Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


باسل صلّوخ, أستاذ مساعد في مادة العلوم السياسيّة في الجامعة اللبنانيّة الأمريكيّة وباحث مشارك في المركز الّلبناني للدراسات


December 2018
لبنان وأشباح الميلاد الماضية والحاضرة والمستقبليّة

وأخيرًا، انقلب سحر سياسات لبنان النقديّة والماليّة الماضية على الساحر، وكأنّي بها أعمال "أبنزر سكروج" الأنانيّة، [الّتي كتب عنها "شارلز ديكنز" في روايته "ترنيمة عيد الميلاد"]. وإذ يشرف العام 2018 على نهايته، لا يؤرق اللبنانيّين سوى همٌّ واحد أوحد: ما نوع المواجهة الاقتصاديّة الّتي سيأتي بها العام 2019؟ وللتصدّي لهذه المخاوف، علينا أوّلًّا أن نحدّد كيف بلغنا هذا الدرك من الظروف الاقتصاديّة المزرية الّتي ستلقي بظلالها على آفاقنا المستقبليّة أيضًا.
 
لا عجب في الأزمة الاقتصاديّة الّتي يمرّ بها لبنان حاليًّا. فهي تنبثق عن أشباح الرؤى والخيارات الاقتصاديّة الماضية. وقد خضعت جمهوريّة التجّار الّتي افتقرت إلى التوازن خلال حقبة ما قبل الحرب إلى عمليّة إعادة تدوير، لتتمخّض عن اقتصادٍ ريعيٍّ لمرحلة ما بعد الحرب، قائمٍ على قطاعات السياحة والعقارات والمال التي قلّما تتسم بالإنتاجية، كما على المعدّلات الضريبيّة التراجعيّة، والأجور المتدنّية. وقد شكّلت معدّلات الفائدة المرتفعة الثمن الّذي تعيّن دفعه للحفاظ على استقرار الّليرة اللبنانيّة ولضمان زيادةٍ مطّردة في الودائع المصرفيّة الّتي استُخدِمت مع التحويلات الواردة من الشتات اللبنانيّ الّذي ما انفكّ يتوسّع، للتعويض عن العجز في الميزان التجاري. هذه الفلسفة الاقتصادية الّتي اعتُمِدّت ما بعد الحرب، والّتي اعتُبِرَت في حينه تدبيرًا قصير الأمد وضروري، قد كافأت الاستثمارات خارج الاقتصاد الحقيقي، وموّلت أسلوب حياةٍ قائمٍ على الاستهلاك المفرط، فسمحت لكثير من الّلبنانيّين أن ينعموا بمستويات معيشيّة تتجاوز قدراتهم المنطقيّة. وأصبح الاستهلاك أسلوب الحياة السائد في لبنان عوضًا عن الإدّخار، وشهدنا تغليب تكثيف رؤوس الأموال على اعتماد السياسات الماليّة السليمة. أمّا اليوم، فنحن نجني ثمار ما زرعته أشباح الماضي هذه: معدّل نمو اقتصادي سنوي من 1% لسنة 2018، ومتوسّط معدّل فائدة بلغ 6.2% على أساس سنوي حتّى شهر تمّوز ، ودين عام سجّل 83.7 مليار دولار بحلول آب 2018 (مقارنةً بـ 3 مليار دولار عام 1993)، وعجز مالي بلغ مجموعه 8.3% من إجمالي الناتج المحلّي حتّى شهر حزيران من العام 2018، ونسبة دين إلى إجمالي الناتج المحلّي وصلت إلى 155% في نهاية 2018، وهو معدّلٌ "غير مستدام" بحسب ما لا ينفكّ البنك الدولي يذكّرنا، إذ يُتَوقَّع أن يرتفع حتى 166% بحلول 2020، بالإضافة إلى عجزٍ تجاريّ سجّل 11.7 مليار دولار حتّى شهر آب 2018.
 
اقترن هذا النموذج الاقتصادي الّذي ساد خلال مرحلة ما بعد الحرب باقتصادٍ سياسيٍّ فريدٍ من نوعه، يحفّز المحسوبيّات، وبفساد متأصّل شديد الصلة بتدابير تشاطر السلطة الّتي حدّدها اتّفاق الطائف، وما رافق ذلك من سياساتٍ إعادة التوزيع طائفيّة واسعة النطاق، والحشد السياسيّ على أساس الاصطفافات الطائفيّة بشكلٍ خاص. ويتجلّى ذلك أكثر ما يتجلّى في الممارسات الريعيّة الافتراسيّة الّتي انتهجتها النخبة السياسيّة الّتي حكمت البلاد بعد الحرب، كما في فجوة التهرّب الضريبيّ الّتي بلغت نحو 5 مليار دولار عام 2017، أي ما يساوي 10% من إجمالي الناتج المحلّي للعام 2017 بحسب تقديرات بنك عوده، إضافةً إلى تضخيم حجم القوى العاملة وفاتورة الأجور في القطاع العام. فالقطاع العام الّذي ضمّ 300 ألف موظف في 2017 والّذي يشكّل 35% من إجمالي الناتج المحلّي بحسب مصرف لبنان، قد برز خلال فترة ما بعد الحرب كمنبعٍ للريوع السياسيّة، وكجزءٍ من منظومة الشبكات والاستراتيجيّات الزبائنيّة التابعة للنخبة السياسيّة الطائفيّة والمستخدمة لتطويع الأتباع الطائفيّين. أمّا النتيجة، فهي دولة لبنانيّة لا تشبه الدولة "الفيبريّة" Weberian state الحديثة بشيء، والتي تتّسم بالاستقلالية المؤسّساتية عن الاهتمامات المجتمعيّة الخاصّة، بل إنّها تتألّف من أرخبيلٍ من الشبكات الزبائنيّة الّـتي تديم الاقتصاد السياسيّ للطائفيّة.
 
وإنّ أكثر ما يثير القلق اليوم هو هذه اللامبالاة الّتي بدأت تتّسم بها ردّات الفعل حيال التحذيرات المتكرّرة الصادرة عن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بشأن فداحة الأوضاع الاقتصاديّة الحاليّة. ويكتسي ذلك أهميّةً خاصّة إن حاولنا أن نسترق النظر إلى آفاقنا الاقتصادية المستقبليّة. فلو فعلنا ذلك، لوجدنا ثلاثة اتجاهات محتملة، لكنّها مقلقة ومتداخلة: 1- الضغوطات المتزايدة على احتياطات الصرف الأجنبي لدى المصرف المركزي 2- عجز مستمرّ في ميزان المدفوعات يفاقم العجز الدائم في الميزان التجاري للبلد 3- تزايد في تمويل الدين، نتيجةً للضغوطات الآيلة إلى زيادة معدّلات الفائدة وما يرافق ذلك من ارتفاع لنسبة الدين إلى إجمالي الناتج المحلّي، الّتي قد تصل في أسوأ الأحوال، على الأقل بحسب تحليلٍ نشرته جريدة الأخبار في تشرين الثاني 2018، إلى 215% خلال السنوات الخمسة المقبلة.
 
أمّا الآن، وقد انجلت صورة أشباح مستقبلنا بوضوحٍ أكبر، فهل سيتراجع صانعو السياسات، على غرار سكروج في الرواية، عن هذا الاتجاه الآيل إلى الدمار الاقتصاديّ، ليبدؤوا بالتفكير في كيفيّة معالجة التعارض السافر بين السياسات النقديّة الحاليّة والحاجة إلى إعادة إطلاق الاقتصاد الحقيقي، خارج حدود الهيكليّات الريعيّة غير المنتجة؟ هل سيفطنون أن التعويل على السياسات النقديّة غير السويّة لتصويب السياسات الماليّة الشعبويّة والافتراسيّة الّتي سادت بعد الحرب لا يمكن أن يستمرّ إلى ما لا نهاية، سيّما على ضوء المعطيات الجيوسياسيّة الجديدة وضغوطات الأسواق الناشئة؟ وإذا قرّروا الشروع في عمليّة إعادة الهيكلة الاقتصاديّة والتخلّي عن منطق المبتدئين الّذي تسترشد به مشاريع البنية التحتيّة الّتي قُدِّمت في مؤتمر سيدر، فهل توقّف أحدٌ دقيقة واحدة للتفكير بشأن كيفيّة تعميم المعاناة وعذاب الاحتضار الّذين يرافقان لا محالة الاصلاحات الاقتصاديّة العميقة ولا سيّما منها خصخصة الخدمات العامّة الاستراتيجيّة على الطبقات والقطاعات المختلفة؟
 
لا شكّ أنّ الاقتصاد السياسيّ لمرحلة ما بعد الحرب، مع كلّ تشوهاته، قد اتّبع مجراه. ولكن أن نبرّئ المواطن العاديّ من أيّ مسؤوليّة يعني أنّنا لم نفهم كيفيّة عمل المنظومة الطائفيّة، من خلال تركيبة من المحفّزات الماديّة وغير الماديّة، تهدف إلى منع بروز أيّ أشكالٍ بديلةٍ من الهويّات، وأساليب التعبئة السياسيّة القائمة على المصالح. لقد آن لنا أن نتحرّر من أشباح السياسات الاقتصاديّة الماضية، لنبدأ باتّخاذ القرارات الماليّة الصعبة الّتي من شأنها أن تقلب حالة الانهيار الحاليّ، من دون أن تنسف سبل عيش الفقراء والمحرومين. وإن أيّ طرحٍ آخر ليس سوى خبث ورياء!
 
 






Copyright © 2019 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.