Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


سامي عطاالله, المدير التنفيذي للمركز اللبناني للدراسات


December 2018
هل وقع لبنان ضحيّة "لعنة ما قبل الموارد"؟

أكّد تقرير من إعداد جايمس كاست ودايفد ميهاليي صدر مؤخرًا عن البنك الدولي أنّ "اللعنة" الّتي تلحق بالدول الّتي تكتشف البترول وتستخرجه يمكن أن تحلّ قبل أن تبلغ الإيرادات خزائن الدولة. ويعتبر التقرير أنّه عند اكتشاف الموارد، أي قبل بدء توليد الإيرادات في معظم الأحيان، يميل السياسيّون إلى زيادة الإنفاق من خلال الاستدانة الّتي تعرّض استقرار الاقتصاد الكلّي للخطر وتحدّ من النموّ. وينسحب ذلك على الأخصّ على البلدان ذات المؤسّسات الواهنة حيث تفلت أعمال السياسيّين من أيّ تدقيق. وقد استحدث معدّا الورقة مصطلح "لعنة ما قبل الموارد" لوصف هذه الظاهرة، بناءً على المفهوم الراسخ "للعنة الموارد"، الّذي يربط بين الإيرادات النفطيّة وانخفاض النموّ، واستشراء الفقر والفساد، وتقهقر "الممارسات الديمقراطيّة".
  
وفي إطار مناقشة هذه الورقة، دعتني المبادرة اللبنانيّة للنفط والغاز مؤخرًا للتداول في ما إذا كان مقدّرًا للبنان أن يقع في مصيدة لعنة ما قبل الموارد. ورغم أنّ لبنان لم يحقّق بعد أيّ اكتشاف، فقد أصدر رخصتي استكشاف وإنتاج، أُسنِدتا إلى اتحاد شركات بقيادة توتال. وكان رأيي أنّ لبنان ليس عرضةً وحسب للوقوع في لعنة ما قبل الموارد، بل إنّه بدأ يختبر مفاعيل لعنة ما قبل قبل الموارد. وبعبارة أدقّ، دعوني أذكّر أنّه وقبل تحقيق أيّ اكتشاف نفطي، لم يتوانَ السياسيّون في لبنان عن زيادة الإنفاق من خلال الاستدانة وتقاسم الغنائم، ما أدّى في النتيجة إلى تقويض استقرار الاقتصاد الكلّي منذ أن وضعت الحرب الأهليّة أوزارها. وقد عمدوا إلى تقويض الانضباط المالي على نحو ممنهج، من خلال زيادة الإنفاق على رواتب القطاع العام، نتيجةً لإفراطهم في توظيف عملائهم ضمن المنظومة البيروقراطيّة؛ وقلّة الشفافية والمساءلة في عمليّة التعاقد على المشاريع الحكوميّة من خلال تلافي المناقصات العامة إلى حد كبير؛ وإصدار سندات خزينة لردم الفجوة بين الدخل والإنفاق بمعدّلات فائدة أعلى من اللازم في غالب الأحيان. فإلى جانب الارتفاع الكبير في النفقات منذ التسعينيّات، تفاقمت أيضًا قلّة الكفاءة في استخدام الموارد، إذ أنّ لبنان يستثمر 25% و13% أكثر من المدخلات لتحقيق المستوى نفسه من نواتج الصحّة والتعليم، تباعًا. وقد أدّت هذه السياسات الماليّة غير المسؤولة إلى نسبة مرتفعة ومزمنة من العجز إلى إجمالي الناتج المحلي وصلت إلى نحو 13% بين 1992 و2016، ما يفوق بأشواط معدّل الـ3% لبلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ومعدّل الـ2.5% لبلدان العالم الّتي تسجّل المستوى نفسه من التنمية. وفي النتيجة، وصلت نسبة الدين إلى إجمالي الناتج المحلّي إلى نحو 160%، وهي من الأعلى في العالم.
 
بيد أنّ وضع الماليّة العامّة لم يكن دائمًا على هذه الحال في لبنان. والواقع أنّ لبنان كان يحقّق بين 1944 و1958 فائضًا كبيرًا في الميزانيّة. وحتّى خلال الحقبة الشهابيّة، الّتي شهدت إنشاء مؤسّسات الدولة لتحمّل مزيد من المسؤوليّات، كانت الماليّة اللبنانيّة تسجّل فوائض معتدلة تراوحت بين 2% و3% إلى إجمالي الناتج المحلّي بين 1958 و1970. أمّا ارتفاع العجز المزمن، وما استتبعه ذلك من دين عام، فيعتبران تطوّرين حديثين نسبيًّا، ويعزيان إلى حدّ بعيد إلى التسوية السياسيّة الّتي خُتِمت بها سنوات الاقتتال الأهلي. وبعبارة أدقّ، فإنّ التغيير في ميزان القوى الّذي نجم عن اتّفاق الطائف، وأدّى إلى خضوع المؤّسسات السياسيّة إلى هيمنة المجموعات الطائفيّة المختلفة – قد مأسس حقبة جديدة من سوء الإدارة الماليّة. وقد رأت النخبة السياسيّة في الترتيب الجديد، الّذي تجلّى في الترويكا الحاكمة خلال التسعينيّات، ومختلف التكتّلات الّتي تقاسمت السلطة منذ 2005، فرصةً لسحب موارد الدولة الّتي تعود بالمنفعة عليها وإن على حساب اللبنانيّين. وصحيح أنّ ذلك قد حافظ على السلم، لكنّ أكلافه الاقتصاديّة والماليّة كانت باهظة.
 
قبل حقبة الحرب الأهليّة، كان لبنان يتمتّع بآليّات رسميّة وغير رسميّة لكبح الإنفاق. ولا يعني ذلك طبعًا أنّه كان خاليًا من الفساد، لكنّ تلك الفترة اتّسمت بضبط أفعل لإدارة الماليّة العامّة من قبل السلطة التنفيذيّة، الّتي كانت موكلة إلى الرئيس وليس إلى مجلس الوزراء، كما باتت الحال في مرحلة ما بعد الحرب.  هذا هو السياق الّذي يجب أخذه بالحسبان عند تقييم دور صندوق الثروة السيادي. ويكثر الحديث عن تصميمه المؤسّسي – بما يتضمّن دوره والمؤسسّة الّتي تكون وصية عليه – إلاّ أن ذلك قد يكون غير ذي جدوى عند دراسة الموضوع من المنظار الأشمل لسوء إدارة الماليّة العامّة. فحتّى لو أسّس لبنان صندوق ثروة سيادي يتمتّع بقواعد ماليّة متينة تلجم ميول السياسيّين للغرف منه، فلا شكّ أنّه سيتمّ الالتفاف على هذه القواعد أو انتهاكها، نظرًا للسياق السياسي والمؤسّسي الأعمّ.
 
وحتّى لا يغوص لبنان أبعد في أعماق الهاوية، عليه أن يعيد تشكيل مؤسّساته حتّى تتمكّن من فرض الانضباط المالي وتمنع الإنفاق غير الكفؤ من خلال كبح ميول السياسيّين إلى الانتفاع الشخصي على حساب الدولة. وتتمثّل الخطوة الأولى في هذا الاتّجاه بضبط الماليّة العامّة، من خلال اعتماد موازنة متكاملة تنظّم كامل الإنفاق بشكل موحّد (أي أنّها تجمع بين موازنات مجلس الإنماء والإعمار وغيره من الإدارات)، وضمان خضوع المشاريع العامّة إلى عمليّة شراء شفّافة وتنافسيّة، وتقييم فاعليّة الإنفاق، والحرص على تمويل الاستدانة بحسب معدّلات فائدة تنافسيّة.
 
جميع هذه الإجراءات ضروريّة، لكنّها غير كافية. وتكمن المسألة الأساسيّة في الحرص على وجود الضوابط والموازين اللازمة للحدّ من الإفراط في الإنفاق. ويستدعي ذلك من الإدارات والمؤسّسات الرقابيّة أن تضطلع بدور أساسي لضمان الانضباط الضريبي. ولا بدّ من تعزيز دور ديوان المحاسبة حتّى يتمكّن من الإشراف على إنفاق الموازنة، كما لا بدّ لإدارة المناقصات، الّتي لم تشرف سوى على 10% من المشاريع، أن تتمتّع بالاستقلاليّة حتّى تدير عمليّة التعاقد في جميع المشاريع الحكوميّة.
 
وللبرلمان دور محوري في هذا الصدد. فلا بدّ له من تحمّل مسؤوليّاته الّتي أوكلها إليه اتّفاق الطائف، التشريعيّة منها كما الرقابيّة، عوضًا عن التصديق تلقائيًّا على أعمال السلطة التنفيذيّة. ويتوجّب على مجلس النوّاب أن يشرف على الماليّة العامّة للدولة، وأن يُلزم الحكومة بتمرير قوانين الموازنة، وأن يرفض الموافقة على الإنفاق من خارج الموازنة، وأن يقيّم فاعليّة الحكومة وكفاءتها في الإنفاق. وإضافةً إلى كلّ ما تقدّم، يمكن للحكومة، إن كانت جديّة، أن تعتمد تدابير مؤسّسيّة أخرى لتضمن فرض الانضباط المالي.
 
ويبقى السؤال الأكبر: هل تقدر النخبة السياسيّة، الّتي قسّمت السلطة السياسيّة على المجموعات الطائفيّة المختلفة، على تنظيم نفسها وتفادي الانجرار إلى إنفاق إيرادات النفط أو الاستدانة على أساس العائدات المتوقّعة؟ إن كان للتاريخ من عبرة، فهي أنّ هذه النخبة قد سبق أن أخفقت في ذلك ماضيًا. وتنبع المخاوف من أنّ جاذب الطفرة النفطيّة سيكون أقوى بعد بالنسبة إلى هذه النخب، ما سيتيح لها الإمعان في ترسيخ مصالحها في المنظومة، وتأجيل أي إصلاح جدّي حتّى أجل غير مسمّى.






Copyright © 2018 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.