Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


زينة عبله, عضو في ائتلاف إدارة النفايات


November 2018
قانون النفايات... أو الفرصة الضائعة

في 24 أيلول 2018، أقرّ مجلس النوّاب اللبناني قانون "الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة" في جلسته الأولى منذ انتخابه في أيّار 2018. وعلى الرغم من الاسم الّذي أطلِقَ عليه، فشتّان ما بين هذا القانون وبين أداة سياسة متكاملة بشأن إدارة النفايات الصلبة الّتي لطالما انتظرناها. فهو لا يصلح لأن يُعتبر التشريع الإطار لإدارةٍ مستدامةٍ للنفايات الصلبة، كما أنه لا يتضمّن ما يكفي من التفاصيل لتنظيم الأسواق بشكلٍ ملائم، ولإجراء عمليّات إدارة النفايات اليوميّة. وهو يحتاج إلى عناصر أخرى وإلى تشريعٍ ثانويّ لإرساء منظومة متكاملة تجمع ما بين العناصر الفنيّة/البيئيّة، والسياسيّة، والاقتصاديّة، والاجتماعيّة لادارة النفايات الصلبة.
 
يشتمل قانون الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة على فصول عدّة تغطّي الإطار المؤسّسي، وإدارة النفايات الخطرة وغير الخطرة، وتمويل استراتيجيّة وطنيّة، ومبادرات محليّة لإدارة النفايات، إلى المسؤوليّات والعقوبات المتّصلة بانتهاكات قوانين إدارة النفايات. إلا أنّه لا يتناول بعض نواحي قطاع النفايات الصلبة، من قبيل توليد النفايات، وفصلها، ونقلها، وفرزها، واستخلاص الطاقة أو المواد منها، ومعالجتها، وتصريفها على نحوٍ متكامل. إلى ذلك، أغفل القانون تعريف الفرز من المصدر، ومنع إنتاج النفايات (الحد منها)، وإعادة الإستخدام، واستخلاص الطاقة أو المواد من النفايات، كما أنّه لم يحدّد أي أهداف لتشجيع إعادة التدوير. وهو لا يشير إلى مفهوم المسؤوليّة الممتدّة للمنتِج، الّذي يقدّم حوافز للأطراف الفاعلة في السوق لتعدّل خطط الإنتاج بعد انتهاء دورة حياة المُنتَج، مع توجيهها نحو التخفيض، وإعادة الاستخدام، وإعادة التدوير (أي ما يُسمَّى بالانكليزيّة بالـ 3Rs).
 
ويفتقر القانون إلى الآليّات الّتي تدفع بالممارسات ذات الصلة بالنفايات الصلبة باتجاه اعتماد خياراتٍ محبّذة بيئيًّا لمعالجة النفايات (1)، وهو بالتالي قد فشل في تقديم الحماية للناس من الآثار السلبيّة الناجمة عن إدارة النفايات الصلبة. وهو في المقابل يقدّم هيكلًا من المفاهيم الأساسيّة ويعالج الممارسات الّتي تنطوي على خيارات تصريف النفايات التي تحتل أدنى المراتب في سلم الأفضليّات وأشدّها خطرًا بالطريقة نفسها، وبتهاونٍ نسبيّ. وفي بلدٍ يتميّز بالضعف في مجالي الرقابة وإنفاذ القانون، يمكن أن يؤدّي ذلك بكلّ سهولة إلى اعتماد حلولٍ غير مرغوبةٍ تكتفي بمعالجة النواحي المرئيّة من المشكلة، مع  تجاهل الشواغل البيئيّة، والصحيّة، والاقتصاديّة، والإطاحة بالحلول الأكثر تكاملًا.
 
إلى ذلك، لا يطرح القانون أي تصنيف علمي مفصّل ومحدّث للفئات المتعدّدة للنفايات، بما يتيح تنظيمها في تشريعٍ ثانويّ، وعليه فهو يحجم عن معالجة التعقيدات والمخاطر المتّصلة بعمليّات معالجتها. وإذا نظرنا لذلك في سياقٍ تختلط فيه النفايات الخطيرة والصناعية مع تلك البلديّة في كافة أنحاء البلد، تصبح معالجتها أكثر تعقيدًا وخطورة. (2)
 
على صعيد الحوكمة، ما من وضوح في تحديد الأدوار والمسؤوليّات المنوطة بالسلطات المركزية والمحليّة أو الموزّعة فيما بينها. على سبيل المثال، يوكل القانون مسؤوليّة الحدّ من توليد النفايات إلى البلديات، في حين أنّ ذلك عادةً ما يتطلّب سياسات وبرامج اقتصاديّة واجتماعيّة، تتضمّن المحفّزات الماليّة للتشجيع على التغييرات السلوكيّة والاجتماعيّة وتحقيقها في نهاية المطاف. وفي الوقت عينه، يمنح القانون السلطات المركزية مجالًا لتجاوز البلديّات، الّتي يحقّ لها بموجب صلاحياتها والتشريع الخاص بها، أن تتولّى دورًا رائدًا في إدارة النفايات، لا بل يتوجّب عليها ذلك، في حين يُتوقَّع من السلطات المركزية أن تدعم الجهات المحليّة، من خلال بناء القدرات وتقديم المساهمات الماليّة. (3)
 
المحارق، هل هي العصا السحريّة" لحلّ أزمة النفايات؟
لا يفرض القانون بشكلٍ صارم إرساء اقتصادٍ دائريّ ومبادئ وممارسات تتّصل بالاستدامة، ما يعني أنّ القانون بشكله الحالي يسهّل فعليًّا اعتماد خيار المحارق، تحت ستار مصطلح "التحلّل الحراري"، أو غير ذلك من التكنولوجيّات الّتي تتّسم بالقدر نفسه من التعقيد والمخاطرة.
 
وبالفعل، تتوجه الحكومة المركزيّة (4) وعدد من البلديّات (5) في لبنان إلى اعتماد المحارق لتصريف النفايات البلديّة، على الرغم من التحذيرات الصادرة عن المنظمات الدوليّة، والمستشارين، واحتجاج المجتمع المدني والخبراء المحليّين. ويشير معارضو هذا الخيار إلى طبيعة النفايات البلديّة في لبنان، والّتي تتناسب أكثر مع حلولٍ بديلة أكثر أمانًا وأكثر استدامةً من الناحية البيئيّة، بما يتوافق مع هيكل إدارة النفايات المعترف به عالميًّا. والواقع أنّ حرق النفايات في لبنان يمنع عمليّة التخفيض وإعادة الاستخدام وإعادة التدوير، ويعود السبب الأساسي في ذلك إلى نوع النفايات المُنتجة الّتي تتألّف في أكثر من 80% منها من موادٍ عضويّة وقابلة لإعادة التدوير. ولا شك أن وفورات الحجم وطبيعة هذه التكنولوجيّات ستستدعي حرق المواد القابلة لإعادة التدوير مع المواد العضويّة، فننحرف بذلك عن خيارات المعالجة الأكثر أمانًا والأدنى كلفةً كما عن عمليّة استعادة الطاقة من المواد، علمًا أنّ هذا الخيار يحبط جهود تخفيض إنتاج النفايات. والأهمّ من ذلك أنّ المحارق تبعث موادًا عالية السميّة، وهي مضرّة بصحّة الإنسان والبيئة، من قبيل الديوكسين، الّتي يعجز لبنان حاليًّا عن مراقبتها لأنّ مختبراته الموجودة غير مجهّزة لفحص هذه المواد الكيميائيّة.
 
تكثر الدعاية للمحارق، رغم أنّ لبنان يمتلك ما يكفي من المرافق، سواءٌ تلك المُخطّط لها أو المنجزة، لمعالجة ما يفوق الحجم الإجمالي للنفايات المنتجة، إن تمّت إدارتها على النحو الملائم. (6) ولكن في المقابل، وفي غياب التخطيط وأطر الحوكمة الرشيدة الّتي تتيح الاستفادة من هذه المنشآت، أدّى سوء الإدارة إلى استخدام نحو ألف مكبٍ مكشوف، كما إلى الإحراق في العراء في أكثر من 150 مكبّ في كافة أنحاء البلد. وبات الآن أصحاب القرار يعتقدون أن المحارق تشكّل حلًّا "سحريًّا" لأنّها تُستخدم في بعض بلدان الغرب الّتي تعتمد هياكل مختلفة كليًّا للحوكمة والاقتصاد والبيئة والشؤون الاجتماعيّة والسياسيّة.
 
المضيّ قدمًا
أظهر المجتمع الّلبناني بوادر تدل على استعداده وسبق أن أطلق مبادرات فرديّة لمشاريع تهدف إلى الحدّ من النفايات، وفرزها، وإعادة تدويرها، فالمجتمعات في كلٍّ من المناطق الراقية وتلك الأقلّ ثراءً، إضافةً إلى المنظمات غير الحكوميّة، والمؤسّسات التعليميّة، والشركات الخاصّة، والمشاريع الاجتماعيّة، والأُسر، إلى جانب قلّة قليلة من البلديّات، تبدي استعدادًا لاعتماد ممارساتٍ مستدامة، على الرغم من غياب أيّ عمليّةٍ  لصنع السياسات تربطها بمنظومةٍ متّسقة.
 
في هذا السياق، وعلى الرغم من الضعف الذّي يتّسم به قانون الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة، فقد تلوح في الأفق فرصةٌ أخرى. فالقانون الّذي تمّ إقراره ينصّ على صياغة استراتيجيّةٍ في غضون الأشهر الست التالية، وهو إجراءٌ يناصره ائتلاف إدارة النفايات، وهو تحالفٌ يضمّ ناشطين من المجتمع المدني، وخبراء، ومنظمات غير حكوميّة، ومجموعات مجتمعيّة، تتعاضد جميعها للتصدّي لسوء الإدارة في هذا القطاع، كما للضغط وإطلاق الحملات للدعوة إلى تخطيطٍ متكاملٍ لإدارة النفايات على المستويين الوطنيّ والمحلي. وقد عارض الائتلاف النص المعتمد لقانون الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة، وطلب إعادة صياغته على أساس استراتيجيّة متكاملة تحترم مبادئ الاستدامة وتحفظ حق الناس في حياةٍ صحيّةٍ، في بلدٍ تُعتبر فيه مستويات التلوّث عالية أصلاً إلى حدٍّ يثير القلق.
 
وسوف يسعى الائتلاف لاقتناص هذه الفرصة وللتأثير على عمليّة وضع الاستراتيجيّة مع إيلاء الأولويّة للحدّ من آثار سوء إدارة النفايات على الصحّة العامّة والبيئة (بما يشمل وقف الإحراق في العراء وتصريف النفايات في المكبّات المكشوفة، ومراقبة الطمر الساحليّ، ومعارضة اعتماد خيار المحارق، ألخ...). ويهدف الائتلاف إلى التوصّل إلى خطّةٍ متكاملةٍ تلتزم بشكلٍ كامل بمبادئ الاستدامة، بما ينعكس أهدافًا واضحة، وآليّات تنفيذ حسنة التصميم. وسينفّذ الائتلاف نشاطات الضغط مستعينًا بالأبحاث العلميّة، ومعوّلًا على مشاركة أصحاب المصلحة، بالإضافة إلى اضطلاعه بأنشطة التوعية والمدافعة بهدف التحذير من الاقتراحات والسياسات غير الملائمة، ولمناصرة الحلول البديلة.


 
 
(1) تشكل هرمية أو سلّم إدارة النفايات حجر الأساس لسياسة إدارة النفايات على الصعيد الدولي، وهو أداةٌ تستخدم لتحديد سلم الافضليات المتصلة بإجراءت إدارة النفايات. وهو يولي طبعاً أولويةً ويدفع قدماً بالسياسات الهادفة إلى منع إنتاج النفايات. أما ثاني أفضل إجراء فيتمثل بخفض إنتاج النفايات (مثلاً من خلال إعادة الإستخدام)، ثم إعادة التدوير، بما يتضمن التسميد أو الهضم اللاهوائي، تليها خطوات في مراحل لاحقة تشتمل على استخلاص الطاقة أو المواد من النفايات. ويتعين تطبيق هذه الحلول قبل الخيارات التي تحتل المراتب الدنيا في سلم الافضليات، وهي تتضمن الطمر أو الترميد والحرق. المصدر: Mark Hyman et al. 2015. “Guidelines for National Waste Management Strategies: Moving from Challenges to Opportunities”.
 
 (2) الشبكة الاقليمية لتبادل المعلومات والخبرات في مجال إدارة النفايات في دول المشرق والمغرب/سويب نت".2014. التقرير القطري لإدارة النفايات الصلبة في لبنان". بيروت، لبنان. نيسان.
 
(3) خلصت دراسة استقصائية أجريت عام 2018 وشملت 37 من إتحادات البلديات إلى أن التحديات المتصلة بإدارة النفايات الصلبة تتسبب باستنزاف مالي: فهي تستهلك السواد الأعظم من الموازنات في حين أن 80% من الاتحادات ليس لديها العدد الكافي من الموظفين المعنيين بهذا القطاع. وقد أكد تقرير الدراسة أن رؤساء الإتحادات "يطلبون من الحكومة المركزية مزيداً من الموارد، وتبسيط المعاملات في مجال التعاون مع القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني، ووضوحاً أكبر في الأطر التنظيمية، بما يتيح لهم تولي دور القيادة في مجال إدارة النفايات الصلبة". المصدر: 
Democracy Reporting International. 2017. "Public Service Provision in Municipal Unions in Lebanon Solid Waste Management, Municipal Police and Public Safety, Accountability and Participation." Beirut, Lebanon. December.

(4) خلال مؤتمر سيدر الذي عقد في وقتٍ سابق من هذه السنة، طلبت الحكومة اللبنانية نحو 1,4 مليار دولار أميركي لبناء ثلاث محارق كبيرة في المنطقة الساحلية اللبنانية.

(5) تدرس بلديات بيروت والجديدة البوشرية السد، وبيت مري، وزحلة وبلاط وغيرها إعتماد هذا النوع من تكنولوجيات المعالجة الحرارية. وقد أحرزت بلدية بيروت تقدماً كبيراً في هذا المجال، فهي تحضر لاستدراج العروض لبناء محرقة. أما البلديات الأخرى فقد قدمت خططاً لإنشاء معامل للإنحلال الحراري. ويشكل الإنحلال الحراري تكنولوجيا لم تثبت ملاءمتها للنفايات البلدية الصلبة المختلطة، وهي غير مجدية تجارياً. المصدر: الإتحاد الأوروبي ومكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية. 2018:
Technical Support to Upgrading the Solid Waste Management Capacities in Lebanon Policy Note on Small Scale Incinerators." IDOM in consortium with EPEM SA & LACECO. Beirut, Lebanon. August.
 
(6) وزارة البيئة. 2017: "المخطط التوجيهي المحدث لإغلاق وإعادة تأهيل المكبات العشوائية": بيروت، لبنان.






Copyright © 2018 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.