English Version خريطة الموقعسجل عنوانكالجديد

المنشورات الدوريةالأبعاد
 
أبعـــــــاد
العدد الثاني: تشرين الثاني/ نوفمبر 1994

جورج قرم: السياسة الاعمارية للجمهورية الثانية (ص 18 - 29)
كثر الكلام في السنوات الثلاث الأخيرة على المشاريع الإعمارية في لبنان، وخصوصاً مشروع إعادة الوسط التجاري لمدينة بيروت، وقلّ الكلام نسبياً على السياسة الإعمارية المتّبعة في البلاد. والحقيقة أن ضخامة المشاريع المطروحة وأساليبها القانونية والمالية هي التي أثارت اللغط والجدل، الأمر الذي أدّى إلى فقدان الرؤية حول السياسة الإعمارية العامة، سواء بالنسبة إلى الرؤية الإنمائية والخيارات الأساسية في إعادة الإعمار أم بالنسبة إلى مقومات ودعائم وسبل تحقيق إعادة الإعمار وتأمين التنمية. ويعود فقدان الرؤية هذا إلى عوامل عديدة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
عدم اهتمام الحكومات المتتالية، منذ إنشاء الجمهورية الثانية، بطرح رؤية إنمائية شاملة للبنان ترتكز على مفهوم إنمائي واضح، كما كان قد حصل في عهد الشهابية بعد اضطرابات عام 1958.
شدة الموجة العالمية (الموضة) نحو تقليص دور الدولة في الحياة الإقتصادية والقيام بعمليات "الخصخصة" وإنشاء أساليب قانونية - مالية جديدة لجلب المدخرات في أسواق المال المحلية والدولية. وقد بدا واضحاً أن صانعي القرار الاقتصادي في لبنان متأثرون إلى أبعد الحدود بهذا التيار الدولي المسمى الليبرالية الجديدة.
وجود وفرة من الأموال والمدخرات الخاصة الخليجية واللبنانية، وهي أموال تبحث عن فرص الربح والاستثمار، وخصوصاً في مجال العقارات والسياحة، وهي أموال تكونت بصورة عملاقة على مر سنين معدودة خلال فترة الطفرة النفطية في بلدان الخليج العربي.
شحة موارد الدول وتردّي أوضاع القطاع العام من جراء ويلات سني الحرب الطويلة وسيطرة الميليشيات والقوى السياسية الميدانية على معظم مقومات الدولة.
طي مشروع الصندوق الدولي لإعادة إعمار لبنان الذي وضع خلال فترة اختمار اتفاق الطائف. وعُدَّ حينئذ جزءاً أساسياً في عملية إنهاء القتال وتأسيس الوفاق الوطني، وقد ذهب هذا المشروع أدراج رياح حرب الخليج المأساوية، في حين ظهر استعداد المدخرات الخاصة الخليجية للدخول في عمليات الإعمار اللبنانية بدلاً من الأموال المؤسسية العربية والدولية.

أولاً: الأجواء الدولية المتحكمة برسم السياسات الإعمارية اللبنانية
تجدر الإشارة هنا إلى أن السياسات والأساليب الإنمائية، في أي بلد كان، لا تجري في الفراغ، بل هي تستلهم، علناً أو ضمناً، من الأجواء الدولية والإقليمية الاقتصادية والمالية السائدة والمهيمنة. وهذا صحيح بخاصة في الدول الصغيرة الحجم التي تتأثر أكثر من سواها من الدول الكبيرة الحجم بالتيارات والمفاهيم السائدة في الساحة الدولية.
أنا لا أذكر ذلك للتخفيف من هفوات السياسات الإعمارية اللبنانية التي سآتي على ذكرها في ما بعد، بل سعياً لفهم الآلية المؤدية إلى اتخاذ الخيارات والأساليب الإعمارية المتبعة في الجمهورية الثانية، التي سأسعى لتوضيحها وتقويمها بروحية موضوعية بعيدة من أي تشنج سياسي أو عقائدي. ونحن في الحقيقة نرى اليوم أساليب إنمائية مشابهة مطبقة في أنحاء عدّة من العالم بتأييد حماسي من قبل الدول الرئيسية في تسيير النظام الاقتصادي والمالي العالمي وكبريات مؤسسات التمويل الدولية.
ولنذكر هنا أن السياسات الإنمائية في لبنان في عهد فؤاد شهاب قد جرى وضع مقوماتها وأساليبها وآلياتها في جو اقتصادي ومالي دولي مختلف تماماً عن الأجواء التي نعيشها اليوم. فالعقائد التنموية التي سادت حينذاك كانت تدعو إلى تقوية أجهزة الدولة وتدخلها في الآليات الاقتصادية وإلى توسع القطاع العام في تقديم الخدمات الأساسية إلى المواطنين في مجال التربية والنقل والمواصلات وتوفير الطاقة في شتى أشكالها وتقديم الحماية الاجتماعية إلى المواطنين كافة، إضافة إلى فرض سياسات ضريبية تهدف إلى تحقيق إعادة توزيع الدخل في ما بينهم. وكانت الدول الليبرالية، وخصوصاً الأوروبية منها، تعمل على هذه المبادئ. وكذلك كانت أجهزة التمويل الدولية تقدم القروض والتسهيلات المختلفة إلى دول العالم الثالث ضمن هذا المنطق، وتشجّع الحكومات على إنشاء مؤسسات جديدة لتنمية القطاع العام. وقد امتازت السياسات الإنمائية الشهابية بتوجهها نحو مساندة الفئات الشعبية المهمشة في الدورة الاقتصادية وتقوية أجهزة الدولة والقطاع العام وتوسعها لكي تؤمن الخدمات العامة ومقومات النمو الاقتصادي والمالي العام في البلاد. وللإنصاف لا بد من الإشارة إلى أن الأسلوب الإنمائي للشهابية لم يكن وليد الأجواء الإنمائية الدولية فقط، إنما كان نابعاً من رؤية سياسية واضحة المعالم في سبل معالجة الآفات المزمنة للكيان اللبناني. فقد رأى رئيس الجمهورية في ذلك الحين أن الدخول في أسلوب إنمائي، يهدف إلى إدخال كل الفئات الاجتماعية وكل المناطق اللبنانية في دورة النمو الاقتصادي، هو الوحيد الكفيل بالقضاء على أشكال التذمر الطائفي المتنوعة التي تهدد استقرار الكيان والنظام، وخصوصاً في فترات التوتر الإقليمي وصراع الدول الكبرى على منطقة الشرق الأوسط. فالولاء للنظام والكيان هو - كما في أي بلد آخر - رهن بتأمين العيش الكريم لجميع الفئات والمناطق اللبنانية. ويمكن أن يقال في الحقيقة إن الدعائم الاقتصادية والمالية التي أرستها الشهابية في البلاد أمّنت نمواً اقتصادياً بارزاً للبنان، وإن بقي الكثير من تفاوت الدخل بين المناطق، الأمر الذي ساهم في إيجاد الأرض الممهدة للأحداث الأليمة التي ألمت بالبلاد منذ عام 1975.
أما اليوم، فإن الجو الاقتصادي الدولي المهيمن هو جو معكوس تماماً بالنسبة إلى الفترة 1950 - 1980. فأفكار الليبرالية الجديدة هي التي عمّت الساحة الاقتصادية والمالية في كل أنحاء العالم، والأسلوب التنموي الناتج من هذه الأفكار يقتضي تقليص دور الدولة في الآليات الاقتصادية وبيع منشآت القطاع العام إلى القطاع الخاص، وكذلك الحدّ، بل التراجع في تقديم الحماية الاجتماعية وقيام الدولة بإعطاء الحوافز الضريبية إلى المستثمرين في القطاع الخاص وإلى أصحاب التوظيفات في الأسواق المالية المحلية. وهذا الأسلوب التنموي الجديد أصبح معمولاً به في كل أقطار العالم بالحماسة نفسها التي طبق بها الأسلوب التنموي القديم، وبتجاهل تام لمعطيات الاقتصادات المختلفة والبنى الاجتماعية الخاصة بكل بلد. وهذا هو الجو الذي نشأت فيه الجمهورية الثانية في لبنان وتأثرت به في وضع أسلوبها وتصوراتها التنموية المعلنة أو الضمنية. وقد يكون من المفيد هنا عرض الخيارات التنموية الأساسية التي تم الإجماع عليها من قبل السلطات الدستورية في البلاد. كما لا بد هنا من الإشارة إلى أن الحكومات المتتالية والمجلسين النيابيين قد عملت صفاً واحداً من أجل تكريس التصور التنموي العام وما يرافقه من أساليب مالية وقانونية جديدة في الأنظمة، وفي البنية المؤسسية اللبنانية، وذلك منذ أواخر عام 1990. وعلى الرغم من بروز معارضة سياسية وتقنية للتصور التنموي وأساليبه، فإن تعاضد السلطتين التشريعية والتنفيذية في الحفاظ على جوهر التصور دون تعديله لهو أمر ثابت يدل بوضوح على قناعة هاتين السلطتين بجدوى هذا التصور وفائدته لتأمين مستقبل البلاد.

ثانياً: سمات السياسة الإعمارية
إن أهم مميزات هذا التصور يمكن تلخيصها في الأمور التالية:
1 - إن هذا التصور هو تصور إعماري وليس تصوراً إنمائياً، بل يمكن القول إن التصور الإعماري هو الذي رسم وفرض ملامح الأساليب الإنمائية، وليس العكس كما يستحسن أن تكون الأمور.
2 -
لقد حصر التصور الإعماري بالبنية المادية المدمرة واستبعدت منه الحاجات الاجتماعية والإنسانية والتربوية، على الرغم مما أصاب اللبنانيين على مدى خمسة عشر عاماً من ويلات متتالية، وتهميش لكل من بقي في البلاد عن التطورات العلمية والإنسانية والتقنية الإقليمية والدولية، ومن انقلاب في الأوضاع المعيشية لفئات واسعة من اللبنانيين.
3 -
ضمن هذا التصور أعطيت الأولوية المطلقة لإعمار الوسط التجاري والتاريخي لمدينة بيروت بأساليب اقتصادية ومالية وقانونية جديدة أثارت كثيراً من التحفظ من نواح متعددة ومن فئات مختلفة غير أصحاب الحقوق، دون أن يؤثر ذلك في السلطات الدستورية. وكان واضحاً أن هذه الأولوية ناتجة من رغبة صانعي القرار في الجمهورية الثانية في إعادة مدينة بيروت إلى سابق عهدها، كأكبر مركز تجاري ومالي في الشرق الأوسط، وذلك على الرغم من كل التطورات العملاقة التي حصلت في المنطقة، من ناحية تقدم الأقطار العربية تقدماً هائلاً في تطوير البنى التحتية وشبكات النقل والمواصلات، وإنشاء الجامعات الحديثة والمستشفيات والمرافق العامة السياحية.
4 -
أتت بعد ذلك الخطة الإعمارية العامة (خطة السنوات العشر) لتؤكد مركزية دور الوسط التجاري لمدينة بيروت في التصور التنموي، نظراً إلى ثقل الإنفاق على إنشاء الأوتسترادات حول بيروت وانطلاقاً منها نحو المناطق المجاورة، وتوسيع المطار ومد شبكات اتصالات هاتفية ضخمة. وقد بدا واضحاً أن رهان صانعي القرار هو حصول السلام في المنطقة في الأمد القريب وفتح الحدود وتحقيق الليبرالية الجديدة في التبادلات بين أقطار المنطقة، الأمر الذي يتطلب بالتالي الإسراع في تهيئة مدينة بيروت لتنافس عواصم المنطقة في استجلاب الرساميل والشركات والحركة التجارية والمالية الإقليمية. وقد كثر الكلام على إنشاء سوق مالية إقليمية في بيروت.
5 -
كثر الكلام أيضاً على ضرورة القيام بتخصيص المرافق العامة الرئيسية في البلاد لتقليص دور الدولة والقطاع العام في البنية الاقتصادية، كما بدأت السلطات العمل بأسلوب الـ(بي.أو.تي) في مجال الهاتف الخليوي، مع أنه لم يتم وضع خطة واضحة ومعلنة في شأن برنامج تدريجي لإجراء عمليات نقل الملكية من القطاع العام إلى القطاع الخاص ولا نعلم إذا تم وضع أي دراسة تبحث في الطرائق والأساليب التي ستطبق بالنسبة إلى العمليات هذه.
6 -
دير من دفع الضرائب لمدة عشر سنين، وذلك في إطار سياسة تشجيع الاستثمار من جهة، ولتشجيع اللبنانيين على دفع ضريبة الدخل بمستوى متدن جداً، أي 10 في المئة، من جهة أخرى.
هذه السمات الست التي تميز السياسة الإعمارية في البلاد وترسم لنا مقوماتها وخياراتها الرئيسية المعلنة والضمنية، هي في الحقيقة نتاج الأجواء الاقتصادية الدولية التي ذكرتها سابقاً، وهي بالتالي مطابقة لعقيدة الليبرالية الجديدة ونماذجها وآلياتها. أما الخلفية السياسية لهذه السياسة فهي مطابقة كذلك للأجواء الإقليمية والعربية المتميزة بالأمل في السلام القريب وتعميم سياسات الإنفتاح الاقتصادي بين أقطار المنطقة والأمل في جذب استثمارات وتوظيفات عربية ودولية ضخمة، بعدما بقيت المنطقة العربية منطقة هامشية في حركة تدفق الأموال الدولية، بسبب استفحال الصراع العربي - الإسرائيلي وانغلاق بعض الاقتصادات العربية في أنظمة "إشتراكية" والتضييق بشكل عام على المبادرات الفردية، سواء بسبب هيمنة بيروقراطيات القطاع العام على الحياة الاقتصادية وعدم ملاءمة القوانين لمتطلبات القطاع الخاص أم بسبب عدم الاستقرار السياسي. هذا التطابق بين مقومات السياسة الإعمارية اللبنانية والأجواء الرسمية الاقتصادية والسياسية الدولية هو الذي أدّى إلى الارتياح الكبير والتأييد اللذين تحظى بهما مثل هذه السياسة في الدوائر الرسمية الدولية، وكذلك في قطاع المال الدولي والعربي. وهذا التأييد يزيد السلطات الدستورية ثقة بخططها الإعمارية وأساليبها التنفيذية القانونية والمالية، على الرغم من التحفظات المتعددة التي يبديها بعض اللبنانيين، وخصوصاً تلك النابعة من اعتبارات فنية أو رشدانية لا علاقة لها بأي نوع من أنواع الصراع على السلطة.

ثالثاً: محاور التحفظات في شأن المعادلة الإعمارية
سأسعى هنا لتخليص تلك التحفظات بترتيبها في ثلاثة محاور رئيسية، الأول يتعلق بالرهان على عودة السلام إلى المنطقة سريعاً وعلى إمكان استعادة لبنان الدور التجاري الذي احتله في السابق؛ والثاني يتعلق بالرهان على أن النمو الاقتصادي الذي سيحققه لبنان من جراء النجاح في الرهان الأول سيقضي على التبرّم الاجتماعي وحالات التهميش الاقتصادي؛ أما الثالث فهو يتعلق بالنتائج المالية الإيجابية التي سيحققها الاقتصاد اللبناني من جراء النجاح في الرهانين الأول والثاني، الأمر الذي سيسمح بتأمين جميع الحاجات التمويلية دون تفاقم الدين العام الداخلي والخارجي ودون الوقوع في أزمة مالية شرسة تعرّض المكاسب المنتظرة للسياسة الإعمارية.
1 -
الرهان على السلام القريب واستعادة لبنان دوره كوسيط تجاري ومالي إقليمي
لن أطيل الحديث في موضوع السلام في الشرق الأوسط، وخصوصاً في حل الصراع العربي - الإسرائيلي الذي يمس لبنان في صميم كيانه ووحدته. فبعد أكثر من ثلاث سنوات من الدخول في مسار مدريد التفاوضي بين العرب وإسرائيل، وبعد ستة أشهر من توقيع اتفاقات أوسلو، يبدو جلياً أن الأمور ليست بالبساطة التي تروج لها الصحافة العالمية، وأن دولة إسرائيل لم تدخل بعد في جو سلام حقيقي، إذ لا تزال تمارس أشد الأساليب القمعية في الأراضي المحتلة وفي جنوب لبنان. وعلى أي حال، فالسؤال الطبيعي الذي يتبادر إلى الذهن هو مدى صحة أي سياسة تعتمد على خيار واحد ولا تأخذ في الحسبان إمكان حصول تطورات معاكسة للتصور الرئيسي والمحوري. فالرهان على الحصول الحتمي للتصور المفضّل ليس رهاناً موزوناً يطمئن العقل إليه. ويتبادر هنا إلى الذهن تساؤلات عدّة حول ما ستؤول إليه السياسة الإعمارية الحالية في حال استمرار المنطقة في وضع غير مستقر يتميز بحالة السلام البارد أو حالة الحرب على نار خفيفة وبأنواع أخرى من الحالات التي لا تزال تعيشها الساحة اللبنانية. إن تركيز الجهد الإعماري بكثافة على إعادة بيروت إلى سابق عهدها كسوق إقليمية رئيسية تجارياً ومصرفياً ومالياً، وكذلك توجيه الاستثمارات العامة والخاصة في هذا الخيار الأحادي الجانب، لهي سياسة إعمارية وإنمائية لا تخلو من المخاطر ويستحسن تعديلها تدريجاً، ليس بسبب هشاشة الوضع الإقليمي فحسب بل لاعتبارات أخرى أيضاً لا تقل أهمية، وهي تتعلق بالتطورات الاقتصادية العملاقة التي حصلت في منطقة الشرق الأوسط.
إن خيار إعادة بيروت إلى ما كانت عليه من عاصمة إقليمية تجارية ومصرفية وإعلامية وسياحية لأمر يدغدغ عواطف وحنين كل لبناني تجاه الوضع القائم منذ الاستقلال وحتى عام 1975. وهذا ربما يفسر التأييد العفوي الذي تحظى به السياسة الإعمارية بشكلها الإعلامي المثير. لكن الأمور هنا ليست بهذه البساطة، فالأقطار العربية المجاورة خرجت جميعها من تخلفها في بناء البنى التحتية الأساسية في النقل والمواصلات والمناطق الحرة الصناعية والتجارية، وقد أصبح لها أساطيل بحرية وبرية وجوية ولها شبكات هاتفية متطورة وأنشأت أو طوّرت البورصات المحلية، ولها اتصالات عالمية واسعة، فضلاً عن الجامعات والمستشفيات الحديثة والمرافق السياحية المهمة. فالحقيقة أنه يصعب فهم هذا المحور في السياسة الإعمارية اللبنانية، إن من جهة أولويته بالنسبة إلى خيارات أخرى متوافرة، كما سنأتي على ذكره في ما بعد، أم من جهة واقعية الخيار وقابليته إلى تلبية الحاجات الرئيسية للإقتصاد اللبناني، وخصوصاً في مجال العمالة وتوافر فرص التوظيف.
ويظهر جلياً في السياسة الإعمارية تركُّز الجهد الإستثماري في بناء قاعدة خدماتية ضخمة محصورة الفوائد في التجارة والمال والعمليات العقارية ذات الطابع السياحي والسكني لذوي الدخل العالي والشركات العالمية. ويبدو أن صانعي القرار رأوا دون دراسة جادة أن هذا الخيار سيؤمن فرص التوظيف الكافية للعاطلين من العمل حالياً ولعشرات الآلاف ممن يتخرجون سنوياً من المدارس أو الجامعات. وقد يكون ذلك صحيحاً، غير أنه لم تتوافر أي دراسة بالأرقام حول قدرة السياسة الإعمارية وخياراتها التنموية في استيعاب طلبات الاستخدام في السنين المقبلة، وخصوصاً في غياب أي سياسة صناعية تساهم في زيادة الإنتاجية العامة للإقتصاد اللبناني. وتجدر الإشارة هنا إلى مساهمة القطاع الصناعي في فترة ما قبل الحرب في النمو العام وفي خلق فرص الاستخدام وفي تصدير أكثر من مليار دولار عام 1974 من المنتوجات الصناعية اللبنانية.
إن قطاع الخدمات لا بد من أن يرتكز على اقتصاد متين يتميز بقدرة تقنية في التكيف السريع بتغيير الأنماط الإستهلاكية العالمية، وهذه هي الحال في بلدان مثل سويسرا وهولندا، حيث يوجد قطاع صناعي عالي الفعالية والإنتاجية لتفعيل قطاع الخدمات، وخصوصاً في مجال التجارة والمال، فضلاً عن تنوع وتعدد المراكز المدينية والتجمعات السكنية وعدم تركز التسهيلات الخدماتية والسكنية في العاصمة. ويخشى في الخيارات الإعمارية المعتمدة كما وصفتها أعلاه أن تنقصها فعلياً القدرة التنافسية الحقيقية الطويلة الأمد تجاه المراكز الخدماتية الأخرى في المنطقة، وذلك في حال حصول السلام الشامل وتحقيق انفتاح اقتصادي واسع بين جميع أقطار المنطقة.
2 - القضاء على التبرم الاجتماعي وحالات التهميش الاقتصادي
الرهان الثاني الضمني في المعادلة الإعمارية يفترض أن يولّد الخيار الرئيسي في الإعمار معدلات نمو عالية جداً، بحيث ترتفع حال الرخاء العامة وتقضي على حال التبرم الاجتماعي العام في البلاد. هذا مع الإشارة إلى أن معدل النمو السنوي المنتظر في الخطة العشرية يدور في حدود 7 في المئة فقط. والغريب في أمر السياسة الإعمارية أنها لم تقم بدراسة الحاجات الاجتماعية بدقة وتفصيل على الرغم مما أصاب جميع الفئات اللبنانية من ويلات متتالية خلال سنين الحرب. ولا بد هنا من التنويه بالأعمال الميدانية التي كانت بعثة إرفد قد قامت بها بين عامي 1959 و1962 لحساب وزارة التصميم العام لتحديد مواقع الخلل الاجتماعي والتربوي والصحي في كل قضاء من أقضية لبنان. وهذا المسح الميداني الضخم هو الذي تمّ الاستناد إليه لتحديد الخيارات الرئيسية في السياسة الإنمائية والخطة الرباعية الأولى في عهد الرئيس شهاب. أما السياسات الإعمارية الحالية فقد استلهمت وجهاتها من الأجواء الدولية ونموذج الليبرالية الجديدة دون أن تسعى لتكييف هذه التوجهات مع وضع بلد عانى على مر 17 عاماً حروباً شعواء متتالية مع ما تركته هذه الحروب من مشاكل إجتماعية ضخمة.
وقد أشرنا في ما سبق إلى قضية العمالة وفرص الاستخدام، وهي قضية مستعصية في غياب سياسة واضحة المعالم في شأن إعادة تأهيل اليد العاملة وإنشاء برامج مكثفة للتعليم التقني والمهني. فاليد العاملة والأطر الفنية اللبنانية ظلت على مر السنوات العشرين الماضية منقطعة عن العالم الخارجي وعن التطورات التقنية العملاقة الحاصلة في جميع الميادين الإنتاجية والخدماتية. وإذا كان بعض الشركات الخاصة تمكن من الإنفتاح على الخارج ومتابعة التقدم التقني الحاصل في بعض الميادين، فإن أغلبية المنشآت الاقتصادية في البلاد عانت التقوقع والتراجع ودُمّر بعض أجهزتها الإنتاجية دون التمكن من تبديله وتجديده. ويشهد الاقتصاد اللبناني ظواهر شاذة عديدة في سوق العمالة، إذ إن وجود البطالة المحلية يتعايش مع مزيد من استعمال اليد العاملة غير اللبنانية الرخيصة، على الرغم من تدني مستويات الرواتب مقابلة بما كانت عليه عام 1975. إن تجاهل السياسة الإعمارية هذه المشاكل الرئيسية ناتج من تجاهلها ضرورة إعادة تأهيل البنية الصناعية في البلاد، كما ذكرنا سابقاً، على الرغم من إلحاح الصناعيين وتقديمهم اقتراحات عديدة بناءة إلى السلطات المذكورة.
ولن ندخل هنا في سرد المعضلات الاجتماعية الحالية، مثل غلاء المعيشة وأزمة السكن وزيادة التكاليف في معظم القطاعات، وكذلك قضية التعليم والصحة بالنسبة إلى الفئات المحدودة الدخل، فهي جميعها معضلات قد تتفاقم مستقبلاً في غياب تصور إنمائي شامل يأخذ في الحسبان الحاجات الفعلية للبنانيين قبل الأخذ في الأجواء الدولية والإقليمية المؤدية إلى الخيار الأحادي الجانب في السياسة الإعمارية. وفي هذا المضمار لا بد أيضاً من التنويه بغياب أي جهد يذكر في مجال إعادة تأهيل البلديات في البلاد وإعادة تدريب كادراتها وموظفيها لكي تتمكن من تلبية الحاجات الأساسية للسكان. إن مصدر الرقي في معظم البلدان يستند إلى كفاءة الأجهزة البلدية والمناطقية في تقديم الخدمات العامة الأساسية وتنظيم حياة المدن والبلدات تنظيماً فعالاً.
إضافة إلى ذلك تجدر الإشارة إلى ضرورة الحدّ من تخمة الإدارات العامة المركزية عن طريق برامج خاصة توفّر للموظفين إمكان ترك الوظيفة بعد تلقي تدريب عصري يؤهلهم للعمل في القطاع الخاص أو لإنشاء مؤسسة إنتاجية صغيرة الحجم كما هو معمول به في كثير من الدول.
يبدو أن هذه الضرورات لم تؤخذ في الحسبان بعد في رسم السياسات الإعمارية. ويستحسن أن تركز الجهود عليها مستقبلاً لئلا تزيد القلاقل الاجتماعية مع ما يستتبع ذلك من احتمال تحول التوتر الاجتماعي إلى توتر طائفي، وفق نموذج يتكرر حصوله بشكل مؤسف ومأساوي في التاريخ اللبناني الحديث. وفي حال عدم حصول "السلام" الشامل والسريع في المنطقة، يجب أن يكون الهم الاجتماعي من الخيارات الأساسية في السياسة الإعمارية من أجل تأمين اللحمة بين اللبنانيين لمواجهة الأخطار السياسية التي لا تزال تحيط بنا.
3 - تأمين التوازن المالي في السياسة الإعمارية
المعادلة الإعمارية المعمول بها حالياً تفترض أن يجري تأمين جميع نفقات الخطة العشرية عن طريق القروض وفائض الميزانية العامة إبتداءً من السنة الرابعة من الخطة. وقد فاجأت الخطة معظم الخبراء الماليين في البلاد الذين لا يرون أي دراسة مقنعة حول إمكان حصول فائض في ميزانية الدولة ابتداء من عام 1995 يزيد بشكل كبير في السنين التالية ليبلغ 9 في المئة من الناتج الوطني قبل نهاية القرن. ولن أطيل الحديث حول الأوجه المالية في السياسات الإعمارية، إذ إن هذا الموضوع سيعالج في دراسات وتعقيبات أخرى في هذا المحور. لكن يمكن القول إن اللغط الكبير يدور حول السياسة المالية المرافقة لسياسة الإعمار التي تقتضي تجهيز أموال ضخمة للحد من المديونية المفرطة والميول التضخمية. ويمكن تلخيص مقومات السياسة المالية بالمعطيات البارزة الآتية:
خفض ضريبة الدخل والضرائب المباشرة بحدة.
زيادة الضرائب غير المباشرة بحدة أيضاً.
الحفاظ على مستويات عالية جداً للفوائد على سندات الخزينة بالليرة اللبنانية، الأمر الذي يزيد من أعباء الخزينة بشكل غير صحيح، ويحدّ من حركة التسليف لمصلحة القطاع الخاص.
إصدار أسهم شركة سوليدير بالدولار الأميركي على الرغم من كون كل موجوداتها من العقارات في وسط العاصمة، الأمر الذي لا يعرض المستثمر لتقلبات أسعار القطع إلا موقتاً.
مشروع إصدار سندات خزينة بالدولار بأسعار فائدة عالية نسبياً.
وتبدو لي هذه المعادلة المالية شبه مستحيلة لتأمين مسار إعماري دون عقبات نقدية ومالية، ولا يمكن تفسير هذه المعادلة إلا إذا عدنا إلى التصور الأساسي وراء الخيارات الإعمارية، أي حصول "سلام" سريع وعودة معظم الرساميل اللبنانية الهاربة خلال الحرب وقدوم رساميل عربية ودولية ضخمة للإستثمار في لبنان، الأمر الذي يؤدي إلى حصول فورة إقتصادية مستمرة تزيد من موارد الدولة وتسمح لها بتسديد ديونها بانتظام ودون أي عرقلة. فالمعادلة الإعمارية المالية هي، كما المعادلة الإعمارية الاجتماعية، رهان على المعادلة السياسية في المنطقة وعلى قدرة لبنان من جراء خياراته الإعمارية على استرجاع موقع مميز في الإقتصاد الإقليمي، كما كانت الحال قبل الحرب. ويمكن هنا أن أردد بشكل معدل قول الخبير البلجيكي (فان زيلاند) الذي استقدمته الدولة في بداية عهد الاستقلال، وهو يعبر عن رأيه في الآليات الإقتصادية اللبنانية، فأقول في شأن السياسة الإعمارية الحالية: "لم أفهم كيف ستعمل إنما ليتها تعمل!". ومن الأمور اللافتة للنظر هنا أننا نعيش في لبنان في غياب الجهاز الإحصائي الذي يمكننا من إبداء آراء تستند إلى معطيات رقمية موثوق بها، وخصوصاً في ما يتعلق بالدخل الوطني وتعدد السكان وتكوين سوق العمل، إلى غير ذلك من هذه المعطيات الجوهرية في بناء أي سياسة إعمارية. لذلك يصعب مناقشة الفرضيات والخيارات إلا بناء على حقائق وأرقام، فالتقويم الذي قدمته للسياسة الإعمارية مبني على نوع من الرشدانية والواقعية والخبرة العملية. وعلى خلاف فان زيلاند الذي قال للسلطات اللبنانية حينئذ "لا تفعلوا شيئاً فالآلية ماشية"، فبودي أن يصار تدريجاً إلى إجراء تعديل في الأولويات والخيارات لاستدراك ما يمكن أن يصيب المعادلة الإعمارية من معرقلات وهفوات مستقبلاً.
وقد سعيت هنا لفهم الخيارات المعلنة والضمنية في السياسة الإعمارية وسردها، على أمل إطلاق مناقشة بناءة لمستقبل بلدنا الجريح. ولا بد هنا قبل ختام هذه الورقة من ذكر الأعمال المتواصلة لندوة الدراسات الإنمائية التي أسسها حسن صعب، فهي تراث غني يجب عدم نسيانه في تحديد السياسات الاجتماعية التي لا بد منها في أي سياسة إعمارية، كما أودّ أن أذكر بالعمل الذي قام به أحد رواد السياسة الإعمارية، وهو جبرايل منسى الذي ألّف عام 1984 كتاباً ضخماً حول خطة إعمار الاقتصاد اللبناني وإصلاح الدولة، وهو عمل ذو التوجه الليبرالي الواضح والصريح. وقد لفتت المقدمة إنتباهي، أقتطع منها بعض السطور ذات الدلالة المثيرة في ظروف اليوم، حيث يقول المؤلف: "إن نهاية الحرب (أي نهاية الحرب العالمية الثانية) تكشف لنا صعوبات متعددة على الصعيد الاقتصادي؛ فإعادة التأهيل الاقتصادية والاجتماعية التي لا مناص منها تقتضي المزيد من العلم والتقنية وكذلك تنظيماً أفضل لإدارتنا… وهناك مسألتان تقلقنا بإلحاح: الأولى هي الوسائل التي من خلالها سنؤمن تكييفنا إلى الوضع الاقتصادي الدولي الجديد والثانية هي كيف سيعيش لبنان إقتصادياً بعد الحرب وكيف سيحافظ على مستويات المعيشة. هناك عدد لا يحصى من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي لا بد من حلّها حلولاً تقنية وعلمية. إن القرار السريع والعشوائي قد ينجح في الأمور السياسية بعض الأحيان، أما في مجالنا فهو لا يؤدي إلى أي نتيجة مرضية".
إن السياسة الإعمارية الحالية ليست نتيجة قرار سريع وعشوائي بل هي نابعة من خيارات واضحة تتمسك بها السلطات الدستورية، وقد سعيت لتوضيح منطق هذه الخيارات لكي نتمكن من مناقشتها بالروح الموضوعية المجردة حفاظاً على مصلحة لبنان وجميع أبنائه


حول المركز

محاور
					
					
					
					
					 الابحاث

الأنشطة

المنشورات

الدراسات

مصادر

مقالات
					
					
					
					
					 الموقع