أبعـــــــاد
العدد الأول:
أيار/ مايو 1994
افتتاحية فارس أبي صعب: من أين نبدأ؟ (ص
20 - 26)
حين يُقدم المرء على كتابة افتتاحية العدد الأول
لمجلة وليدة، فهو يحار من أين يبدأ. فكثيرة هي الأمور التي
تتجاذبه، واجداً نفسه مدفوعاً إلى البحث فيها أو إلى الإشارة
إليها، وخصوصاً إذا كانت هذه الأمور جزءاً من اهتمامات هذه
المجلة. وكيف لا تفرض هذه الأمور نفسها على من يعيش في مجتمع
تحيطه المشاكل والأزمات من كل صوب، فضلاً عن تلك التي تمزقه من
داخله على غير مستوى وصعيد. وسواء أكان هذا المجتمع، الذي
يمثل محور اهتمام المجلة، في دائرته اللبنانية الصغرى أم كان في
دائرته العربية الواسعة، فهو على هذين المستويين لم يعرف
الاستقرار والنمو الطبيعي طوال فترة تكوّنه على قاعدة "الدولة
الحديثة"، بل ربما منذ قرون مضت. وإذا كان الكلام على أزمة هذا
المجتمع يعود بنا إلى حقبة تاريخية طويلة فلأن طبيعة الأزمات
التي لا يزال المجتمع اللبناني أو العربي يعانيها يجد بعضها
جذوره في تلك الحقبة من الزمن. فعلى مستوى لبنان تتعدد
الموضوعات التي تفرض نفسها على أي مشروع علمي أو ثقافي، وخصوصاً
بعد ستة عشر عاماً من الحروب والفوضى فقد لبنان خلالها الكثير من
ركائزه الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتربوية والإدارية
والمؤسسية والثقافية والقيمية، حيث بات البحث في هذه الموضوعات
ودراسة أزماتها بعمق ومسؤولية، ومحاولة اقتراح الحلول أو وضع
السياسات لها، أمراً يفترض بالباحثين والمتخصصين وبمراكز
الدراسات والبحوث العلمية والفكرية المبادرة إليها. أما على
المستوى العربي فكثيرة هي الأمور أيضاً التي باتت تتطلب بحثاً
عقلانياً وعلمياً، في الوقت الذي يقف الوطن العربي أمام تحديات
كثيرة، على شتى الصعد العلمية والتقانية والثقافية والاقتصادية
والسياسية والجيوستراتيجية، في ظل تطورات عالمية وإقليمية باتت
تدفع به إلى مزيد من الانقسام والتهميش…وبعد فشل العديد من تجارب
التنمية والتحديث فيه، بل ربما فشل تجربة "الدولة الحديثة"
نفسها، التي ما زالت تتهددها مخاطر، منها ما هو قائم أصلاً
وطالما عاناه المجتمع العربي ولم تستطع تجربة الدولة الحديثة
تجاوزه، ومنها ما هو مستجد تفرضه التطورات السياسية والإقتصادية
على الصعيد العالمي، التي يمثل الشرق الأوسط، وقلبه العربي، أحد
أكبر مسارحها وأكثرها أهمية. فعلى الصعيد السياسي، إن تجربة
الدولة الحديثة في الوطن العربي، التي لم تأتِ ترجمة لوعي وطني،
لم تُحدث قطعاً مع الماضي ولا حتى تجاوزاً له، وبالتالي فهي ما
زالت عرضة لأزمات ومخاطر تعود جذورها إلى مرحلة تاريخية سابقة
على تأسيس نموذج الدولة الحديثة في هذه المنطقة من العالم،
كالإنقسامات الطائفية والقبلية التي تهدد وحدة كيان الدولة في
غير بلد عربي، كما حصل في لبنان مثلاً، الذي رغم كل الحروب التي
شهدها لم يتجاوز حتى الآن العوامل البنيوية لهذه الإنقسامات؛ أو
كما يحصل اليوم في اليمن حيث البلاد على هاوية الإنقسام الذي
تتشابك فيه الولاءات القبلية مع التدخلات الخارجية، بعد تجربة من
الوحدة لم تدم سنوات. أو كأزمة الحدود الجغرافية الوهمية التي
قامت عليها الدولة الحديثة والتي ما زالت تتفجر نزاعات هنا وهناك
دفاعاً عن حدود تعود إلى أشكال من الحكم والسلطة سابقة لشكل
الدولة الحديثة في المنطقة. وهذه الأمور جميعاً ربما تكون سبباً
ونتيجة في آن معاً لعدم تبلور مواطَنة على قياس الدولة الحديثة
في المجتمع العربي. ويرتبط البعض الآخر من هذه المخاطر بقيام
الدولة الحديثة نفسها، التي لم تتوافر فيها شروط استقرارها،
كالديمقراطية وحقوق الإنسان والتحديث الإداري والمؤسسي والتنمية
الاقتصادية… والتي تأسست أصلاً في سياق نظام عالمي تحدد بموجبه
دورها السياسي والاقتصادي. وعلى الصعيد الفكري والثقافي، فإن
الخطاب العربي يعاني أزمات لا تقتصر على مضمونه والأفكار التي
يطرحها، بل تبدو الأزمة في بنية هذا الخطاب نفسها، إذ ما زال
الكثير من المفاهيم والمصطلحات المعرفية يفتقر إلى مضمون واضح في
العقل العربي، أي في تلك المنظومة أو البنية المعرفية التي
بواسطتها يفكر المثقف العربي ويبحث ويقرأ، وهذا ما يجعل هذا
الخطاب يفتقر إلى لغة مفاهيمية موحدة للتواصل وللإنتاج
المعرفي. فضلاً أن الخطاب العربي المعاصر ما زال محكوماً بنمط
من التفكير كان بمعظمه ينظر إلى أزمات المجتمع بمنظار التمنيات
وليس بمنظار الواقع، فجاء خطاباً حالماً لا عقلانياً، يختلف فيه
الواقع وفق اختلاف الحلم، فوجد هذا الخطاب نفسه متمترساً خلف
ايديولوجيات مختلفة، مستبداً، نافياً بعضه البعض الآخر. ومن هذا
البعض من راح يحلم بالماضي السحيق خارج الزمان، فكانت دعوة
العودة إلى الماضي أو التماثل فيه دعوة متجاهلة تاريخية تطور
المجتمع البشري؛ ومنه من راح يحلم بحاضر خارج المكان، فوقع أسير
القياس على نماذج لها بيئتها وشروطها التاريخية وخلفيتها
الايديولوجية وتتسم بنسبية نجاحها، وها هو اليوم، أكثر من أي وقت
مضى، يجعل من النموذج السائد عالمياً مرجعية يقيس عليها نجاحه أو
فشله، ويقيس عليها نماذجه التربوية والتنموية والفكرية
والحضارية، حتى غدا هذا الخطاب يعيش حالة استلاب فكري ومعرفي،
معمِّماً أطراً من المعرفة وأنماطاً من الأفكار وكأنها مسلّمات
ينبغي على الجميع الإنطلاق منها إلى غدِهِم. حتى إن النماذج
التي نادت بمشاريع وحدوية أو تغييرية في الخطاب العربي، فهي لم
تنجُ من عملية الإستلاب هذه، ولو بأشكال أخرى. فالخطاب القومي،
سواء على المستوى العربي أم على المستوى القطري، ارتكز بكثير من
منطلقاته على المدارس القومية الأوروبية بكل ما حملت هذه المدارس
من نزعات الاستعلاء ونفي الآخر ولا تاريخية التحليل، فضلاً عن أن
المشروع القومي راح يبحث عن شروط تحققه في مشاهد إنتقائية من
الماضي وحسب، بدلاً من البحث عن هذه الشروط في ضرورات الحاضر
وآفاق المستقبل. كما أن الخطاب الماركسي بدوره كثيراً ما اتخذ من
التجربة السوفياتية نموذجاً، ومن الإتحاد السوفياتي قِبلة، ومن
بعض الأدبيات والنصوص والمقولات، التي لا يمكن نزعها عن خصوصيتها
وتاريخيتها، آيات منـزلة. دع عنك أدبيات الإستقلال والتنمية
والتحديث التي كانت بدورها أسيرة القياس على نماذج محققة، منها
ما أسقطته التجربة ومنها ما يعيش أزمته التاريخية. وأهم ما ظل
بمنأىً عنه هذا الخطاب، في كل اتجاهاته، هو استنباط نموذج أو نمط
للتنمية والتحديث نابع من واقع البنية الاجتماعية والاقتصادية
والثقافية وواقع الظروف التاريخية العربية، ومن واقع التراكم
الحضاري الإنساني عموماً، وفي ضوء موقع العالم العربي في
المنظومة العالمية التي باتت تتحكم بكثير من عوامل تطوره. وقد
ظل هذا الخطاب الحالم يتجدد،رغم كل الصدمات التي كانت تهز الجسد
العربي الهامد، إلى ان حصلت الصدمة الكبرى التي ضربت هذا الجسد
في السنوات القليلة الماضية، بدءاً بحرب الخليج التي فتحت لمرحلة
كانت إحدى نتائجها إنهاء الصراع العربي - الإسرائيلي، على
المستوى الرسمي على الأقل، بهذه الطريقة التي نشهد. فوضعت هذه
الصدمة الخطاب العربي أمام خيارين: إما اليقظة، التي لا بد لها
من بروز فكر عقلاني نقدي يعيد النظر في كل النظم الفكرية
والمفاهيمية والمعرفية وبطرائق التفكير السائدة، وإما الغرق في
غيبوبة لا مكان حتى للحلم فيها. كما أن المثقف العربي بدوره
فهو ما زال مسكوناً بأصنام متشبثة في أعماقه، تعيق تحرره من ذاته
الموروثة، أو الممسوخة، بل تمنعه من ممارسة إنسانيته التي تتجلى
بتحرير العقل. ولكي يمارس الإنسان إنسانيته لا بد للعقول من
أن تطلق، خارج حدود المطلق. فلندع عقولنا ترفض وتشك وتنقد وتنقض،
كذلك لندعها تصغي إلى الرفض والشك والنقد والنقض الموجّه إليها،
إذ يبقى الخطاب النقدي بلا جدوى إذا كان المخاطَب لا يعي مغزى
النقد. وإذا كان لا بد من مصالحة بين الخطاب والمخاطَب فهي تفترض
من الخطاب النقدَ ومن المخاطَب وعي النقد. وإلا ستكون النتيجة
إما مزيداً من الإستبداد ونفي الآخر أو خطاباً بلاطياً يهز لهذا
الجسد العربي سريره بهدف تعميق نومه بدلاً من إيقاظه. فأي
مشروع نهضوي يحتاج إلى عقل على هذا القياس، نعيد بوساطته قراءة
تراثنا وواقعنا، ونتفحص من خلاله تجارب الآخرين، وبه نحدد
خياراتنا للمستقبل ونساهم عبره في إنتاج ثقافة إنسانية تتعدى
الثقافات السائدة المتمركزة في ذاتها. وفيما الوطن العربي
غارق في سباته نجد العالم من حوله يشهد تحولات وتطورات على مختلف
الصعد العلمية والتقانية والإقتصادية والسياسية، لا تتوقف عند
حدودها الكمية، بل تشهد ثورات وتحولات نوعية ربما تضع العالم على
مشارف مرحلة انتقالية، ليس انهيار الإتحاد السوفياتي ومنظومته
إلا إحدى مقدماتها. وفي الوقت الذي تتقلص المسافات بين أطراف
هذا العالم، الذي يصير محكوماً أكثر فأكثر بعملية تطور واحدة،
نرى الهوة بين أطرافه تزداد اتساعاً، حيث يشهد شماله مزيداً من
القفزات على مستوى العلم والتقانة والاقتصاد، سواء على مستوى
الإتصال والمعلومات، أم على مستوى الهندسة الوراثية والتقانة
الاحيائية، أم على مستوى دور الشركات المتخطية للاقتصاد القومي،
أم على مستوى إعادة التقسيم العالمي للعمل، أم على مستوى الأتمتة
البديلة للعنصر البشري في عمليات الإنتاج، في الوقت الذي يشهد
جنوبه مزيداً من التخلف والفقر والجوع ومزيجاً من الولادات
والكثافة السكانية، ومن الإنقسامات العرقية، واستنـزاف الموارد
الطبيعية بطريقة عشوائية غير مجدية. وفي الوقت الذي نرى في
مجتمعات الشمال مزيداً من الوعي الاجتماعي من أجل مواجهة عوامل
التلوث ونبذ الصناعات القذرة والحفاظ على البيئة، نرى دول الجنوب
في المقابل تستحيل موئلاً لتلك الصناعات القذرة ومزابل للنفايات
النووية والكيميائية وأسواقاً للسلع الفاسدة أو التي بات
استهلاكها محظوراً في أسواق الشمال. وفي الوقت الذي نرى في دول
الشمال بطوناً منتفخة من جراء شراهة لا حدود لها، نرى في دول
الجنوب بطوناً منتفخة من جراء أجنّة ينتظرها مستقبل لا تجد فيه
ما يسد ضورها. ومع كل هذه التفاوتات بين الشمال والجنوب، فهما
يخضعان لعملية تطور واحدة تفرضها طبيعة النظام الإقتصادي
العالمي، وهي يتزايد تأثيرها في رسم مستقبل هذا العالم، الذي كثر
الحديث عنه أنه بات أشبه بقرية صغيرة، في حين كان من الأجدر
تشبيهه ببركة ضيقة القعر كلما جفّت مياهها إزداد "صراع البقاء"
حدة بين أسماكها وحيتانها. وعلى الرغم من قتام المشهد الذي
يرتسم أمامنا، فماذا فعلنا نحن العرب ونفعل من أجل مواجهة
المستقبل؟ كل ما في الأمر هو اتساع الدعوة في الخطاب العربي إلى
"اللحاق بالعصر"، لكن دون أي تحديد مسبق لمفهوم "العصر" الذي
نريد اللحاق به، وكأن المعنى المسلّم به ضمناً هو نموذج العصر
السائد عالمياً، الذي حقق إنجازاته بوتيرة لم يكن ممكناً، ولا
حتى مطروحاً، معها تلافي تلك التفاوتات الهائلة في النمو التي
تزداد اتساعاً بين مراكز نظام هذا العصر وبين أطرافه، أو حتى
تلافي تلك الآثار المدمرة التي أخلت ولا تزال بالنظام الطبيعي،
وخصوصاً بعدما جعل نظام "العصر" من مقولة "سيطرة الإنسان على
الطبيعة" سمة أساسية من سمات تطوره، بحجة تطويع عوامل الطبيعة
وتسخير طاقاتها وثرواتها لـ"خدمة الإنسان"، في الوقت الذي جاءت
النتيجة عبثاً وتشويهاً بالطبيعة واستنزافاً لمواردها، إلى الحد
الذي بات يهدد النظام الطبيعي برمته. حتى إن تلك الوتيرة التي
اتخذها نظام العصر فهي تحاول قطع الطريق على أي خيار آخر في
التطور، يقوم على غير نسقها، إذ بات أي خيار آخر يبدو مشروطاً
بتجاوز هذا النسق، عبر إعادة التوازن إلى العلاقة بين الإنسان
والإنسان من جهة، وبين الإنسان والنظام الطبيعي من جهة أخرى.
ويبدو هذا التجاوز مرهوناً بدوره بتخطي الكثير من منطلقات الدولة
الحديثة التي قامت على مفهوم ناقص للعقد الإجتماعي وعلى هيمنة
زائدة للبعد الإقتصادي. ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه
بإلحاح في هذه المرحلة من تاريخنا: من أين نبدأ لكي نبقى في
دائرة التاريخ؟
|