكر على وجه التحديد أنّه لا تحرّك المنافع متدنّية القيمة، مثل المال النقدي والسلال الغذائيّة، الناخبين، الذين هم، بشكل عام، أكثر ميلاً لاختيار مرشّح يقدّم العلاج الطبّي وفرص العمل لأفراد عائلاتهم –وكلتاهما من الخدمات ذات القيمة العالية –وذلك بنسبة 2% و4% تباعًا. وهذا يشير إلى أن الخدمات الزبائنية، والتي تتطلب علاقات مستمرة بين الرعاة والزبائن، هي أكثر فعالية من إجراء الصفقات لمرة واحدة فقط.
 
ويُبيّن الاستنتاج الثاني على أهمية المسائل المطروحة للمعالجة . فبينما تشير المنشورات الّتي تطرق إلى موضوع السلوك الانتخابي في الشرق الأوسط وفي بلدان نامية أخرى إلى أنّ الاعتبارات البرامجية لا تشكّل دافعًا لسلوك الناخبين في ظلّ ضعف الأحزاب وضآلة تأثير الهيئة التشريعيّة على عمليّة صنع السياسات، ما يُفقد البرامج السياساتيّة من فاعليّتها، تُبيّن دراستنا خلاف ذلك. فالواقع أنّ جاذب البرامج له أهميّته، ولكنّ بشكل يختلف عمّا كنّا نتوقّعه، حيث أن ما يهم هو القضيّة المطروحة بحدّ ذاتها وليس اندراجها ضمن سياق برنامج محدد: ذلك أنّ اعتماد خطّة مفصّلة لا يزيد بالضرورة من الدعم الّذي يحصده المرشّح، غير أنّ المُستطلعين أكثر ميلاً بنسبة 4% للتصويت للمرشّحين الّذين يثيرون قضيّة البطالة.
 
مسألة العرق والدين، والتي هي ليست مجرد غطاء تتستر به الزبائنية. يتّضح من دراستنا أنّ أكثر ما يؤثّر في الخيارات الانتخابيّة هو الانتماء الإثني الطائفي. فالمشاركون هم أكثر ميلاً بنسبة 10% لاختيار شخص ينتمي إلى إثنيّتهم، أو إلى طائفتهتم، وهذا العامل هو أهمّ منبئ بالدعم الّذي سيحصده المرشّحون. وعندما يتفوّق الدين على التوزيع الزبائني والشواغل السياساتيّة المتّصلة بالقضايا الملحّة، من قبيل مسألة جمع النفايات والبطالة، فما الّذي يعنيه بالنسبة إلى المواطنين؟ ولمَ يبدو أنّهم أكثر اهتمامًا بالانتماء الديني للسياسيّين منه بقدرتهم على تقديم المنافع الزبائنيّة أو على إقرار السياسات الّتي يُحبّذونها؟
 
وقد أتاحت لنا الدراسة تناول موضوع الدين لتقصّي ما إذا كان دين المرشّح يشكّل مدخلاً للنفاذ إلى منافع زبائنيّة محتملة، أو ضمانة للتركيز على حماية الطائفة من التهديدات الخارجيّة، أو مؤشّرًا للأفضليّات السياساتيّة المشتركة لدى أعضاء الطائفة الواحدة، أو تفضيلاً لأبناء الطائفة – أي بمعنى آخر ما يُطلق عليه علماء النفس اسم "الحبّ المحصور بأفراد المجموعة".
 
ولا تقوم أيّ من هذه التفسيرات المحتملة على أساس متين من البيانات، باستثناء مسألة "الحبّ المحصور بأفراد المجموعة". ويمكن أن يعكس التحيّز الظاهر الّذي أعرب عنه المُستطلعون للمرشّحين المنتمين للاثنيّة نفسها ميلاً بشريًّا للتمييز بين داخل المجموعة وخارجها، ما يلبّي بدوره الحاجة إلى الانتماء ويسهّل التعاون الاجتماعي. ويمكن لهذا الميل إلى التعلّق بالجماعة أن يزداد حدّةً في ظلّ ضعف مؤسّسات الدولة، الّتي فشلت في نشر حسّ الانتماء إلى الجماعة السياسيّة الوطنيّة الأوسع نطاقًا.
 
تشكّل الانتخابات الوطنيّة اللبنانيّة دراسة حالة جيّدة تتيح لنا فهم أفضل للدوافع الّتي تحرّك سلوك الناس الانتخابي في ظل ديمقراطيات قائمة على أساس الطائفيّة. قد تظهر نتائج الانتخابات الوطنية القادمة يوم الأحد ما يثبت الشكوك التي تراود أصلاُ البعض، وتحديدًا، أنه من حيث اكتساب الأصوات، تركز المجموعات المستقلة خطابها الانتخابي، في كثير من الأحيان وإلى حد كبير، على البرامج، متجاهلةً الانتماء الطائفي، وذلك على حساب مصلحتها. ولهذا الاستنتاج تبعات كبرى على أيّ حملة مستقلّة ومتمحورة حول السياسات، في لبنان والمنطقة، ما يؤكّد على أهميّة نتائج الانتخابات يوم الأحد.






Copyright © 2018 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.