العدد
الثاني: تشرين الثاني/ نوفمبر 1994
جورج قرم: السياسة الاعمارية
للجمهورية الثانية (ص 18 - 29)
كثر الكلام في
السنوات الثلاث الأخيرة على المشاريع الإعمارية في لبنان،
وخصوصاً مشروع إعادة الوسط التجاري لمدينة بيروت، وقلّ الكلام
نسبياً على السياسة الإعمارية المتّبعة في البلاد. والحقيقة أن
ضخامة المشاريع المطروحة وأساليبها القانونية والمالية هي التي
أثارت اللغط والجدل، الأمر الذي أدّى إلى فقدان الرؤية حول
السياسة الإعمارية العامة، سواء بالنسبة إلى الرؤية الإنمائية
والخيارات الأساسية في إعادة الإعمار أم بالنسبة إلى مقومات
ودعائم وسبل تحقيق إعادة الإعمار وتأمين التنمية. ويعود فقدان
الرؤية هذا إلى عوامل عديدة، نذكر منها على سبيل المثال لا
الحصر:
عدم اهتمام الحكومات المتتالية، منذ إنشاء الجمهورية
الثانية، بطرح رؤية إنمائية شاملة للبنان ترتكز على مفهوم إنمائي
واضح، كما كان قد حصل في عهد الشهابية بعد اضطرابات عام
1958.
شدة الموجة العالمية (الموضة) نحو تقليص دور الدولة في
الحياة الإقتصادية والقيام بعمليات "الخصخصة" وإنشاء أساليب
قانونية - مالية جديدة لجلب المدخرات في أسواق المال المحلية
والدولية. وقد بدا واضحاً أن صانعي القرار الاقتصادي في لبنان
متأثرون إلى أبعد الحدود بهذا التيار الدولي المسمى الليبرالية
الجديدة.
وجود وفرة من الأموال والمدخرات الخاصة الخليجية
واللبنانية، وهي أموال تبحث عن فرص الربح والاستثمار، وخصوصاً في
مجال العقارات والسياحة، وهي أموال تكونت بصورة عملاقة على مر
سنين معدودة خلال فترة الطفرة النفطية في بلدان الخليج
العربي.
شحة موارد الدول وتردّي أوضاع القطاع العام من جراء
ويلات سني الحرب الطويلة وسيطرة الميليشيات والقوى السياسية
الميدانية على معظم مقومات الدولة.
طي مشروع الصندوق الدولي
لإعادة إعمار لبنان الذي وضع خلال فترة اختمار اتفاق الطائف.
وعُدَّ حينئذ جزءاً أساسياً في عملية إنهاء القتال وتأسيس الوفاق
الوطني، وقد ذهب هذا المشروع أدراج رياح حرب الخليج المأساوية،
في حين ظهر استعداد المدخرات الخاصة الخليجية للدخول في عمليات
الإعمار اللبنانية بدلاً من الأموال المؤسسية العربية والدولية.
أولاً: الأجواء الدولية المتحكمة
برسم السياسات الإعمارية اللبنانية
تجدر الإشارة هنا
إلى أن السياسات والأساليب الإنمائية، في أي بلد كان، لا تجري في
الفراغ، بل هي تستلهم، علناً أو ضمناً، من الأجواء الدولية
والإقليمية الاقتصادية والمالية السائدة والمهيمنة. وهذا صحيح
بخاصة في الدول الصغيرة الحجم التي تتأثر أكثر من سواها من الدول
الكبيرة الحجم بالتيارات والمفاهيم السائدة في الساحة
الدولية.
أنا لا أذكر ذلك للتخفيف من هفوات السياسات
الإعمارية اللبنانية التي سآتي على ذكرها في ما بعد، بل سعياً
لفهم الآلية المؤدية إلى اتخاذ الخيارات والأساليب الإعمارية
المتبعة في الجمهورية الثانية، التي سأسعى لتوضيحها وتقويمها
بروحية موضوعية بعيدة من أي تشنج سياسي أو عقائدي. ونحن في
الحقيقة نرى اليوم أساليب إنمائية مشابهة مطبقة في أنحاء عدّة من
العالم بتأييد حماسي من قبل الدول الرئيسية في تسيير النظام
الاقتصادي والمالي العالمي وكبريات مؤسسات التمويل
الدولية.
ولنذكر هنا أن السياسات الإنمائية في لبنان في عهد
فؤاد شهاب قد جرى وضع مقوماتها وأساليبها وآلياتها في جو اقتصادي
ومالي دولي مختلف تماماً عن الأجواء التي نعيشها اليوم. فالعقائد
التنموية التي سادت حينذاك كانت تدعو إلى تقوية أجهزة الدولة
وتدخلها في الآليات الاقتصادية وإلى توسع القطاع العام في تقديم
الخدمات الأساسية إلى المواطنين في مجال التربية والنقل
والمواصلات وتوفير الطاقة في شتى أشكالها وتقديم الحماية
الاجتماعية إلى المواطنين كافة، إضافة إلى فرض سياسات ضريبية
تهدف إلى تحقيق إعادة توزيع الدخل في ما بينهم. وكانت الدول
الليبرالية، وخصوصاً الأوروبية منها، تعمل على هذه المبادئ.
وكذلك كانت أجهزة التمويل الدولية تقدم القروض والتسهيلات
المختلفة إلى دول العالم الثالث ضمن هذا المنطق، وتشجّع الحكومات
على إنشاء مؤسسات جديدة لتنمية القطاع العام. وقد امتازت
السياسات الإنمائية الشهابية بتوجهها نحو مساندة الفئات الشعبية
المهمشة في الدورة الاقتصادية وتقوية أجهزة الدولة والقطاع العام
وتوسعها لكي تؤمن الخدمات العامة ومقومات النمو الاقتصادي
والمالي العام في البلاد. وللإنصاف لا بد من الإشارة إلى أن
الأسلوب الإنمائي للشهابية لم يكن وليد الأجواء الإنمائية
الدولية فقط، إنما كان نابعاً من رؤية سياسية واضحة المعالم في
سبل معالجة الآفات المزمنة للكيان اللبناني. فقد رأى رئيس
الجمهورية في ذلك الحين أن الدخول في أسلوب إنمائي، يهدف إلى
إدخال كل الفئات الاجتماعية وكل المناطق اللبنانية في دورة النمو
الاقتصادي، هو الوحيد الكفيل بالقضاء على أشكال التذمر الطائفي
المتنوعة التي تهدد استقرار الكيان والنظام، وخصوصاً في فترات
التوتر الإقليمي وصراع الدول الكبرى على منطقة الشرق الأوسط.
فالولاء للنظام والكيان هو - كما في أي بلد آخر - رهن بتأمين
العيش الكريم لجميع الفئات والمناطق اللبنانية. ويمكن أن يقال في
الحقيقة إن الدعائم الاقتصادية والمالية التي أرستها الشهابية في
البلاد أمّنت نمواً اقتصادياً بارزاً للبنان، وإن بقي الكثير من
تفاوت الدخل بين المناطق، الأمر الذي ساهم في إيجاد الأرض
الممهدة للأحداث الأليمة التي ألمت بالبلاد منذ عام 1975.
أما
اليوم، فإن الجو الاقتصادي الدولي المهيمن هو جو معكوس تماماً
بالنسبة إلى الفترة 1950 - 1980. فأفكار الليبرالية الجديدة هي
التي عمّت الساحة الاقتصادية والمالية في كل أنحاء العالم،
والأسلوب التنموي الناتج من هذه الأفكار يقتضي تقليص دور الدولة
في الآليات الاقتصادية وبيع منشآت القطاع العام إلى القطاع
الخاص، وكذلك الحدّ، بل التراجع في تقديم الحماية الاجتماعية
وقيام الدولة بإعطاء الحوافز الضريبية إلى المستثمرين في القطاع
الخاص وإلى أصحاب التوظيفات في الأسواق المالية المحلية. وهذا
الأسلوب التنموي الجديد أصبح معمولاً به في كل أقطار العالم
بالحماسة نفسها التي طبق بها الأسلوب التنموي القديم، وبتجاهل
تام لمعطيات الاقتصادات المختلفة والبنى الاجتماعية الخاصة بكل
بلد. وهذا هو الجو الذي نشأت فيه الجمهورية الثانية في لبنان
وتأثرت به في وضع أسلوبها وتصوراتها التنموية المعلنة أو
الضمنية. وقد يكون من المفيد هنا عرض الخيارات التنموية الأساسية
التي تم الإجماع عليها من قبل السلطات الدستورية في البلاد. كما
لا بد هنا من الإشارة إلى أن الحكومات المتتالية والمجلسين
النيابيين قد عملت صفاً واحداً من أجل تكريس التصور التنموي
العام وما يرافقه من أساليب مالية وقانونية جديدة في الأنظمة،
وفي البنية المؤسسية اللبنانية، وذلك منذ أواخر عام 1990. وعلى
الرغم من بروز معارضة سياسية وتقنية للتصور التنموي وأساليبه،
فإن تعاضد السلطتين التشريعية والتنفيذية في الحفاظ على جوهر
التصور دون تعديله لهو أمر ثابت يدل بوضوح على قناعة هاتين
السلطتين بجدوى هذا التصور وفائدته لتأمين مستقبل البلاد.
ثانياً: سمات السياسة
الإعمارية
إن أهم مميزات هذا التصور يمكن تلخيصها في
الأمور التالية:
1 - إن هذا التصور هو تصور إعماري وليس
تصوراً إنمائياً، بل يمكن القول إن التصور الإعماري هو الذي رسم
وفرض ملامح الأساليب الإنمائية، وليس العكس كما يستحسن أن تكون
الأمور.
2 -