Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


لورا بايلر، ليسلي مارشال، وسامي عطاالله , على التوالي، أستاذة مساعدة في قسم العلوم السياسية في جامعة بيتسبرغ، طالبة دكتوراه في العلوم السياسية في جامعة بيتسبرغ، والمدير التنفيذي  للمركز اللبناني للدراسات


June 2018
ما سبب عدم استعداد الناس لدعم الإصلاح السياسي علنًا؟

أخفقت الطبقة السياسيّة إلى حدّ كبير طوال مدّة ولاية مجلس النوّاب اللبناني السابق في التصدّي لسلسلة من التحديات الاجتماعيّة الاقتصاديّة الّتي تواجه البلد. فبالإضافة إلى تقاعس السياسيّين عن تشجيع خلق الوظائف وعن إدارة أزمة اللاجئين السوريّين بشكل فاعل، فقد فشلوا في معالجة بعض المسائل الأكثر جوهريّة، من قبيل إنتاج ما يكفي من الطاقة الكهربائيّة وتوزيعها، وجمع النفايات والتخلّص منها، وتأمين الإمدادات المائيّة الكافية للمقيمين في البلد، وصيانة شبكات الطرق، وتوفير الربط المتين بشبكة الإنترنت للسكّان. ولمّا سنحت الفرصة، كان من المنطقي الافتراض بأنّ التصويت الشعبي سينتزع منهم مناصبهم، لكنّ ذلك لم يحدث خلال الانتخابات النيابيّة الأخيرة. ويثير ذلك التساؤل بشأن ما يمنع الناس من دعم الإصلاح السياسي علنًا.

يبيّن بحثنا الأخير، الّذي يستند إلى استطلاع تجريبي شمل 2,496 شخصًا، أنّه وعلى الرغم من دعم الكثيرين للإصلاح السياسي، يخشى هؤلاء المطالبة به علنًا خوفًا من التعرّض للمعاقبة الاجتماعيّة. وبعبارة أخرى، لمّا طُلب من الناس توقيع عريضة تدعو إلى إلغاء الطائفيّة السياسيّة، والتخلّي عن التوزيع المذهبي للسلطة، وإلى ممارسة المساءلة، وتقليص دور الأحزاب السياسيّة الطائفيّة، وضمان إنفاق الإيرادات على أساس الحاجات والأولويّات – وجميعها مطالب تُسهم في تقديم السلع والخدمات العامّة على نحوٍ سليم للشعب – قبل 70% التوقيع عندما أُبقيت هويّاتهم مغفلة. ولمّا طلبنا عشوائيًّا من مجموعة أخرى من المواطنين أن توقّع على العريضة نفسها شرط الإفصاح علنًا عن الأسماء، لم يوافق سوى 50% على التوقيع.

ويشي هذا التراجع بنسبة 20% بالكثير. ويُعزى بحسب تحليلنا إلى حدّ كبير إلى الخوف من العقاب الاجتماعي. وبتعبير آخر، يخشى الناس الإعلان عن دعمهم للتغيير السياسي، وإن كانوا يؤيّدونه سرًّا. ويبدو أنّهم يهابون قادتهم الطائفيّين، القادرين على معاقبتهم على قناعاتهم السياسيّة، من خلال حرمانهم من المنافع الّتي يمكن الاستحصال عليها من خلال الشبكات الزبائنيّة. إلاّ أنّ خوفهم لا يقتصر على الإجراءات الّتي من شأن السياسيّين أن يتخذوها بحقّهم، بل إنّه أكثر تأصّلاً في محيطهم الاجتماعي والعائلي، بمعنى أنّ الناس أبدوا حذرًا من التعبير علنًا عن دعمهم للإصلاح خوفًا من التعرّض لمعاقبة طائفتهم، كما عائلتهم وأصدقائهم.

وعند النظر إلى كيفيّة تجاوب مجموعات الدخل المختلفة، نجد أنّ ذوي الدخل المتدنّي يدعمون إصلاح النظام السياسي سرًّا، شأنهم في ذلك شأن الشرائح الأكثر ثراءً، لكنّهم أكثر خشيةً من التعبير عن آرائهم علنًا خوفًا من التعرّض للمعاقبة الاجتماعيّة. ونشير على وجه التحديد أنّه في حين وقّع 69% من ذوي الدخل المتدنّي على العريضة السريّة، لم يوقّع سوى 44% منهم على العريضة العلنيّة.

ولمّا نظرنا في كيفيّة استجابة الأشخاص المنتمين إلى الطوائف المختلفة لطلب توقيع العريضة، برز استنتاجان مثيران للاهتمام، أولّهما أنّ أكثر من 80% من السنّة والشيعة يدعمون توقيع العريضة سرًّا، في حين لم يوافق سوى 56% من المسيحيّين على ذلك. وبعبارة أخرى، يبدو أنّ المسيحيّين أقلّ ميلاً لدعم العريضة السرية، ما يُمكن أن يُعزى إلى اعتقادهم بأنهم سيكونون أكبر الخاسرين من هذا الإصلاح، إذ أنّهم يشكّلون نحو ثلث السكّان، لكنّهم يشغلون حاليًّا نصف المقاعد النيابيّة والمناصب العليا في الدولة. ثانيًا، يتضّح عند مقارنة كيفيّة تجاوب المواطنين المنتمين إلى المجموعة الطائفيّة نفسها مع طلب التوقيع على العريضة العلنيّة، أنّ دعم السنّة للإصلاح السياسي ينخفض بنسبة كبيرة تبلغ 29 نقطة مئويّة، مقارنةً بـ19 و18 نقطة مئويّة فقط لدى المسيحيّين والشيعة تباعًا. وبعبارة أخرى، يبدو أنّ السنّة شديدو الخشية من تقديم الدعم العلني للإصلاح، لأّنهم يتصوّرون أنّ طائفتهم تواجه خطرًا داهمًا بسبب مجموعة من العوامل، تتضمّن الحرب في سوريا، وتوقّف الدعم المقدّم من السعوديّة، وتراجع حزبهم الطائفي.

باختصار، يدعم الكثير من اللبنانيّين الإصلاح السياسي وتغيير الوضع القائم لجهة التوزيع الطائفي للمناصب السياسيّة، كما يؤيدون مساءلة القادة، لكنّ الخوف يردعهم بشكل كبير. وفي حين تصبّ المجموعات السياسيّة المستقلّة جلّ تركيزها على إصلاح الآفات الاجتماعيّة الاقتصاديّة، يبدو الناخبون راضين بالإبقاء على الوضع القائم، خوفًا من العقاب. وبالتالي، تدعو الحاجة وبإلحاح إلى معالجة هذه المخاوف، من خلال حماية حقوق الناس بالحريّة السياسيّة وضمانها. وتحقيقًا لذلك، يتعيّن على المدى القريب على الأشخاص الأقلّ عرضةً للعقاب الاجتماعي أن يقودوا التغيّير الّذي من شأنه أن يمهّد الطريق لإيجاد بيئة تتيح للناس التعبير عن أفضليّاتهم السياسيّة علنًا، من دون التعرّض للمعاقبة.






Copyright © 2018 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.