Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


جهاد فرح, أستاذ في الهندسة المعمارية والتخطيط الحضري في الجامعة اللبنانية 


January 2019
أبعد من توفير الأمن: العلاقات بين التخطيط المكاني ومنع التطرّف العنيف

هذا المقال جزء من سلسلة مقالات ينشرها المركز اللبناني للدراسات بدعم من سفارة سويسرا حول منع التطرف العنيف في لبنان. في هذا المقال، يشرح الدكتور جهاد فرح آثار التخطيط المكاني على بيروت وكيف يؤثر على انتشار التطرف العنيف والجهود المبذولة للتخفيف من حدته.


نادراً ما يكون التخطيط المكاني محط تركيز أساسي عند التطرّق للتطرّف العنيف. فلا تزال الغالبية الساحقة تنظر إلى التطرّف العنيف على أنّه عملية اجتماعية، تقتصر على عوامل نفسية واجتماعية متداخلة في وقائع سياسية، واقتصادية واجتماعية، وإيديولوجية. غير أنّه يجب أن ننظر إلى التطرّف العنيف على أنّه عملية دينامية تظهر في حيّزات ومجتمعات معيّنة. بالتالي، يتعيّن على استراتيجية فعّالة لمنع التطرّف العنيف أن تأخذ بعين الاعتبار مكونات مثل الإنتاج والإدارة المكانيتين، اللذين من شأنهما تعزيز البيئات التي تفضي إلى التطرّف العنيف.
 
يمكن النظر إلى البعد المكاني للتطرّف العنيف والوقاية منه بطريقتين على الأقل. أولاً، تسعى المجموعات المتطرفة العنيفة إلى السيطرة المكانية ونيل الدعم المجتمعي من أجل إضفاء غطاء المشروعية السياسية على أعمالها، وكسب الموارد، وإنشاء ملاذات أو قواعد آمنة تشنّ منها عملياتها و/ أو تُعدّ منها لهجمات. بالمثل، تعوّل استراتيجيات مكافحة الإرهاب ومكافحة التمرّد والعمليات التكتيكية بشكل كبير على السيطرة المكانية لتقويض أعمال المجموعات المتطرّفة العنيفة. ثانياً، ترتبط مشاعر التمييز والظلم التي تُغذّي التطرّف بالتظلمات ذات الصلة بنوعية الحياة والمظالم في الأماكن الحضرية، بما في ذلك النفاذ إلى السكن، والخدمات، والوظائف، ووجود الهويات الطائفية.
 
يمكن وصف لبنان كبلد حرية مطلقة "laissez-faire" لديه قوانين تصنيف مناطقي وتخطيط ضعيفة. كما أنّ أطر التخطيط العام قديمة العهد، والعمل الجماعي المدني والمكاني مجزأ وغير منسّق. غير أنّه سيكون من غير الصحيح وصف التخطيط بالعشوائي. ذلك أنّ "نظام" التخطيط هذا المتّسم بضعف في التدخلات متعمّد، ويتوافق مع إيديولوجية ليبرالية جديدة، ويؤثّر بشكل كبير على السياسات الحضرية والإقليمية. في الواقع، يؤثّر نظام التخطيط هذا بشكل واضح في ما يخص بمنع التطرّف العنيف في لبنان ويحدّ منه.
 
أولاً، يتناسب نظام التخطيط في البلد مع ما يسمّيه بعض الباحثين حضرية عسكرية جديدة- وهو شكل جديد من تصميم المدن يضع الأمن في صلبه. فتظهر عملية إضفاء الطابع العسكري من خلال الانتشار الكثيف للجهاز الأمني للبلد وإعادة ترتيب الحيّز المكاني، والحركية، والبنى التحتية في المناطق الحضرية. ويُعدّ التواجد العسكري الكثيف في المجال الحضري سمة راسخة في لبنان. ففي ظلّ الانتداب الفرنسي في عشرينيات القرن الماضي، قامت سلطات الانتداب بتطوير حلقة من الثكنات ونقاط التفتيش في بيروت ومحيطها للسيطرة عليها. وقد فاقمت الحرب الأهلية التي امتدت من العام 1975 وحتى العام 1990هذه الظاهرة، مع تحوّل كامل المناطق الحضرية إلى مناطق عمليات عسكرية. وفي حين شهدت فترة ما بعد الحرب نزعاً للطابع العسكري عن المناطق الحضرية، أدّت أحداث ما بعد العام 2005 (من اغتيالات سياسية، وتفجيرات، ومواجهات بين مجموعات مسلّحة، إلخ.) إلى إعادة بروز الانتشار العسكري وإغلاق أحياء ومناطق حضرية.
 
تُظهر خارطة تفصّل الأماكن التي تم تطبيق هذه الإجراءات الأمنية فيها في بيروت، قام بإعدادها الأساتذة منى حرب، ومنى فواز، وأحمد غربية من الجامعة الأميركية في بيروت في العام 2012، أنّ هذه الأساليب باتت الآن متبعة في كلّ مكان في المدينة وضواحيها، وتتركّز حول بعض المناطق التي أصبحت "حصوناً" أو خطوط تماس. غير أّنّه يتعيّن وضع فعالية أساليب الأمن هذه موضع تساؤل. فبدلاً من ردع هجمات المجموعات المتطرّفة العنيفة، تسمح هذه الأساليب بالسيطرة على السكان وتقييد حركة الأفراد، بالإضافة إلى عرقلة قدرة الناس على التعبئة ضد التطرّف.
 
ثانياً، يُعزّز هذا النظام شكلاً حضرياً حداثوياً "منافياً للسلوك الاجتماعي"، إذ أنّ قوانين البناء والتخطيط المدني المعاصرة جزء لا يتجزأ من أيديولوجية التخطيط الحداثية. وقد أدى ذلك إلى مشهد من المباني المتعددة الطوابق المنفصلة عن بعضها البعض على قطع أرض فردية تربطها شبكات طرقات- وهي تركيبة تميل إلى إحداث تركيزات عشوائية من المناطق السكنية، لا تشكّل أحياء. لا يُشجع نظام تخطيط مماثل تطوّر الحياة المجتمعية، ولا يوفّر أماكن محلية "طبيعية" للالتقاء، ويفاقم الشعور بانعدام الأمان. وقد أدى هذا، بشكل أساسي في المناطق الواقعة عند الأطراف، إلى تطوّر المجمّعات السكنية المسيّجة، وفي فترات الأزمات، مجموعات الحراسة الأهلية. ويجب اعتبار- على النحو الذي تفترضه بعض تيارات التصميم الحضري (مثلاً، منع الجريمة من خلال التصميم البيئي)- أن النسيج الحضري يمكن أن يكون بحد ذاته مصدراً لتوفير الأمن من خلال ردع الجريمة وتشجيع الحياة المجتمعية.
 
ثالثاً، إنّ نظام التخطيط هذا طائفي ومؤسساتي، مع تأثّر صنع القرار بشكل كبير بمجتمعات وفئات اجتماعية محددة ومصالحها الخاصة. ولدى المجموعات الطائفية النافذة تأثيراً كبيراً على طريقة إجراء التخطيط. ونظراً لكون التوازن الطائفي خاصية أساسية في النظام السياسي اللبناني، يجب أن تحترم إعادة توزيع الثروة والنفوذ هذا التوازن الذي يتم التنازع بشأنه باستمرار. نتيجة لذلك، يُصبح التخطيط، الذي هو إجراء يهدف إلى توجيه الانتاج والإدارة المكانية والمحلية موضوع مواجهة مستمرة بين المجموعات التي أعلنت نفسها ممثلة عن الطوائف. بالتالي، يمكن لمشروع خاص بالبنى التحتية أو عامل الاستثمار أن يصبح موضوع تعبئة طائفية شرسة.
 
أبعد من المجموعات الطائفية الرئيسية، يُقَوّض التخطيط ويتم إعادة التفاوض عليه بشكل مستمر على المستوى المحلي، مع فاعلين آخرين يسيطرون على مناطق معيّنة ويعززون بحكم الواقع "السيادات المحلية." وتكون هذه الجهات الفاعلة – إن لم تكن أحزاباً سياسية طائفية كبيرة- من الأعيان المحليين، أو مؤسسات دينية، أو عشائر كبيرة. وفي بعض الحالات، كما هو الحال في بعض الأحياء غير النظامية ومخيمات اللاجئين، قد تكون هذه المجموعات حتى مجموعات جريمة منظمة أو مجموعات سياسية من اللاجئين. أضف إلى ذلك، أنّ أوجه عدّة من التنمية المحلية والاجتماعية العامة (توفير البنى التحتية، والرعاية الصحية، والتعليم، إلخ.) تُترك لهذه الجهات الفاعلة غير التابعة للدولة. وتميل المجموعات المتطرّفة العنيفة إلى تركيز تواجدها في مناطق مماثلة. في الواقع، هي تستفيد من لعب لعبة مزدوجة. أولاً، تُقدّم نفسها كجزء من النسيج المحلي لتلك المناطق وكحامية لمصالح هذا المجتمع، مما يوفّر لها إعترافاً ودعماً اجتماعياً وسياسياً على المستوى المحلي. كما تقوم بصورة متكرّرة بتحدي الجهات الفاعلة المهيمنة في تلك المناطق، وتتهمها بالتساهل في الدفاع عن "مصالح المجتمع." كما أنها تُدين الفساد وتعد بإدارة أفضل للخدمات المحلية. في الجوهر، تسعى هذه المجموعات إلى جعل المنطقة المحلية/ الحي حصناً فعلياً ومجازياً، فتصبح ملاذاً وتجسّد تعبيراً عن تضامن طائفي منظّم، مما يجعل المجتمع متطرفاً في وجه خطر خارجي متصوّر.
 
رابعاً، إنّ نظام التخطيط هذا ليبيرالي جديد. مع إعادة الإعمار في فترة ما بعد الحرب في تسعينيات القرن الماضي، حلّ نوع جديد من التخطيط العام مكان نهج "التخطيط المحدود" التقليدي القائم على الحرية المطلقة "laissez-faire". هذا النهج الليبرالي الجديد كان واسعاً من حيث النطاق وعدد المشاريع الذي تضمّنه. كان يهدف إلى جعل بيروت، وهي المدينة التي تتركز فيها هذه المشاريع، منصة إقليمية للأعمال، وذلك من خلال دمجها ضمن شبكات عالمية.  وقد قام بتشجيع استثمار الرساميل الخاصة واستيعابها ضمن مشاريع انمائية راقية في مناطق حضرية في جميع أنحاء البلاد، ومن خلال خصخصة الخدمات بحكم الأمر الواقع. وكانت الفكرة أنّ هذه الدينامية الحضرية ستؤدي إلى أثر مترتّب على مستوى التنمية والثروة ينتقل إلى مجموعات اجتماعية ومناطق جغرافية أخرى. بعد 25 عاماً، لا يزال هذا الأثر محدوداً جداً. في الواقع، ساهم تخطيط مماثل بشكل كبير في تسجيل لبنان أحد أعلى مستويات انعدام المساواة على المستويين الاجتماعي والاقتصادي في المنطقة. اليوم، نلاحظ وجود مناطق حضرية "متعددة السرعات": مشاريع راقية مؤمنة وتحظى بخدمات خاصة، ومجمّعات مسيّجة، ونوادي ترفيهية، ومشاريع تجارية، ومراكز تسوق، تقع قرب مساكن سيئة النوعية في أحياء محرومة وغير نظامية وفقيرة تعاني نقصاً في التجهيز، وضواحٍ آخذة بالزحف العشوائي تقطنها طبقة وسطى آخذة بالتضاؤل ومثقلة بالديون. كما يُفاقم الإهمال المتعمد للأملاك العامة المشتركة (الأماكن العامة، ومواقع الإرث الثقافي، والشاطئ، والنقل العام، إلخ.) الاستقطاب الاجتماعي، ما يدفع بالمزيد من الناس إلى الخيبة من النظام السياسي، وإلى المطالبة بتغيير جذري. كما أنّ فشل الدولة اللبنانية في توفير بيئة حضرية لائقة وشاملة هو حتماً أحد المظاهر الملموسة والدالّة على فشل هذا النظام. فما كان دون دلالة أن المطالبة بسقوط النظام كانت مسموعة في التظاهرات خلال أزمة النفايات في العام 2015.  اختار المتظاهرون خلال هذه الأحداث سبل التنديد الديمقراطية، غير أنّ آخرين قد تجذبهم إيديولوجيات أكثر راديكالية وتطرّفاً تنادي بالعنف كوسيلة لإحداث تغيير سياسي.
 
يعدّ التخطيط في الوقت عينه سبباً هيكلياً وعلاجاً ممكناً لنمو التطرّف العنيف. ومما لا شك فيه أنّ منع التطرّف العنيف سيكسب الكثير من خلال إدماج أفكار حول التخطيط والتطرّف العنيف. في لبنان، يساهم نظام التخطيط في تعزيز المجموعات المتطرّفة العنيفة ولا يحدّ من عملها سوى بصورة هامشية. ويبدو أنّه ثمة حاجة ملحّة لنظام تخطيط آخر، مبني على حضرية أكثر اجتماعية، في حال أردنا احتواء العنف والتطرّف العنيف.






Copyright © 2019 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.