Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


سامي عطاالله, المدير التنفيذي للمركز اللبناني للدراسات


May 2018
لا بدّ أن يُقرن التمثيل النسبي بالإصلاح الحزبي حتّى يحقق النجاح

كانت الآمال التي عُقدت على اعتماد نظام التمثيل النسبي الّذي كان يُتوقّع منه أن يمهّد الطريق للإصلاح السياسي في لبنان صادقة، إلاّ أنّ أثره قد انحصر إلى حدّ كبير بتعديل توازن القوى بين الأجنحة المختلفة للنخبة السياسيّة نفسها. ذلك أنّ العديد من الوجوه الجديدة في البرلمان اللبناني المنتخب حديثًا تنتمي إلى النسيج السياسي أو الاجتماعي نفسه الّذي أنتج النوّاب السابقين، وهي تتضمّن الكثير من أبناء السياسيّين. وشهدت بعض الدوائر عودة الطقم القديم نفسه. ولم يجتز خطّ النهاية إلاّ مرشّحة واحدة من المجموعات السياسيّة الجديدة، في حين لا تزال النساء تعانين من نقص وخيم في التمثيل في مجلس النوّاب.
 
ولا ننكر أنّ القانون الانتخابي الجديد في لبنان قد أدخل الأوراق المطبوعة مسبقًا للمرّة الأولى؛ فقد تنافست لوائح عديدة ضدّ بعضها – وصل معدّلها إلى خمسة في الدوائر الخمسة عشر – على الرغم من عدم التكافؤ في التوزيع؛ كما شهدنا هذه السنة دخول رقم قياسي من النساء المؤهّلات معترك الانتخابات (ستّ وثمانون مقابل اثنتي عشر فقط عام 2009). إلاّ أنّ هذه الانتخابات قد فضحت عيوبًا شتّى في القانون، أشرنا إلى العديد منها في مقال سابق، ولا بدّ من معالجتها لتحسين تمثيل شرائح المجتمع المختلفة.
 
لقد بيّنت هذه الانتخابات أنّ الإصلاح الانتخابي ليس كافيًا، وإن كان ضروريًّا. وتدعو الحاجة بإلحاح إلى معالجة الاستراتيجيّات الانتخابيّة الّتي اعتمدتها الأحزاب بغية التلاعب بسلوك المقترعين. ويؤول بنا ذلك إلى الأسئلة الأساسيّة المتّصلة بإصلاح الأحزاب السياسيّة، وما إذا كان باستطاعة هذه الأخيرة التحوّل من أحزاب زبائنيّة إلى أحزاب برامجيّة، من خلال الدفع قدمّا بالحلول السياساتيّة الّتي تعالج شواغل الناس. 
 
ويتّصل أحد الأحكام الأساسيّة في هذا القانون بشرط تشكيل لوائح تجمع المرشحين. وكان يؤمل من أن يعزّز ذلك الاتّساق السياساتي بين المرشّحين المنتمين إلى اللائحة نفسها، وهو أمرٌ غير معهود في السياسة اللبنانيّة. لكنّ الأكثر مدعاةً للقلق يكمن في أنّ الكثير من هذه الأحزاب قد ترشّحت مع أحزاب أخرى معيّنة وضدّها في آن، بحسب الدوائر الانتخابيّة. وعلى سبيل المثال، خاضت حركة أمل الانتخابات مع التيّار الوطني الحرّ في بيروت الثانية، وبعبدا، وراشيّا، لكّنها ترشّحت ضده في بعلبك – الهرمل، وصيدا-جزّين، وصور-قرى صيدا-الزهراني، وبنت جبيل-النبطيّة-حاصبيّا-مرجعيون. أمّا التيار الوطني الحرّ، فترشّح مع حزب الله في بيروت الثانية وبعبدا، ليتواجه معه في زحلة، وبعلبك-الهرمل، وصور-قرى صيدا – الزهراني، وبنت جبيل النبطيّة-حاصبيا-مرجعيون. وينسحب الأمر نفسه على تيّار المستقبل، الّذي تحالف مع القوّات اللبنانيّة في الشوف-عاليه، وعكّار-طرابلس، وبعلبك-الهرمل، ليتنافس معها في بعبدا، وزحلة، وصيدا-جزّين. وإن بدا كلّ ذلك مشوّشًا، فهو مجرد نبذة عن تعقّد التحالفات الّتي أُرسِيَت- فوضعت جميع الخلافات الشخصيّة كما الإيديولوجيّة والسياسيّة جانبًا – وذلك لهدف واحدٍ أوحد يتمثّل بحصد المقاعد مهما كان الثمن.
 
وما أن تشكّلت اللوائح حتّى تحوّل التنافس فيما بينها، وفي عدد كبير من الحالات، إلى تنافس بين المرشّحين على اللائحة نفسها، إذ باتوا يتزاحمون للحصول على الأصوات التفضيليّة. وقد سعى المرشّحون لتحصيل الأصوات التفضيليّة من أبناء طوائفهم، ما أدّى إلى منظومة انتخابيّة تعمل على شاكلة "القانون الأرثوذكسي"، الّذي كان قد اقترح أن يصوّت المواطنون بشكل حصري للمرشّحين المنتمين إلى الطائفة نفسها. ويؤدّي ذلك فعليًّا إلى حصر التمثيل بالشواغل الطائفيّة المصطنعة إلى حدّ كبير، مع تجاهل جميع الأهداف الأخرى، وأوّلها تحديد الرؤية الوطنيّة. ويُغفِل ذلك أيضًا واقع أنّ تحسين رفاه الناس لا يشترط أن تخضع كلّ طائفة لحكم زعمائها، بل يتّصل بقدرة المواطنين على مساءلة قادتهم. 
 
ويزيد غياب الأسس الصلبة والبرامجيّة لحملات الأحزاب الطين بلّة. ففي حين أنّها لم تشكّل قط جزءًا من الخطاب السياسي اللبناني، كان يؤمل أن تفتح منظومة التمثيل النسبي الباب أمام النقاش العام بشأن السياسات إلى حدّ ما، لطرق الاهتمامات الاجتماعيّة الاقتصاديّة في الحملات. وبالفعل، فقد وضعت الأحزاب السياسيّة البرامج، لكنّ معظمها كان فقيرًا بالأدلّة، حافلاً بالعموميّات، وقليل التفاصيل. والأهمّ أنّ هذه البرامج كانت تفتقر لأيّ نوع من الرؤية أو التوجّه. وحتّى لمّا أعربت الأحزاب عن موقفٍ معيّن، فهي قلّما اقترحت التدابير لتبيان كيفيّة بلوغ الغاية المتوخّاة. وفي حين انطوت برامج حزبيّة عديدة على دعم جليّ للقطاع الإنتاجي، ولإصلاح النظام الضريبي، ومعالجة وضع القطاع الكهربائي، فإنّ التوافق المزعوم بين أفراد الأحزاب ينتهي عند هذا الحدّ، وتبقى البرامج قابعةً في المكان الأنسب بالنسبة إلى الأحزاب: أي على موقع الكتروني.
 
في غياب الحملات القائمة على البرامج، لجأت الأحزاب السياسيّة عام 2018 إلى الأسلوب الّذي تبرع في استعماله، ألا وهو إكراه الناخبين. فقد سرت الأخبار بشأن شراء الأصوات، إن من خلال الدفع نقدًا، أو عبر تأمين خدمات من قبيل دفع أقساط المدارس أو تأمين علاجات طبيّة. وتلقّى آخرون وعودًا أطلقها مرشّحون بالحصول على وظائف في القطاع العام، شرط أن يصوّت أفراد العائلة لهم. وسعى المرشّحون أيضًا إلى التهويل على ناخبيهم، مستخدمين الخوف من "الآخر" كوسيلة لحشد المقترعين. فقد حذّر نائب من حزب الله المقترعين في بعلبك من السماح "للغير" بالفوز بالمقاعد السنيّة والمسيحيّة، غامزًا من قناة تيّار المستقبل والقوّات اللبنانيّة، تباعًا. في المقابل، حاول وزير الداخليّة حشد السنّة في بيروت للتصويت لحزبه، لمنع الشيعة "من اجتياح" العاصمة. وخلال الأيّام الأخيرة للانتخابات، حّذر جنبلاط، الّذي لم يرد المخاطرة بنتائج التصويت، من "سقوط" المختارة إن لم تُنتخب لائحته. وطبعًا، لم يفوّت رئيس حزب التيّار الوطني الحرّ جبران باسيل الفرصة ليربط نفسه بـ "حقوق المسيحيّين".
 
لا غرو إذًا إن لم يشعر الكثير من المواطنين بالحماسة للتوجّه إلى صناديق الاقتراع يوم الأحد الماضي. وفي حين كان من المتوقّع تسجيل إقبال أكبر مع نظام التمثيل النسبي مقارنةً بالقانون الأكثري، فإنّ تلك لم تكن الحال في لبنان، حيث تراجعت النتيجة بنسبة 2%. وعند استشعار لا مبالاة الناخبين، وخوفًا من أن يؤدّي تراجع الإقبال إلى خفض عتبة الحواصل، بما يمنح الأحزاب الأصغر حجمًا أو المجموعات السياسيّة الجديدة فرصة الحصول على بضعة مقاعد، فكّر اثنان من الأحزاب السياسية الكبرى، أي تيار المستقبل وحزب الله، بتمديد فترة التصويت، لكنّهما قرّرا عدم القيام بذلك، لأنّه قد يهدّد بنزع الشرعيّة عن نتائج الانتخابات. غير أنّ وزير الداخليّة والبلديّات أصدر قرارًا باعتبار جوار مراكز الاقتراع جزءًا من موقع التصويت، ما يعني أنّه يمكن لأيّ مقترع متواجد في هذا المحيط أن يصوّت، حتّى بعد انقضاء ساعة الإقفال الرسميّة. وقد أدّى ذلك فعليًّا إلى إطالة فترة التصويت، بما يشكّل انتهاكًا لروحيّة القانون. وفي حالة بعلبك-الهرمل، وفي ظلّ عدم وجود ملعب في إحدى المدراس، تمّ تفسير "محيط مركز الاقتراع" بمعنىً أوسع، شمل منطقة أكبر. واستكمالاً لذلك، عمدت الأحزاب السياسيّة أيضًا إلى حشد الناخبين خلال الساعات الأخيرة للتصويت. وفي حين حاول تيّار المستقبل اعتماد الوسائل الناعمة للقيام بذلك، معوّلاً على الرسائل المتلفزة والإذاعيّة، استخدم حزب الله قدراته التنظيميّة القويّة لإحضار المقترعين إلى الصناديق.
 
وعلى الرغم من لا مبالاة الناخبين، استرسلت الأحزاب السياسيّة ووسائل الإعلام في وصف الانتخابات على أنّها "عرس"، متعمّدةً تجاهل الانتهاكات الّتي وقعت قبل الانتخابات وخلالها. ذلك أنّ سريّة الاقتراع لم تحترم في حالات شتّى، إذ تمّ اصطحاب المسنّين إلى مراكز الاقتراع، حيث ساعدهم مندوبو الأحزاب بذريعة أنّهم أميّون، أو بحاجة إلى مساعدة جسديّة للإدلاء بصوتهم. وقد نقل المواطنون حوادث شتّى، اختفت فيها أصواتهم على ما يبدو من مراكز اقتراع معيّنة. أمّا الصناديق، فقد اختفى بعضها، في حين أنّ بعضها الآخر لم يُختم، كما بيّن فيديو مصوّر شخصين يعبثان بأحد الصناديق. وقد ازدادت الأمور سوءًا بفعل عدم قدرة وزارة الداخليّة والبلديّات أو عدم استعدادها لمعالجة هذه الانتهاكات، أو على الأقلّ التواصل بشأنها على نحو علني مع الجمهور. وفي المجموع، أبلغت الجمعيّة اللبنانيّة من أجل ديمقراطيّة الانتخابات عن 950 مخالفة، وهو رقم يفوق ذلك المسجّل عام 2009، ويتضمّن 222 انتهاكًا بالغ الجسامة وينطوي على تهويل.
 
إلى ذلك، قلّما سُجّل أيّ حضور للجنة الإشراف على الانتخابات. ويطرح نقص الموارد واستقالة أحد أعضاء اللجنة المنتمين إلى المجتمع المدني الشكّ بموثوقيّة اللجنة في الاضطلاع بدورها.
 
قلّما يمكن وصف القانون الانتخابي وانتخابات 2018 بقصة النجاح، فالأحزاب السياسيّة والنخب الّتي تدعمها قد نجحت في خطف الانتخابات لاكتساب الشرعيّة لأربع سنواتٍ إضافيّة، مستعينةً بعدد من الحيل والألاعيب. وفي حين فازت أحزاب سياسيّة ببعض المقاعد حيث خسرت أحزاب أخرى، يبقى الخاسر الأكبر في هذه الانتخابات هو الناخب اللبناني، الّذي صوّت أو أُجبِر على التصويت للأحزاب عينها الّتي لم تنجح إلاّ بإفقاره. وتطرح هذه الانتخابات الشكوك بشأن كيفيّة تصميم نظام التمثيل النسبي هذا وتنفيذه. وتدعو الحاجة بشدّة إلى مراجعة القانون الانتخابي القائم على نظام التمثيل النسبي، ولاسيّما لجهة العتبة العالية الّتي يفرضها لتحقيق الحاصل، واعتماد الصوت التفضيلي، الّذين أدّيا إلى حصر التصويت في أماكن كثيرة بالتنافس الطائفي. وتدعو الحاجة أكثر من أيّ وقت مضى إلى إنشاء لجنة مستقلّة تتمتّع بصلاحيّات واسعة، كما بموارد بشريّة وماليّة لضمان تكافؤ الفرص بين المجموعات المتنافسة، ومنعًا لترهيب المقترعين. وأخيرًا، من الضروري جدًّا للأحزاب السياسيّة أن تطلق حملاتها على أساس مقترحات السياسات العامّة، عوضًا عن الخطابات الناريّة التخويفيّة، المغلّفة بالمواضيع الطائفيّة المبتذلة نفسها.  






Copyright © 2018 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.