English Version خريطة الموقعسجل عنوانكالجديد

المنشورات الدوريةالأبعاد
أبعـــــــاد
العدد الأول: أيار/ مايو 1994

افتتاحية بول سالم: أبعاد…وتحديات المرحلة (ص 4 - 19)
هناك توافق عام بين معظم المثقفين العرب على ان العالم العربي يتخبط في أزمة فكرية وحضارية خطيرة. فالمجتمع العربي معلق بين التراث والحداثة، بين الإيمان والعلم، بين العروبة والغرب، بين العلمانية والطائفية، بين القبلية والفردية، غير قادر على شق طريق واضح إلى المستقبل ومعرض للجوء إلى أنواع مختلفة من السلفية والماضوية.
وتتفاقم الأزمة نتيجة الفسحة الضيقة من الحريات التي تتيحها الحكومات والمجتمعات للمثقفين والمفكرين العرب في معظم البلدان العربية، والنسبة المتدنية من الاستثمار الرسمي والمدني في مؤسسات التعليم العالي وفي مراكز الأبحاث ودور النشر، وفي سواها من أنماط النشاط الفكري والعلمي. ولا تقل المشكلة خطورة في لبنان، حيث ينهض المجتمع اللبناني من بين أنقاض خمس عشرة سنة من الحرب، من دون تصور واضح لهويته ومستقبله أو لبناء أسس سليمة وواضحة لمجتمع سليم وأكيد الاستقرار. وفي ظل هذا الواقع رأينا أن نأخذ المبادرة في المركز اللبناني للدراسات في بيروت ونطلق مجلة لبنانية وعربية جديدة باسم أبعاد، تأخذ على عاتقها خوض غمار هذه القضايا والأزمات بأسلوب علمي ونقدي.
وأبعاد هي الدورية الثالثة التي يطلقها المركز والتي نأمل في أن تصل إلى جمهور واسع من المثقفين والباحثين والمفكرين والطلاب وصانعي القرار في الوطن العربي. وسأحاول في الصفحات التالية، تقديم صورة عامة عن تصورنا لوظيفة ودور هكذا مجلة جديدة في الحركة الثقافية والفكرية في المجتمع العربي، وتحديد الخطوط العريضة للموضوعات والمسائل التي نسعى لمعالجتها في المجلة.
فعلى مستوى الأهداف تسعى أبعاد، ككل مجلة علمية وأكاديمية، إلى تشجيع الأبحاث والدراسات التي تتحلى بمستوى عال من الموضوعية والدقة في التحليل والنقد. والمثقفون والباحثون العرب القاطنون في الوطن العربي والمهجر، يتزايد عددهم باضطراد ولا بد من أن يواكب هذا التزايد نمو في عدد المنشورات والدوريات التي تطلق نشاطهم الثقافي والعلمي وتوظف طاقاتهم الفكرية وتحفزهم على الإنتاج المعرفي. فمن وظائف هكذا مجلة تفعيل دور أكبر عدد ممكن من المثقفين والباحثين وتنسيق جهودهم، وتوفير منبر لنشر فكرهم ولتوفير مجال للتواصل في ما بينهم. مع الحرص على تأمين مستوى مرتفع من التجرد والدقة والجودة في البحث. ومن هذا المنطلق تؤدي المجلة الناجحة دور المنسق والمشجع لعمل الباحثين والمفكرين المنتشرين في جميع أنحاء العالم العربي. والمهم في الأمر أيضاً انه على البحث العلمي والموضوعي أن يحفظ موقعاً ثابتاً له في وجه الانتشار السريع والواسع لوسائل الإعلام، وخصوصاً المرئية والمسموعة منها، التي تتسلل إلى كل بيت وتتطرق إلى أي موضوع ولو بشكل سطحي وعابر، وفي وجه حكومات سلطوية من جهة وموجات شعبوية غوغائية ضاغطة من جهة أخرى. وهي كلها عوامل لها دور مؤثر في الحد من مجال الفكر الحر وإحباط أو إرهاب المفكرين والمثقفين. علماً أن مجلة أبعاد ليست المجلة الأولى أو الوحيدة في نوعها التي تأخذ على عاتقها هذا الدور، فلا بد من تنسيق جهود الدوريات والمنشورات العلمية والموضوعية والحرة في وجه مجموعة واسعة من الضغوطات التي تهدد بطمس الفكر العربي الخلاق وقطع الطريق أمام التقدم الحضاري الواعي.
كما أنه مهم أيضاً تكثيف التواصل بين المثقفين والمفكرين من جهة وبين قطاعات المجتمع المدني والطلاب والمواطنين وصانعي القرار من جهة ثانية. وكما ان المثقفين بحاجة إلى الاتصال في ما بينهم لتطوير فكرهم ومراكمة معرفتهم فإن قطاعات أخرى من المجتمع بحاجة إلى الإطلاع على إنتاج المثقفين، الذين يستفيدون بدورهم من التفاعل مع غيرهم من المجموعات للإطلاع على مدى قبول أفكارهم ومدى انطباقها على الواقع الاجتماعي والحضاري لبيئتهم. وتتعزز أهمية المجلة كمنبر، بفتح دفتيها أمام الأجيال الصاعدة من المثقفين والباحثين الذين يخطون خطواتهم الأولى في مجال الإنتاج الفكري. فترغب أبعاد بالأخص في تنشيط دور هذا الجيل وإدخاله إلى مجال الفكر والنشر الحر والمسؤول من الباب الواسع.
فالمجلات توجد في إطار مجتمع دائم التحرك والتفاعل. ولكل مجلة ناجحة دور تؤديه في المجتمع وحتى في النظام السياسي. وبالنسبة إلى المجتمع فإن مهمتها توعية الرأي العام حول قضايا مصيرية، وتوضيح وتحديد أسباب أهم الأزمات الذي يمر فيها المجتمع، وعرض الخيارات المتاحة أمامه في سبيل تجاوزها. من هذا المنطلق، تقوم المجلة بتقوية المجتمع المدني وتوفير المعلومات والتصورات التي تمكّنه من القيام بدور أوعى وأفعل في المجتمع وفي صنع القرار السياسي العام. فالمعرفة هي من أول شروط العمل الفعال، وتطوير المعرفة من خلال البحث والنشر يمكن المجموعات العاملة على الأرض من تقوية دورها. وأهمية البحث والنشر في النهاية لا تتوقف عند حدود المجتمع المدني بل إنهما يقدمان المعلومات والتحاليل والتصورات المفيدة إلى الحكومات المهتمة وإلى المسؤولين في جميع إدارات الدولة الذين يواجهون مسؤولية فهم المشكلة وصوغ الحل في كل يوم. فبعض أزمة الحكم في العالم العربي ناتج من التباعد والغياب التام للتفاهم بين الحاكمين والمحكومين. فالنخبة الحاكمة ومساعدوها الإداريون لديهم نقص خطير في فهم المجتمع ومشكلاته، بينما المجتمع ونخبه المفكرة قلّما يقدّر المصاعب والتحديات التي تواجه الحكومات في معظم الدول العربية. من أهداف المجلة الناجحة، إذاً، إتباع أسلوب أكثر شمولية والتوجه ليس إلى المثقفين وأعضاء المجتمع المدني فحسب بل إلى هؤلاء الذين على عاتقهم تقع مسؤولية الحكم والقرار أيضاً. من هذا المنطلق، لا يقتصر دور المجلة على تحليل الأزمات والمشكلات والتعليق عليها، بل يفترض بها إقتراح مشاريع حلول عملية لها واقتراح تعديلات أو مبادرات جديدة في السياسة الحكومية.
واستكمالاً للفكرة المطروحة أعلاه، فمن مسؤولية المجلات العلمية أيضاً تطوير وتوفير إجابات وحلول عملية علمية ومتكاملة للأزمات المطروحة قيد البحث. فالمجلة ليست معرضاً للآراء والمواقف أو منبراً للمخاطبة فقط بل مشروعاً بحثياً يحث على العمل الميداني الدقيق ومقابلة النتائج بعضها بالبعض الآخر ودراسة الحلول ميدانياً أيضاً للوصول إلى اقتراحات متكاملة ليس على المستوى النظري فقط بل على المستوى العملي والتجريبـي كذلك. فالتطور الحضاري يبنى ليس على مجرد تبادل الآراء ولكن على أساس تراكم مجموعة من الأفكار والطروحات المجربة ميدانياً. لذا، من مسؤوليات المجلات الناجحة ومراكز الأبحاث غربلة قضايا المجتمع وتحديد الموضوعات المحورية والأساسية لتسليط الأضواء عليها وتنسيق الجهود البحثية والفكرية حولها.
من هذا المنظار يفترض أن تتخذ المجلة المبادرة في تحديد مواقع الأزمة وتنسيق الجهود للوصول إلى فهم أعمق لها ومحاولة طرح الأسئلة الصحيحة حولها كي يفتح المجال أمام تقديم أجوبة صحيحة. ولا شك في أن هذا النوع من العمل دقيق وشاق ويتطلب الكثير من الوقت والجهد.
كما أن للمنشورات الأكاديمية مهمة في توثيق المعلومات وتنظيمها بشكل عقلاني ودقيق ومتواصل. فمن تحديات الحداثة هو تطوير وعي حي للواقع الملموس والابتعاد من المقاربات النظرية البحتة وتجميع المعلومات والدلالات الكمية عن الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي وتنظيم هذه المعلومات بشكل تكون فيه مفيدة للباحثين والمجتمع.
وفي هذا المجال المهم هناك نقص خطير في لبنان والوطن العربي عموماً، فالمعلومات الأساسية حول الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي العربي في تفاصيله الميدانية الواقعية غير متوافرة. وهذا ما يجعل من البحث العلمي والتخطيط المستقبلي من دونها مهمتين شاقتين إذا لم نقل مستحيلتين. وهذا ما يفترض بالمجلات أن تعمل على تغطية هذا النقص، لذا فقد خصصت أبعاد نصف صفحاتها تقريباً لهذا الغرض التوثيقي المعلوماتي.
حاولت في الفقرات السابقة أن أقدم بعض الأفكار حول مفهومنا في المركز لدور مجلة أبعاد وما يشبهها من مجلات ثقافية علمية في العالم العربي. يبقى ان نعرض بعض نواحي توجه المجلة العام من حيث المضمون.
لكل مشروع فكري منطلق معين، ومن الأجدى أن نحاول في أول الطريق، توضيح هذا المنطلق لقرائنا وللذين قد يساهمون في هذه المجلة. هذا مع العلم ان التصور الذي سأقدمه قد يأتي ناقصاً أو قد يعبر عن تصور شخصي لبعض الموضوعات العربية المفصلية التي يجب التطرق إليها في المجلة. ولكني آمل أن أعطي فكرة عن نوعية وطبيعة الموضوعات التي نود التطرق إليها، وأن أطلق النقاش حولها وهي موضوعات تبدو ملحة في العالم العربي وبحاجة إلى بحث ودراسة.
فالمجلة تشمل أبعاداً عدة في دائرة اهتماماتها، وأبرزها البعد السياسي والبعد الاقتصادي والبعد الاجتماعي والبعد الثقافي، على مستوى الدائرتين اللبنانية والعربية. وتجدر الإشارة إلى أن تحديد لبنان والوطن العربي دائرتي اهتمام المركز، على الرغم من أن إحداهما تحتوي الأخرى، لا يقصد به التشديد على أي فوارق جذرية بين الدائرتين، ولكن هذا التحديد يعكس فقط موقع المركز اللبناني للدراسات في بيروت واهتمامه الطبيعي بمحيطه المباشر لبنان وبمحيطه الأوسع ألا وهو الوطن العربي. ومعظم الموضوعات التي ستعالج في المجلة لا يمكن أن تؤخذ بظواهرها الجغرافية الضيقة، حيث نجد أن لمعظم القضايا الرئيسية في أي ناحية من نواحي العالم العربي طبيعة أو جذوراً عربية أو ربما شرق أوسطية أو عالمية.
فعلى مستوى البعد السياسي، رأى ارسطو ان السياسة هي أم كل الفنون والعلوم. ومن هذا المنطلق القائل بمركزية السياسة في حياة أي مجتمع فاننا نضع الموضوعات السياسية والإنماء السياسي في صلب اهتماماتنا. ونعني بالإنماء السياسي التقدم نحو تعزيز المجتمع المدني، وإشراك المواطنين في العملية السياسية وصنع القرار، والاعتماد أكثر على الانتخابات لتعيين الحكام واستشارة الرأي العام في وضع السياسات، والحرص على حماية حقوق الإنسان الطبيعية والمدنية.
وأبرز هذه الاهتمامات هو تطوير الديمقراطية في الوطن العربي. لذا يفترض بالدراسات والمقالات في هذا المجال أن تتناول موضوعات مثل وضع مؤسسات المجتمع المدني في العالم العربي، ومستويات الوعي السياسي الشعبي وطبيعة الثقافة السياسية، وطرائق المشاركة في السياسة في العالم العربي - الرسمي منها من خلال الانتخابات وغير الرسمي من خلال الوساطات والضغوطات والتظاهرات والحملات الاجتماعية وغيرها. ومن المؤسسات الأخرى التي يجدر الاهتمام بها ويضيق المجال هنا للبحث في مشكلاتها وتحدياتها هي النقابات العمالية والروابط المهنية والأحزاب السياسية والجمعيات الناشطة كتلك التي تدافع عن مصالح المرأة أو البيئة أو تنادي بحقوق الإنسان.
وفي البعد السياسي كذلك يجب البحث في مدى الترابط بين الدين والسياسة. فهل الموجة الدينية الحاضرة هي مؤشر إلى خلل جذري في العقد الجماعي العربي أم انها ظاهرة منتظرة وطبيعية لتعبير أجزاء واسعة من الشعب العربي عن استيائه من الأوضاع السياسية والاقتصادية السائدة وعدم ارتياحه لنواح عدة من الحداثة والحضارة الغربية التي تفرض على مجتمعنا؟ وهل أن هذه الحماسة الدينية هي ظاهرة عابرة لماضوية رومنطيقية أم انها عنصر ثابت من عناصر الحياة السياسية العربية؟ وهل تستطيع المجتمعات العربية بلوغ المستويات المطلوبة من التطور والاستقرار من دون الاعتماد الأساسي على الإسلام في المجتمع والسياسة؟ وهل المشكلة عند قطاعات كبيرة من المجتمع الإسلامي هي أنها لا تتلاءم مع الحداثة أم أنها بحاجة إلى ثورة عقائدية تحولية من الداخل، أم ان الدين بشكل عام - سواء أكان الإسلام أم كان غير الإسلام - لا يتماشى مع الأسس العلمانية، إن لم نقل الإلحادية، للعلوم الحديثة والحياة المعاصرة؟ لا يستطيع العالم السياسي أن يضع هذه الموضوعات جانباً، فعلى هذا المستوى يختلط الموضوع السياسي بالفلسفة وعلم النفس والسوسيولوجيا وغيرها من فروع العلوم الاجتماعية والإنسانية، فالعالم العربي اليوم في صلب معركة مصيرية لتحديد دور الدين ومفاهيم الدين ورجال الدين في السياسة، وعلى المفكرين العرب أن يتعاملوا مع هذا الصراع بجرأة وعقلانية.
ومن المهم أيضاً دراسة مؤسسات الدولة نفسها. فما ينقصنا في العالم العربي كذلك دراسات عن القطاع القضائي مثلاً، وعن الجهاز التشريعي وطرائق عمله، وعن طريقة صنع القرار وتنفيذه ضمن مؤسسات الدولة عموماً. كما لا يمكن إغفال دراسة الإدارات العامة، فالأجهزة البيروقراطية كثيراً ما تقرر مصير المجتمعات، وخصوصاً في القطاع الحكومي الأكثر اتصالاً بالمواطن يومياً. وفي نهاية المطاف الدولة التي تستجيب لحاجات شعبها الحياتية تكون وحدها الدولة التي تدوم وتستقر، وفي عصرنا الحديث النجاح هذا يعتمد على فعالية الإدارة العامة ومرونتها. ونحن نعاني نقصاً كبيراً في البحوث المتعلقة بأساليب الإدارة العامة في الوطن العربي، وإذا كان الحكم علماً فقد حان الوقت ان تبدأ الدراسة الجدية عن عمليات الحكم الإدارية اليومية.
ولا مفر من أن يشمل كل مشروع دراسي للسياسة في العالم العربي، وللأسف، النواحي المظلمة لتجارب الحكم في منطقتنا هذه، تلك النواحي التي تستعمل فيها القوة والإرغام لا الإقناع. ان الدولة الضعيفة تعتمد أولاً وأخيراً على شعب غافل وخمول لاستمرارها، وهي تساهم أحياناً في جعله على هذه الحال. فالشعب الذي لا يعي مصالحه أو لا يجرؤ على التفوه بما يُعمل به لا يمتلك الجرأة لجمع شمله والتحرك الفعال ضد التجاوزات هذه. من هذا المنطلق، فالمثقفون العرب والمؤسسات التي يتجمعون فيها يتحملون مسؤولية تاريخية حضارية قومية لمقاومة هذه الأعمال ولو كان القلم سلاحهم الوحيد. يقال "الحكم هيبة" ولكن الهيبة هذه يجب أن تستمد من العدل والقانون وإرادة الشعب وليس من استعمال القوة القاهرة. ويجب ألا يقتصر هذا الاهتمام بتجاوزات الحكم على الأعمال العنفية الواضحة، بل يجب أن يشمل الأعمال الأكثر انتشاراً وضرراً بالمصلحة العامة ولو أنها الأقل بروزاً، ألا وهي جميع أنماط الفساد السياسي والإداري والمالي التي تشل العمل الحكومي وتحطم إمكانات المجتمع العربي.
من أزمة المؤسسات الرسمية ننتقل إلى ذلك الميدان من النقاش السياسي الذي يجد معظم الباحثين العرب أنفسهم فيه، وهو ميدان السياسة الدولية.
لا ريب في ان الإطار الدولي للسياسة العربية مهم جداً. فالنظام في معظم الدول العربية رُسمت خطوطه من جراء احتلالات أو تدخلات أجنبية، والمخاطر الكبرى المحدقة بالعالم العربي، مثل إسرائيل وبعض الدول العظمى ذات الأهداف النيوامبريالية، لها طابع دولي واضح. وأهمية السياسة الدولية هذه لا تقل شأناً في يومنا هذا، وخصوصاً بعد اندثار الاتحاد السوفياتي، وإضعاف عدد من الدول العربية المواجهة، وتمكّن إسرائيل تقريباً من فرض السلام الذي تريده، وتوسع النفوذ الأميركي وتمركزه العسكري المباشر في الخليج، وضرب العراق، والجهود الحثيثة لإنشاء نظام شرق أوسطي جديد تكون الولايات المتحدة وإسرائيل النافذتين فيه.
حقاً إن العالم العربي، بسبب موقعه الجغرافي بين القارات الثلاث، وبسبب مركزيته بالنسبة إلى الأديان السماوية الكبرى، وبسبب احتياطياته النفطية الهائلة، سيظل موضوع اهتمام القوى العظمى في العالم وعرضة لتدخلاتها. لذا على المثقفين العرب متابعة مراقبتهم وتحليلهم للقوى العالمية هذه وتياراتها وتقلباتها. فعلينا أن نصل إلى فهم أعمق لسبل التعامل مع النظام العالمي الجديد وسبل مواجهة التحدي الإسرائيلي الجديد الذي ينتقل من مرحلة المواجهات العسكرية بين الدول إلى مرحلة مواجهات أخرى سياسية واقتصادية وحضارية ربما تكون أكثر خطورة. وفي مجال السياسة الدولية أيضاً، يجب أن يركز المفكرون العرب ويكثفوا جهودهم في سبيل تطوير أطر عملية للتعاون والتنسيق العربي وانفتاح المجتمعات والدول العربية بعضها على البعض الآخر، وذلك لمصلحة كل دولة وكل شعب.
ولأزمة المجتمع العربي وتحدياته البعد الاقتصادي أيضاً. وهذا ما يدخلنا إلى المجال الثاني من اهتمامات مجلة أبعاد، وهو مجال الإنماء الاقتصادي. فتطمح المجلة إلى تشجيع البحث الهادف إلى فهم الأوضاع الاقتصادية العربية وتقديم تصورات بناءة للسياسة الاقتصادية في أكثر من قطاع.
وعلى خلاف ارسطو، عبّر كارل ماركس عن روحية العصر، عندما أكد ان الاقتصاد هو أم العلوم، لأن الواقع الاقتصادي يحدد بدوره الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية. ونظراً إلى العلاقة القريبة بين التقدم الاقتصادي من جهة وبين التقدم الاجتماعي والسياسي والثقافي من جهة أخرى، يمكن القول ان ماركس لم يخطئ في قوله، ولكن الاقتصاديين العرب ما زالوا بعيدين من الهدف المرجو، وأمامهم عوائق كثيرة، فلا المعلومات الإحصائية الأولية متوافرة لهم، ولا الدعم المؤسسي الكافي موجود، ويجدون أنفسهم منعزلين في دول عربية منقطعة أوصالها بالدول الأخرى ويعوّلون على نظريات ومقاربات نمّاها اقتصاديو الغرب والعديد منها لا ينطبق على الأوضاع العربية.
ولكن النمو الاقتصادي السريع والمتكافئ والثابت هو ضرورة عربية ملحة، وإلا زادت الهوة بيننا وبين الدول المهيمنة في العالم وتفاقمت أزماتنا السياسية والاجتماعية والثقافية. وفي هذا المجال، لا يمكن الرهان على نموذج دول الخليج الصغيرة والمنتجة للنفط. فعدا ان هذه الدويلات تكاد لا تُعد أي عدة لمستقبل من دون نفط، فإن النموذج الريعي الذي قدمته حتى الآن والتزايد السريع في الدخل الوطني من دون مجهود كبير وتضحيات وطنية وقرارات صعبة قد أثر سلباً في دول عربية أخرى لا تنعم بالموارد نفسها وبالعدد السكاني الصغير. ولم تكن أفضل حالاً النماذج التي قامت على ملكية الدولة لوسائل الإنتاج. وأكثر الدلالات على ذلك التجربة المصرية وغيرها من التجارب العربية أو بعض التجارب على الصعيد العالمي، كتجربة الاتحاد السوفياتي سابقاً والصين حاضراً اللتين دلّتا على ان هذا النموذج شبه الاشتراكي، حيث الدولة السلطوية القوية والقطاع العام العملاق والاقتصاد الموجه لها بعض المحاسن في المراحل الأولى من التنمية ولكنها توصل الاقتصاد بعد فترة إلى هضبة إنمائية لا يمكن تخطيها نحو الإنماء الكامل المنشود. وهنالك وعي في الوطن العربي ان لا بد من تخطي التجارب الاشتراكية السابقة، ولكن إذا استثنينا بعض الكتابات الغامضة من قبل الدينيين حول ما يسمونه الاقتصاد الإسلامي والمصارف الإسلامية والنظام المالي الإسلامي…الخ، لا نرى محاولات وتصورات جريئة حول السياسة الاقتصادية المستقبلية. فلا محاولات جادة لصهر الأسواق العربية وتنشيط دور القطاع الخاص، وتصويب ميزانيات القطاع العام عبر تخصيص بعض الصناعات والمؤسسات المؤممة وإطلاق الاقتصاد العربي بحزم إلى ساحة المنافسة العالمية. فما زالت الطروحات الاقتصادية في أزماتنا مختلطة بالموضوعات السياسية ونربط بين دور السوق والقطاع الخاص من جهة وبين الإمبريالية العالمية، لا بل الصهيونية، من جهة أخرى. ولكن "نمور" شرق آسيا، من اليابان الى هونغ كونغ وتايوان وماليزيا وسنغافورة وتايلاند وإندونيسيا، قد أثبتت ان سياسة تنشيط الصناعة والتجارة والغوص في الأسواق العالمية ربما توفر المخرج الوحيد من مخاطر التهميش ومآسي التخلف. وقد أثبتت النمور الآسيوية هذه أيضاً ان النمو الاقتصادي لا يصار إليه بالعشوائية بل على أساس الدراسات المسؤولة والتخطيط الوطني والاستثمار البعيد النظر وبالتعاون بين الحكومات والقطاع الخاص والباحثين الاقتصاديين. ان أيام الاقتصاد الحر بالمطلق قد ولّت، ولكن التعويل اليوم لا يزال على آلية السوق مدعمة بالدولة الواعية لمسؤولياتها الاجتماعية والثابتة في وضع السياسة الاقتصادية المناسبة لطاقات وفرص اقتصادها والمستقرة في بعض القطاعات المفصلية على الأمد الطويل، مثل الثقافة والتدريب المهني والمواصلات والطرقات.
وبما ان اقتصاد السوق لن ينجح من دون المشاركة الوطنية الشاملة فيه، فالسياسة الاقتصادية يجب أن تتمتع بتأييد شعبي واسع لكي تعي القوى العاملة والمنتجة في البلاد وظيفتها في المرحلة، ولتتحمل كل فئة مسؤوليتها في الورشة الوطنية مع ما يضم ذلك من صعوبات وتضحيات.
ومن هذا المنظار فما نحتاج إليه هو عشرات من الدراسات: ما هي مثلاً السياسة الصناعية في البلدان العربية؟ وهل يوجد سياسة صناعية أم ان الحكومات العربية مهتمة أكثر بقمع المعارضات والديمومة في السلطة؟ وما هي الامتيازات النسبية في حقل الصناعة وهل نبحث عنها ونستغلّها؟ هل تستثمر الدول في التعليم المهني والتقني؟ وهل نواكب التطور التكنولوجي في جامعاتنا ومؤسسات الدراسة؟ هل طوّرنا أنماطاً عملية في التعاون والتنسيق العربي الصناعي للإفادة من الموارد العربية المختلفة ؟ حقاً، هل لدينا تصور لمستقبل عربي صناعي أم اننا نرى مجتمعنا كمجتمع مستهلك في الأمد الطويل، معتمد على مساعدات البترودولار والدولار الغربي؟
وماذا عن قطاع الزراعة؟ فباستثناء بعض الدول الصحراوية في الجزيرة العربية وشمال أفريقيا كان وادي النيل وسهل ما بين النهرين والهلال الخصيب عامة من أنتج المناطق الزراعية في التاريخ. فلماذا انحدرت الزراعة العربية إلى شفير الانهيار؟ لماذا أصبحت هذه الدول مستوردة للمواد الغذائية؟ هل يواكب البحث الزراعي تطورات العصر التكنولوجية؟ هل يواكب البحث في السياسات الزراعية التغيرات في قطاع الزراعة وأنواع التقصير المتعددة في السياسة الزراعية؟ هل تتحرك الحكومات لتوفير التوجيه والتسليف للمزارعين وهل تتحرك لتأمين الأسواق الإقليمية والعالمية لمنتوجاتهم؟ وهل طور الاقتصاديون تصوراً لاقتصاد عربي مستقبلي يكون فيه للزراعة حيّز حيوي أم انهم يعولون على النفط وغيره من الموارد لتأمين المستقبل العربي معتبرين ان الزراعة هي نمط قديم من الإنتاج لا يستأهل الاهتمام وقدره الاضمحلال؟ وفي قطاع الزراعة خاصة، حيث نقل البضائع عبر مسافات كبيرة يمثل عقبة أمام التجارة، فان التعاون والانفتاح العربي لتأمين سوق عربية لإنتاج مزارعينا هو حاجة ملحة، وانعزال كل سوق عربية وراء حدودها قد أثر سلباً في قدرة كل مزارع عربي على تطوير قطاعه.
وفي قطاع الخدمات لا تقل الأزمة خطورة، وخصوصاً أن هذا القطاع ينظر إليه في عدد من بلدان العالم كأساس لتأمين النمو في مرحلة ما بعد الصناعة في القرن الحادي والعشرين. ففي بعض المجالات، مثل مجال المصارف، حدث بعض التقدم والنمو في البلدان العربية، ولكن معظم النمو اقتصر على البلدان النفطية حيث تختص بتوظيف فوائض البترودولار في الأسواق المالية الغربية. والقطاع المصرفي في لبنان، الذي كان من أنشط القطاعات، لا يزال يحاول استنهاض نشاطه بعد سنوات الحرب المدمرة. وفي مصر وسوريا والعراق وغيرها من البلدان العربية أجهضت محاولات التوظيف في القطاع المصرفي الأولية. ان المصارف عصب الإنماء الاقتصادي في القطاع الخاص ويجب بذل مجهود كبير لتنشيط المصارف العربية ورفع النير البيروقراطي الثقيل عنها. أما المصارف العربية نفسها، فعليها أن تحدِّث عملياتها وتقنياتها للّحاق بالعصر، والتوسع إقليمياً، وتنشيط عمليات الدّين في القطاعات المحلية المنتجة بدلاً من توظيف ودائعها في المصارف والأسواق الأجنبية. وقطاع السياحة كذلك، الذي يؤمن في عدد كبير من الدول الصناعية والنامية نسبة كبيرة من الدخل القومي، فهو في العالم العربي واقع بين مطرقة الدول المغلقة وسندان بعض الموجات الاجتماعية السياسية التي تنظر إلى زيارات السياح الأجانب كما لو انها حملات صليبية يجب مقاومتها بأي ثمن. ولا شك في أن مردود هذا القطاع في العالم العربي إذا ما تعاونت الدول العربية واستثمرت فيه، يكون مهماً.
ان مجالات البحث في الموضوع الاقتصادي أكثر من ان تعد أو ان تحصى. فهناك حاجة إلى عشرات الدراسات في السياسات العربية في التجارة العالمية وفي سياسات الاستثمار، وفي النماذج الآسيوية الناجحة ومدى أهميتها بالنسبة إلى العالم العربي، وفي سبل تسريع عملية استيراد الخبرات والتكنولوجيا، وفي سياسات الدول العربية النفطية وفي المساعدات الأجنبية للبلدان العربية الفقيرة، وفي سياسات الاعتماد على القروض الخارجية…وفي النظام الاقتصادي العالمي الجديد، بعد جولة أورغواي والاتفاق العام للتعرفات والتجارة، حيث عدد صغير من الشركات المتعددة الجنسيات يتحكم بالتسويق والتجارة العالمية. وتزداد الحاجة أيضاً إلى دراسات حول سبل استثمار مدخول النفط العربي للإنماء الطويل الأمد وليس فقط للترف والاستهلاك السريع. ويجب دراسة تأثير السياسات الإنمائية المختلفة في الطبقات العاملة وفي مدخول الطبقتين الوسطى والدنيا بشكل عام، فعلى الرغم من ان كل إنماء اقتصادي يتطلب بعض التقشف والتضحيات فيجب ان توزع الأعباء بشكل عادل ومنصف، وخصوصاً تخفيف العبء على الطبقات التي ليس بإمكانها تحمل هذه الأعباء.
أخيراً وربما هذا من أهم الموضوعات، يجب الوعي والتصدي لمحاولة إسرائيل اقتحام الأسواق العربية. فهل نفشل في الاعداد لتحديات "السلم" المفروض كما فشلنا في خوض الحروب؟ وهل تدفع الشعوب العربية ثمن السلم كما دفعت ثمن الحرب؟ أم أن العرب سيعتبرون الخطر الإسرائيلي تحدياً يحفزهم للانطلاق بموجة جديدة من النمو والتحديث.
ويجب الالتفات أيضاً إلى هذه المجموعة الواسعة من المسائل والتحديات ببعدها الاجتماعي. وفي هذا المجال، تكبر أهمية البحث الميداني وتجميع المعلومات وتبويبها وتحليلها، فالأبعاد السياسية والاقتصادية يتطرق إليها معظم الايديولوجيات الشائعة في العالم العربي، أما البعد الاجتماعي فقلما ينال الحيّز نفسه من الاهتمام.
ما نحتاج إليه في المنزلة الأولى هو دراسات عن التحولات الديمغرافية الأساسية في العالم العربي، فالبلدان العربية، وخصوصاً الكبيرة والفقيرة منها، مثل مصر، ترزح تحت أعلى نسب التكاثر السكاني من دون أن يواكب ذلك نمو اقتصادي موازٍ. فما هي التطورات السكانية التي سنواجهها في القرن الحادي والعشرين؟ وهل ستتمكن أنظمتنا السياسية والاقتصادية من استيعاب واحتواء هذا التضخم السكاني؟ هل سنركز جهوداً جدية في مجال تنظيم الأسرة أو اننا سنرضى بالخيار المفروض على هذا الموضوع من قبل بعض الماضويين، وبالتالي نورث الأجيال المقبلة كارثة اجتماعية؟
وعلى مستوى مشابه من الأهمية هناك موضوع البيئة التي تتضرر وتتأذى في كل الأقطار العربية، إذ إننا نتعامل مع البيئة بعبثية في الوقت الذي نرى ان الحركة البيئية العربية لا تزال ضعيفة. لذا لا بد من أن يشرع الباحثون في تمهيد الطريق من خلال دراسات تبين خطورة المشاكل البيئية وأساليب معالجتها.
ومن المشكلات الاجتماعية المهمة أيضاً، مشكلة المهجرين في البلدان العربية، من لبنانيين إلى سودانيين وفلسطينيين وصوماليين ويمنيين وأكراد، فضلاً عن الهجرة إلى خارج الوطن العربي، وتحديداً هجرة الأدمغة. وهناك مشاكل المرأة العربية ودورها في الأسرة والمجتمع والعمل ومشاكل الطفل العربي الذي يولد في مجتمع حيث المؤسسات الصحية والتعليمية هزيلة وحيث فرص العيش والعمل في المستقبل ضعيفة وحيث العائلة نفسها تتعرض لأنماط مختلفة من الضغط المادي والمعيشي. كل هذه المسائل وغيرها تستحوذ اهتمام المفكر والباحث العربي الذي تكمن وظيفته ليس في التنظير والنشر فقط ولكن في البحث الميداني الدقيق ومحاولة إيجاد الحلول العملية والناجحة.
البعد الآخر ضمن اهتمامات المجلة هو البعد الثقافي والحضاري. فالثقافة وفق المنظار الماركسي هي بنية ثنائية ترتكز على البنية المادية من علاقات اقتصادية واجتماعية. أما وفق منظار هيغل أو منظار غرامشي وغيرهما فالعقل يسبق الواقع، والثقافة تكوّن المجتمع، وكل تقدم اقتصادي واجتماعي يجب أن يسبقه تقدم في الثقافة والفكر. ولا شك في أن الثقافة عنصر أساسي في الإنماء، إما كعقبة يجب تخطيها أو كمصدر قوة ودينامية يجب الاستناد إليها. ربما يوجد اهتمام مستفيض بين المثقفين العرب بموضوع الثقافة العربية. فمئات الكتب كتبت عن الأصالة، والهوية، والتاريخ، والانبعاث، والنهضة…الخ، ولكن معظم هذه الكتابات كان اما تحكمه الشمولية إلى حد انخساف الدقة أو التفصيل، أو أنها غير نقدية بما فيه الكفاية حيث لا تجرؤ على وضع الإصبع على الجرح والمناداة بالتغيرات الجذرية في ثقافتنا وحضارتنا.
ومن القضايا الثقافية، هناك القضايا الانطولوجية الوجودية، مثل وجودية الله وتفسير إرادته؛ وقضايا ابستيمولوجية كتحديد أدوار العقل والإيمان، وقضايا ميتافيزيقية كطبيعة الكون وطبيعة القوى التي تحركه. فعلى هذه المستويات الثلاثة لا يزال معظم العرب ومثقفيهم في حال عدم القرار والجزم. كما تتعدد الآراء حول دور الماضي في تحديد حاضرنا. فمع العلم ان عدداً من المفكرين العرب طرح تساؤلات تاريخية مهمة فمعظم كتّابنا ينم عن غرق وولع في قضايا التاريخ ومعناها من دون القدرة على التعامل مع الحاضر والمستقبل انطلاقاً من الواقع الحاضر والمستقبلي بل انطلاقاً من الماضي. اننا لسنا ندعو إلى عدم استخلاص الدلالات من الماضي ولكن إذا استمرينا بترتيب حاضرنا ومستقبلنا على أساس ماضينا فنحن نعرض مجتمعنا لخطر إعادة إنتاج ذلك الماضي، مع كل أزماته وإشكالياته. وإذا كانت إعادة إنتاج الماضي هي هدف البعض، فماذا نعني بالتقدم إذاً وأي مستقبل نريد؟ وماذا نأخذ ونتعلم من فلسفة الغرب وفلسفة العرب سابقاً وفلسفة الإغريق؟ كيف نعرب فلسفة البرغماتية والايجابوية وما موقفنا من الانسانوية والنظرة الآلية العلمية المادية للكون؟ فلكل هذه الفلسفات آثار في الحياة الفردية والفكرية والاجتماعية والسياسية، وهي ليست موضوعات أكاديمية فقط لا صلة لها بالحياة. فلا حياة مستقيمة من دون فكر مستقيم، ولا فكر مستقيم من دون تبديد هذه التناقضات وبناء نظرة متطورة ومتكاملة للإنسان والكون والحقيقة والأخلاق تصلح كأساس لبناء مجتمع جديد ومستقبل واعد.
هناك قضايا أخرى لا تقل أهمية، مثل مسألة انتشار أنماط وقيم من الحضارة الغربية. فهل تعدد المؤثرات الحضارية سبب لنمو الأفكار وتقدم الثقافة أم انه شكل من أشكال "التلوث الثقافي"؟ هل ندع الأشكال الدنيا من الثقافة الغربية تتدفق إلى مجتمعاتنا من خلال وسائل الإعلام بينما نبقى بمنأى عن الأشكال الراقية والقيمة من تلك الثقافة فنبقيها خارج مجتمعاتنا وخارج مدارسنا وجامعاتنا.
وما لا يقل أهمية هو حال قطاعنا التعليمي. فما هي كمية ونوعية مدارسنا وماذا تُعلّم أولادنا؟ ما هي المفاهيم والمهارات التي تنقل إليهم والتي ستمكنهم من النجاح في القرن الحادي والعشرين؟ وما هي حال التعليم العالي في العالم العربي؟ هل هي مراكز نشر الحقائق وتطوير العلم والفكر أم انها ملاجئ لمثقفين محبطين وضالين أو شبه معتقلات لمثقفين تخشاهم حكوماتهم وتستسهل جمعهم ومراقبتهم. وكم هو عدد مراكز الترجمة في العالم العربي وما هو دورها في نقل علوم وتجارب الآخرين إلينا.
في الفقرات الآنفة حاولت تقديم تصور عام القضايا التي نقصد التطرق إليها في مجلة أبعاد. ولكن دون شك أن من عشرات القضايا هذه، ربما نستطيع تناول نسبة صغيرة فقط.
أما الاتفاق على القضايا المفصلية والاتفاق على أسبابها وحلولها فذلك هو تحدي البحث والنقاش العلمي. ومهم أيضاً أن نعي طول المسيرة واتجاهها حتى ولو كنا نخطو خطوات صغيرة فقط من ضمنها. حقاً ان تحدي الإنماء السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي تحدٍ هائل وليس في وسع أي مركز أبحاث أو أي مجلة أو أي مجموعة من المثقفين أن يحققوا سوى أهداف متواضعة جداً من ضمن الهدف الأكبر. ولكن لا بد من المحاولة.
أخيراً، إن نوعية وأنماط المقالات والدراسات التي نهتم في نشرها هي المقالات التي تتطرق إلى موضوعات ذكرناها أعلاه، وغيرها، شرط أن تتسم بالموضوعية وبالدقة العلمية والأكاديمية وبصياغة واضحة، وتعتمد على آخر المراجع في الموضوع المدروس، وتهتم بأثر المسألة المدروسة في حياة مجتمعنا اليوم وتبحث عن، أو تقترح أساليب لمعالجتها، إذ لا نحبذ المقالات ذات الطابع الصحافي الوصفي أو الآني العابر، بل نشجع الدراسات العميقة التي تبحث عن الأسباب الأصيلة والدقيقة والتي تنظر في مؤثرات المسألة على الأمد الطويل وتهدف إلى تطوير الحلول أو العلاجات لها. إضافة إلى ذلك فالدراسات التي تعتمد على العمل الميداني والدراسات في مختلف مجالات العلوم الاجتماعية لها الأفضلية على المقالات الخطابية أو الايديولوجية. كما ان الدراسات التي تعتمد على المقارنة بين حالات عربية وحالات غير عربية، سواء أكانت من الغرب أو من الشرق، لها تشجيع خاص. ومن ناحية الأسلوب، فيجدر بالكتاب أن يستعملوا الأسلوب الواضح المباشر لإيصال ما يريدونه إلى جمهور واسع من القراء منهم المتخصص ومنهم القارئ العادي.
من الناحية المنهجية تحتوي المجلة على أبواب عدة، منها باب "المحور" الذي يضم مجموعة من المقالات المتمحورة حول موضوع ما قد تم اختياره مسبقاً؛ وباب ثانٍ يحتوي على دراسات معمقة في موضوعات مستقلة عن موضوع المحور. ويتبع ذلك باب مراجعات الكتب، ثم باب الوثائق اللبنانية والعربية المهمة، ثم باب "ببليوغرافيا" الذي يقدم لوائح عن أهم الكتب والمقالات الصادرة عن موضوعات لبنانية وعربية. ثم تقدم المجلة باب "يوميات" الذي يعرض أبرز الوقائع والأحداث الجارية في لبنان والعالم العربي، ثم هناك باب يحتوي مختارات من الرسومات الكاريكاتورية السياسية الواردة في الصحافة العربية.
أما العدد الأول من المجلة فيعالج في محوره موضوع استقلال لبنان. فبمناسبة مرور خمسين عاماً على إعلانه، وهي المناسبة التي استقبلها معظم اللبنانيين بكثير من الفتور والعديد من التساؤلات، وبينما ينهض الوطن من محنة دامت خمس عشرة سنة وتمكنت الدولة من إرساء شيء من الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي المتواضع، فلا يوجد نسبة عالية من الاستقلال للاحتفال بها. ففي الجنوب تستمر إسرائيل باحتلال شريط واسع من الأراضي اللبنانية وتختلط الآراء حول إمكان انسحاب القوات الإسرائيلية هذه ضمن عملية السلام التي بدأت في مدريد عام 1991 واكتسبت زخماً مع الاتفاق الإسرائيلي - الفلسطيني الذي وقع عام 1993. أما في الداخل فيتعالى بعض الأصوات قلقاً على استقلال القرار اللبناني. فمناسبة مرور خمسين عاماً على الاستقلال لا ريب انها مناسبة لمراجعة خمسة عقود من الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية كانت فيها النجاحات الباهرة والكوارث الخطيرة.
فأردنا في هذا العدد أن نستكتب عدداً من المراقبين والمحللين في الشأن اللبناني حول انطباعاتهم من نواحٍ مختلفة من التجربة اللبنانية عبر السنوات الخمسين الفائتة.
كما يحتوي هذا العدد ثلاث دراسات إحداها حول القضية الفلسطينية بعد غزة - أريحا، وأخرى حول ميزان القوى الاستراتيجي بين العرب وإسرائيل، وثالثة حول منظمة الوحدة الأفريقية. فضلاً عن ذلك يضم العدد مراجعات لكتابين مهمين، أحدهما عن العالم العربي والآخر عن إسرائيل.
وآمل أن تجد، زميلي القارئ، مقالات المحور وغيرها من الدراسات ومراجعات الكتب والوثائق الواردة في هذا العدد مثيرة وذات دلالات جديدة، ومهمة في الموضوع اللبناني والموضوع العربي العام وأن يكون هذا العدد من المجلة خطوة متواضعة ولكن ثابتة في المسيرة الطويلة لدراسة ومعالجة الأبعاد الخطيرة لأزماتنا الكثيرة
.


حول المركز

محاور
					
					
					
					 الابحاث

الأنشطة

المنشورات

الدراسات

مصادر

مقالات
					
					
					
					 الموقع