Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


سامي عطااللّه, المدير التنفيذي للمركز اللبناني للدراسات



October 2018
سباقٌ إلى تشكيل الحكومة أو سباقٌ نحو الهاوية؟

مضت شهورٌ خمس على تسمية رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري لتشكيل حكومةٍ جديدة. ومنذ ذلك الحين، وهو يصارع لإقامة توازن بين المصالح الداخليّة وتلك الاقليميّة. وفي حين أنّ التوفيق بين المصالح المتباينة في الظاهر قدنأن يستغرق بعض الوقت، لن تكون الحكومة عند تشكيلها في موقعٍ يخوّلها تنفيذ الإصلاحات، ولاسيّما منها تلك الّتي تتعارض مع المصالح المشتركة وغير المعلنة للاعبين السياسيين. وبالتالي، فسوف ينحصر دور الحكومة بالاستفادة مما تبقّى لها من رأسمال جيوسياسي من خلال اعتماد الاصلاحات-أيّ اتّخاذ اجراءات من دون أيّ ضمانة بأنّ الحكومة قادرة على تنفيذها أو مستعدّة له-وذلك لشراء الوقت، في حين تلوح في الأفق زوبعة اقتصاديّةٌ كارثيّةٌ.
 
لقد تعرقلت عمليّة تشكيل الحكومة بفعل حساباتٍ بسيطة، إذ أنّ عدد المقاعد الّتي يمكن للحريري توزيعها على الطيف الواسع من الأحزاب السياسيّة الّتي يتعيّن تمثيلها في "حكومة الوحدة الوطنيّة" محدود. وفي حين أن اتّفاق الطائف يقدّم الخطوط التوجيهيّة للطريقة المثلى لتطبيق التمثيل الطائفيّ، باتت هذه الاجراءات أكثر تعقّدًا منذ العام 2005. فمنذ أن أنهت سوريا احتلالها للبنان، بات تشكيل الحكومة يخضع لمعايير وألاعيب أخرى من قبيل "الثلث المعطّل" والتمييز بين الحقائب الوزاريّة، ومفهوم الوزير "الملك" (الّذي لا يعلن ولاءه صراحةً لجهةٍ أو لأخرى) ومؤخّرًا، وجوب تخصيص حقيبة وزاريّة لكل خمسة نوّاب في البرلمان.
 
ويواجه رئيس الحكومة عددًا من العوائق في سعيه إلى تشكيل الحكومة. وينبع أوّلها من نتيجة الانتخابات النيابيّة للعام 2018، ولاسيّما عدد المقاعد الّتي حصدها أكبر حزبين مسيحيّين في لبنان. ففي حين يسعى التيّار الوطني الحرّ إلى تحصيل حصّة الأسد من الحقائب الوزاريّة (عند إضافة حصّة رئيس الجمهوريّة) تصرّ القوّات الّلبنانيّة على المطالبة بأربعة مقاعد في الحكومة على الأقلّ. فالقوّات الّلبنانيّة الّتي ضاعفت حجم كتلتها من ثمانية إلى خمسة عشر نائبًا، بالإضافة إلى حصدها لخمسة مقاعد مارونيةّ، ولثلاثين بالمئة من أصوات الموارنة مقارنةً بـ38% للتيّار الوطني الحرّ، باتت تنافس هذا الأخير على تمثيل الطائفة المارونيّة. ويكتسي ذلك أهميّةً خاصّة على ضوء المعركة الرئاسيّة الّتي تلوح في الأفق. وتتصل إحدى المعارك الناشئة الأخرى بالحقيبة الدرزيّة. فالتيّار الوطني الحرّ يريد أن يمنحها لحليفه إرسلان، وذلك لكسر هيمنة الحزب التقدّمي الاشتراكي، غير أنّ جنبلاط يرفض ذلك رفضًا قاطعًا، معلّلاً ذلك بشكل أساسي بتأكيده على الفوز بأكثريّة الأصوات الدرزيّة. وبينما يحاول الحريري تخطي هذه التحدّيات، فهو يواجه طيفًا آخر من المشاكل الّتي تخصّ طائفته نفسها. ذلك أنّ حصّة حزبه من المقاعد قد تراجعت من 34 إلى 20، وليس هذا فحسب، بل إنّه قد خسر أيضًا خمسة من المقاعد السنيّة لصالح حلفاء سوريا.
 
وتكمن وراء لعبة السلطة الداخليّة هذه مصالح إقليميّة. فعلى الحريري أن يرسي توازنًا بين مصالح السعوديّة ومصالح إيران. وإذ تلعب روسيا دور صانعة الملوك في سوريا، يحاول الحريري أن يتقرّب من موسكو تفاديًا للتعامل مباشرةً مع الأسد، ولكنه لا يتمادى إلى حدّ إغاظة الولايات المتّحدة. ويتعيّن عليه أيضًا أن يضمن أنّ منح وزارة الصحة أو أي حقيبة أخرى لحزب الله لن يؤدّي إلى خفض المساعدات أو حتّى إلى عقوباتٍ أميركيّة. وصحيحٌ أنّ جلّ التوتّر ينحصر إلى حدٍّ كبير على ما يبدو بين فلول قوى 8 و14 آذار، ولكن صراعًا آخر يدور بين حلفاء إيران وسوريا. فقد ساد افتراضٌ بأنّهما في الصفّ نفسه. ولكنّ الواقع هو أنّ النظام السوري، ومع اقتراب نهاية الحرب في البلد، يعيد مدّ الجسور مع الجهات السياسيّة اللّبنانيّة الّتي كانت ذات يومٍ موالية له أو متحالفة معه، وهي غير مرتبطة بحزب الله. فقد أنتجت الانتخابات النيابيّة لعام 2018 خطًّا مواليًا لسوريا، يشتمل بشكلٍ أساسيّ على أحزابٍ صغرى وسياسيّين أفراد، وهو يساوي الجهة الموالية لإيران حجمًا، إن لم يكن يفوقها، وهو ما غفل عنه كثيرون.
 
وفي حين تستوي كلا الجهتين المواليتين لإيران وسوريا في خطٍ معارضٍ للحريري، فهما لا زالتا (مع التيار الوطني الحرّ) تحتاجانه، لتشكيل الحكومة. وعلى الرغم من بعض التلميحات الصادرة عن بعض السياسيّين، حول وجوب استقالة الحريري، بسبب سخطهم جرّاء غياب أيّ تقدّمٍ في تشكيل الحكومة، فهذه مجرّد مسرحيّة. فالجميع بحاجةٍ شديدةٍ إلى الحريري. فشبكاته الدوليّة وعلاقاته مع مانحي مؤتمر سيدر لا تزال ذات قيمة كبيرة. وفي حال حصول انهيار اقتصادي، يفضّل معارضوه السياسيّون أن يكون هو على رأس الحكومة وأن يُلقى بالّلوم عليه، عوضًا عن اضطرارهم لمواجهة مثل هذا الاحتمال بأنفسهم بينما هو "خارج الخدمة"، في إجازة نقاهة في باريس.
 
ومن المرجّح جدًّا أن تحصل حكومة الوحدة الوطنيّة عند تشكّلها، وفي حال تشكّلت، على بركة القوى الاقليميّة، ولكنّها قلّما ستكون حريصة على مصلحة الشعب. فهي ستكون أوّلًا مجرّد مشروعٍ صوريّ لوحدةٍ غير موجودة، لأنّها سوف تفتقر لرؤية متّسقة بشأن كيفيّة حلّ مشاكل البلد. وانطلاقًا من التجارب السابقة، نعرف أنّ ما يجمع الأحزاب السياسيّة تحت سقفٍ واحد ليس إلّا توزيع الغنائم فيما بينها. من المنطقي إذًا أن نتوقّع أن تعمل الحكومة العتيدة على تنفيذ المشاريع الّتي تمّ التعهّد بها خلال مؤتمر سيدر، مع تشجيعها في الوقت نفسه للتدفقّات الرأسماليّة وتفادي العقوبات. ولكنها على الأرجح لن تذهب إلى أبعد من ذلك.
 
وإذا انعكست صورة البرلمان في مجلس الوزراء، فسيصبح مجلس النوّاب بوظيفتيه الأساسيّتين، التشريعيّة والرقابيّة معطّلًا، لأنّ قراراته ستُتَّخذ أساسًا في مجلس الوزراء ليوافق عليها بعد ذلك شكليًّا فقط لا غير. وفي مثل هذا السياق تصبح مكافحة الفساد مصطلحًا متناقضًا بحدّ ذاته.
 
انتهى بنا المطاف حيث لطالما وجدنا أنفسنا مرّاتٍ عديدة في السابق، أي في ظلّ منظومةٍ سياسيّة تضمن التمثيل الطائفيّ وقلّما تخضع لمساءلة أحدٍ سوى الزعماء وأربابهم الاقليميّين. وهي سوف تصوغ بيانًا وزارياً يحتوي على "قائمة" وعود فارغة للاستهلاك العام. وستنصرف إلى معالجة المفاعيل الثانويّة للأزمة الاقتصاديّة والماليّة الّتي تلوح في الأفق، من دون أن تتصدّى إلى جوهر المشكلة، آملةً بأن يبتاع لها مجرّد إعلانٍ يصدر عن حكومةٍ مقسّمةٍ فعليًّا ما يكفي من الوقت لتجاوز المحنة.
 








Copyright © 2018 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.