English Version خريطة الموقعسجل عنوانكالجديد

المنشورات الدوريةالأبعاد
أبعـــــــاد
العدد الثاني: تشرين الثاني/ نوفمبر 1994

كمال حمدان: سياسة الأجور والمداخيل (ص 144 - 153)
لا يستقيم الحديث عن موضوع "سياسة الأجور والمداخيل في ظل الحكومة الراهنة"، من دون إطلالة، ولو سريعة، على أبرز ما تميّزت به تلك السياسة في مراحل سابقة. فمثل هذه الإطلالة من شأنها أن تساعد على تحديد موقع السياسة الراهنة من سياسات الحكم المتعاقبة إزاء هذا الموضوع، الذي يؤثر، بصورة مباشرة، في مصالح مئات الألوف من اللبنانيين.

أولاً: لمحة عن تطور سياسة الأجور والمداخيل

في معرض هذه العودة إلى الوراء، يهمنا أن نسجّل الملاحظات والاستنتاجات الرئيسية التالية:
1 - حتى بداية ظهور التضخم في لبنان، في أوائل السبعينات، لم يكن مؤاتياً الحديث - في المعنى الدقيق للكلمة - عن سياسة للأجور في البلاد. فالأجور (الإسمية) كانت تتحدد "في السوق" إنطلاقاً من عوامل العرض والطلب. ولم يحدث آنذاك، إلا نادراً أن عمدت الدولة إلى التدخل في تحديد الأجر الإسمي أو تعديله. ولكن في المقابل جرت في تلك الفترة محاولات متفاوتة الأهمية - وخصوصاً خلال المرحلة الشهابية - لإدخال تعديلات من جانب الدولة في عملية توزيع الدخل، وذلك عبر سياسات الإنفاق الحكومي وتوسيع نطاق الخدمات العامة الأساسية، ولا سيما التعليم، وتنفيذ مشروع الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (وإن على مراحل)، إضافة إلى تنفيذ بعض التدخلات الإنمائية التي رمت مبدئياً إلى تحسين مداخيل الفئات الدنيا من الهرم الاجتماعي (مصلحة الإنعاش الاجتماعي، المشروع الأخضر، بعض مشاريع الريّ…). بيد أن حصيلة هذه التوجهات لم تتمخّض عن تغيير جذري في أنساق توزع الدخل، الأمر الذي ساهم في الواقع في تهيئة التربة أمام التفجر اللاحق للأحداث في لبنان.
2 - في المرحلة التي تلت بداية السبعينات، تعاظمت تدريجاً ظاهرة التضخم في البلاد، تحت تأثير عوامل اقتصادية واجتماعية ومالية ونقدية معقدة. ففي النصف الأول من السبعينات بلغ معدل التضخم الوسطي نحو 7 في المئة سنوياً، وارتفع إلى نحو 20 في المئة سنوياً خلال الفترة 1975 - 1984، ثم إلى نحو 110 في المئة سنوياً بين عام 1984 وعام 1992. وقد أدّى استفحال التضخم - الذي لا يتسع المجال للخوض في أسبابه هنا - إلى انعكاسات حادة وشاملة على الأجور وإلى تشويهات عميقة في بنيتها الداخلية. فكان أن تحوّل تصحيح الأجور - من جانب الدولة _ إلى "تقليد" شبه سنوي، وخصوصاً بعد عام 1977. وهذا التقليد نجم عن تعاطي الدولة العملي مع تطور الأوضاع المعيشية وعن رد فعلها العفوي تجاه هذه الأوضاع أكثر مما نجم عن وعي مسبق بضرورة سنّ قوانين وتشريعات وسياسات محدّدة المعالم والأهداف في هذا المجال. وبكلام آخر، إن تدخل الدولة في تصحيح الأجور على امتداد هذه الفترة لم يكن تعبيراً عن امتلاكها سياسة أجور محددة، بل كان بمثابة رد فعل غالباً ما كانت تتحدد حصيلته في ضوء توازنات القوى الاقتصادية - الاجتماعية (والسياسية ضمناً) بين الأطراف الثلاثة المعنية: الدولة وأصحاب العمل والاتحاد العمالي العام.
3 -
اتسمت سياسة تصحيح الأجور - من جانب الدولة - على امتداد هذه الفترة، بصفات رئيسية ثلاث: أولها أن نسب تصحيح الأجور كانت في أغلب الأحيان تقل بشكل ملحوظ عن معدلات التضخم المسجلة؛ وثانيها ان إقرار التصحيحات كان يتأخر، في أكثر الحالات، لأشهر عدة بعد بداية العام، أو هو كان في حالات أخرى يلغي أي مفعول رجعي لهذه التصحيحات؛ وثالثها أن هذه الأخيرة كانت تطبّق بنسب تنازلية على شطور الأجر، مع سقف أعلى للزيادة الإجمالية على الأجر. وبنتيجة هذه العوامل الثلاثة، انخفضت القوة الشرائية لفئات الأجور كافة على نحو مريع من جهة، وضاقت مروحة التفاوت بين فئات الأجور هذه من جهة ثانية، فبات الأجر الوسطي يميل، بوتيرة متسارعة، في اتجاه الحد الأدنى للأجور. وقد قمنا - في محاولات سابقة - بإجراء "تمرين رياضي"، انطلاقاً من أربع فئات أجر محددة لعام 1984، وعمدنا إلى تصحيحها، عاماً بعد عام، إستناداً إلى معدلات التضخم السنوية المحققة، بما يحفظ لها قوتها الشرائية، ثم أعدنا الكرّة ثانية، لكن هذه المرة استناداً إلى المراسيم الرسمية لتصحيح الأجور، وقابلنا من ثم هاتين السلسلتين الزمنيتين على امتداد الفترة 1984 - 1992، وتوصلنا آنذاك إلى نتائج بالغة الأهمية، هي أن الحد الأدنى للأجور - في ضوء الفرضيات المعتمدة - قد خسر نحو 75 في المئة من قوته الشرائية، فيما خسر الأجر الوسطي نحو 85 في المئة منها في الفترة المذكورة. وعلى الرغم من إقرارنا بأن الانخفاض الواقعي في القيمة الحقيقية للأجر هو أقل حدّة من الانخفاض النظري المحتسب أعلاه - لاعتبارات عدّة، أهمها عدم أخذنا عوامل العمر والأقدمية والإنتاجية والحالة الزواجية في الحسبان، واتجاه الأجور في القطاع الخاص نحو الدولرة الجزئية، وبروز ظاهرة تعدد المهن أو الوظائف للعامل الواحد، وحصول الأجراء على تقديمات إضافية في بعض الحالات، وخصوصاً في القطاع الخاص (نقل، استشفاء، تعليم…) - فإن ما توصلنا إليه من نتائج ينطوي على اتجاهات تؤكد حصول تراجع كبير في القوة الشرائية لفئات الأجور كافة. ولعل الاستنتاج الأهم في هذا الإطار يبرز في حصول انفصام حاد ومتزايد، بدءاً من أواسط الثمانينات، بين الأجر من جهة وبين تكاليف المعيشة من جهة ثانية.
بيد أن الأخطر من ذلك يتمثل بأن المرحلة التي تلت بداية السبعينات - والتي تلازمت عملياً مع سنوات الحرب - لم تقتصر، من جانب الدولة، على هذا النسق فقط من التعاطي المرتجل والمجتزأ مع موضوع تصحيح الأجور. فقد غابت غياباً شبه كلي، على امتداد هذه الفترة، تلك الأدبيات والسياسات التي كانت قد راجت حول إعادة توزيع الدخل، في أوائل الستينات. لا بل على العكس، فإن حصيلة الظاهرات الاقتصادية - الاجتماعية المعقدة التي استجدت خلال سنوات الحرب قد أفضت إلى تعميق الخلل في توزيع الدخل، وسط استقالة الحكم الكاملة، والبعض يضيف وسط ضلوع الحكم ومشاركته الحثيثة في ترسيخ هذا الخلل. إضافة إلى انهيار نظام الأجر، شهدت هذه السنوات انعدام بُعد "إعادة التوزيع" في سياسة الانفاق العام، وتشجيع سياسة "التضخم القسري" من جانب الدولة، وانحسار قاعدة الخدمات العامة الأساسية وتلاشي الفعالية الاقتصادية والاجتماعية للتدخلات الإنمائية التي ورد ذكرها أعلاه. وحتى تقديمات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، التي تمت زيادتها تحت ضغط الحركة العمالية - سواء كنسبة من فاتورة الطبابة والاستشفاء (الضمان الصحي) أو كنسبة من الحد الأدنى للأجور (التعويضات العائلية) - فإن قيمتها الحقيقية (بالأسعار الثابتة) قد تراجعت بنسبة كادت تصل إلى النصف خلال الفترة 1974 - 1992. وفي عام 1992، وبعد سنتين من إنتهاء الحرب، لم يكن مجموع هذه التقديمات يصل إلى نحو واحد ونصف في المئة من إجمالي الناتج المحلي المقدّر في ذلك العام.
وسط هذه التحولات الاقتصادية - الاجتماعية، كان من الطبيعي أن يتقلص وزن كتلة الأجور في إجمالي الناتج المحلي (تشير تقديرات أولية إلى أن الأجور لم تعد تمثل إلا نحو نصف ما كانت تمثله عشية الحرب من هذا الناتج) وأن يتكثف الضغط المعيشي على عالم الأجراء، وتتعمم مظاهر الإفقار النسبي والمطلق، وتنحسر القاعدة الاجتماعية للطبقة الوسطى، وهي الأحداث التي مهدت عملياً أمام تأليف الحكومة الراهنة على أنقاض الحكومة الكرامية. فكيف تعاطت الحكومة الراهنة مع ما اصطلحنا على تسميته "سياسة الأجور والمداخيل"؟

ثانياً: سياسة الأجور في ظل الحكومة الراهنة

إن محاولة عرض وتقويم السياسة التي انتهجتها الحكومة الحريرية في هذا المجال، تتحدد بالعوامل والاعتبارات الأساسية التالية:
1 - لقد ورثت هذه الحكومة عن سابقاتها ملفاً ثقيلاً من المشاكل والأزمات، بما في ذلك فاتورة حرب الأعوام الستة عشر. وفي مواجهة هذه الأوضاع ركّزت الحكومة خطواتها في اتجاهات أربعة: أولها تحديث واستكمال الدراسات وملفات المشاريع الإعمارية؛ وثانيها تهيئة الإطار التشريعي والمؤسساتي للسياسة الحكومية؛ وثالثها العمل على تأمين مصادر التمويل الخارجية أساساً؛ ورابعها الشروع في تلزيم عدد من المشاريع الإعمارية المحورية. وقد رأت الحكومة، في توجهاتها هذه، أن الأولوية يجب أن تعطى لإعادة تأهيل مرافق الخدمات العامة والبنى التحتية: فعملية إعادة التأهيل هذه تُعد شرطاً أساسياً من شروط تحفيز الإنتاج، وهذا بدوره يمثل شرطاً ضرورياً لتحقيق انفراجات في الوضع المعيشي وتحسين مستويات الدخل والأجور. وعلى الرغم مما يتمتع به هذا التسلسل المنطقي من قوة وتماسك، فإن استدراكين أساسيين يبقيان مطروحين في صدده: أولهما، أن هذا المنطق قد يخفي فهماً ضمنياً مفاده أن تحسين الأجور وتوزع الدخل هو نتاج تلقائي لعملية النمو وزيادة الإنتاج؛ وثانيهما، أن هذا المنطق ربما لم يدرك كفاية مقدار الإنهيار الحاصل على الصعيد الاجتماعي، وخصوصاً بالنسبة إلى الأجراء وذوي الدخل المحدود. وفي ظل ضيق الخيارات المتاحة - الناجم أساساً عن المستوى المنخفض نسبياً للناتج المحلي - برز ميل إلى التضحية، في المدى القصير على الأقل، بالجانب الاجتماعي عموماً.
2 -
ان عام 1992، الذي تألفت الحكومة الحريرية في الفصل الأخير منه، قد شهد معدل تضخم بلغ نحو 100 في المئة وسطياً (و118 في المئة بين كانون الأول/ديسمبر 1991 وكانون الأول/ديسمبر 1992)، وكذلك ارتفاعاً وسطياً في سعر صرف الدولار تجاه الليرة قدره 84 في المئة. وفي مواجهة الحركة النقابية المطالبة بتصحيح الأجور تعويضاً من هذا التضخم - الذي قلّص القوة الشرائية للأجر إلى النصف عام 1992 - ظلت الحكومة على امتداد الأشهر الثمانية الأولى من عام 1993 ترفض أي بحث في إقرار مثل هذا التصحيح، متسلحة بانفراج الوضع النقدي وبتحسن التوقعات المستقبلية للمواطنين. ودعماً لموقفها هذا، لجأت الحكومة إلى سياسة ذات أربعة مرتكزات أساسية: أولها مواصلة تحسين سعر صرف الليرة تجاه العملات الأجنبية؛ وثانيها محاولة سحبآثار هذا التحسين النقدي على أسعار الاستهلاك وتكاليف المعيشة عموماً؛ وثالثها إدخال تعديلات على قانون ضريبة الدخل بهدف تخفيف العبء الضريبي على المكلفين بما في ذلك الأجراء؛ ورابعها اقتراح زيادة بعض التقديمات الاجتماعية للأجراء. وكان هدف الحكومة من سلّة التوجهات هذه، تحسين القيمة الفعلية للأجر، بصورة غير مباشرة، دون الاضطرار إلى إقرار تصحيح رسمي له. بيد أن هذا الهدف لم يتحقق، لسبب رئيسي يعود إلى كون المفاعيل الإيجابية للتحسن النقدي لم تنعكس، كاملة، على تكاليف المعيشة وأسعار الاستهلاك. وقد أظهرت حساباتنا - خلال العام الأول من عمر الحكومة - أن نسبة التراجع في هذه الأسعار لم تتجاوز 35 إلى 45 في المئة من نسبة التراجع في سعر صرف الدولار تجاه الليرة. وبشكل عام قاومت بنى الأسعار السائدة - وما تخفيه من هوامش ربح - الإتجاه نحو التراجع الذي كان يفترض أن يطلقه تحسن سعر صرف الليرة.
3 -
إزاء هذا الوضع، ومع استمرار ضغط الحركة النقابية، لجأت الحكومة إلى محاولة الفصل بين تصحيح الأجور في القطاع العام من جهة وبين تصحيحها في القطاع الخاص من جهة ثانية. فبحجة أن زيادات كبيرة قد أعطيت للعاملين في قطاع الدولة خلال عام 1991، سعت الحكومة لحصر موضوع تصحيح الأجور في إطار القطاع الخاص. ولكن هذه المحاولة انتهت إلى طريق مسدود بسبب رفض الاتحاد العمالي العام، فانتقلت الدولة، في إثر ذلك، إلى موقف تفاوضي آخر حظي بموافقة الاتحاد العمالي العام: الجدولة الزمنية لعملية تصحيح الأجر - في القطاعين العام والخاص - على دفعتين: الأولى بدءاً من كانون الثاني/يناير 1995، تشمل أساس الأجر فقط، إضافة إلى اعتماد الحد الأدنى الجديد للأجور (220 ألف ل.ل.) بالنسبة إلى إحدى ملحقات الأجر، وهي التعويضات العائلية؛ والثانية تعميم التصحيح على بقية ملحقات الأجر والتقديمات الاجتماعية الأخرى، بدءاً من تموز/يوليو 1994. وبموجب الاتفاق المبدئي بين الحكومة والاتحاد العمالي العام، كان يفترض أن يقرّ اتفاق مكمّل برعاية الدولة بين الاتحاد العمالي وأصحاب العمل في شأن تعويضات النقل ومنح التعليم للعاملين في القطاع الخاص ضمن مهلة زمنية لا تتعدى الأسبوعين. ولكن بعد نحو أشهر عدة على الاتفاق، يمكن تسجيل بعض الملاحظات في صدد تنفيذه، وأهمها الآتي:
أ - إن مرسوم تصحيح الأجور الذي صدر في 10 كانون الثاني/يناير 1994، حاملاً الرقم 4631، اقتصر على الشق الأول فقط من الجدول الزمني الخاص بتصحيح الأجور، ولم يشر من قريب أو من بعيد، إلى الشق الثاني الذي يفترض تنفيذه إبتداءً من تموز/يوليو 1994. وينطوي هذا الوضع على محاذير، أهمها إمكان تكريس وجود حدّين أدنيين للأجور في لبنان. وربما أدّت هذه الازدواجية إلى تعزيز ما يروّجه بعض الأوساط من أفكار في شأن ضرورة إلغاء مبدأ الحد الأدنى الرسمي للأجور وترك تحديد هذا الأخير لعوامل السوق "الحرة".
ب - إن أي تقدم حقيقي لم يحصل بين الاتحاد العمالي العام وأصحاب العمل في شأن موضوعي بدلات النقل والمنح المدرسية. ففي حين يطالب الاتحاد العمالي بتشريع وقوننة هذين المطلبين وتأمين دفعهما بوساطة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ينقسم أصحاب العمل، بشكل عام، إلى فريقين: فريق يرفض هذين المطلبين، في المبدأ، ويدعو إلى ترك الحرية لكل صاحب عمل في تعاطيه معهما؛ وفريق ثانٍ يشترط إقرار مشروع ضمان الشيخوخة (مع الإلغاء الضمني لحسابات التسوية) كمدخل للبحث في ملف بدلات النقل والمنح المدرسية. أما في القطاع العام، فقد سبق أن أقرت بدلات النقل، فيما تفاوت حجم المنح التعليمية من مؤسسة عامة إلى أخرى.
ج - ما كاد تطبيق الشق الأول من اتفاق تصحيح الأجور يبدأ، حتى بدأت تظهر مفاعيل الزيادات الملحوظة في طائفة واسعة من أنواع الضرائب والرسوم غير المباشرة التي تصيب المواطنين، على حد سواء، وكذلك مفاعيل "تصحيح" أسعار بعض الخدمات العامة، ولا سيما الكهرباء، التي باتت تستأثر بنسبة غير بسيطة من إجمالي إنفاق الأسر، ولا سيما أسر الأجراء.
4 - باختصار، لقد نجحت الحكومة، من جهة أولى، في إدارة ملف تصحيح الأجور على النحو الذي لا يسيء في نظرها إلى شروط الإقلاع الاقتصادي. وتمكنت عن طريق تحديد الشطور من تقليص النسبة الفعلية للتصحيح، بحيث لم تتجاوز هذه النسبة وسطياً 40 أو 45 في المئة، وهذه النسبة هي الدنيا (خلال سنوات الحرب) إذا ما قوبلت بمعدل التضخم المسجل. كما تمكنت، عن طريق رفض أي مفعول رجعي للتصحيح، من توفير نحو 300 إلى 350 مليون دولار على القطاع العام (هي الزيادة المقدرة في فاتورة الأجور السنوية في هذا القطاع خلال عام 1993)، ثم إنها وفّرت الفرصة لمالكي الأبنية كي يستفيدوا من نسبة ارتفاع مقبولة في بدلات الإيجار (35 في المئة، تمثل نصف نسبة الزيادة على الشطر الأول من الأجر). كما أنها أوجدت تقليداً جديداً - ربما استمر لفترة طويلة لاحقة - يتمثل باستحداثها حدّين أدنيين للأجور. إضافة إلى ذلك، نجحت الحكومة في تمرير "قطوع" تصحيح الأجور، دون أن يترك ذلك أثراً في الاستقرار النقدي. ولكن الحكومة لم تنجح، من جهة ثانية، في تبديد مشاعر القلق إزاء استمرار المستوى المتفاقم للأزمة المعيشية، وقد تركت الأبواب مشرّعة أمام إمكان إعادة فتح ملفات شائكة لم يجر حلّها (مثل بدلات النقل والمنح المدرسية والحد الأدنى الثنائي للأجور). ومن خلال إعادة استقطابها جزءاً مهماً من زيادة الأجور - عبر رفع الضرائب والرسوم غير المباشرة وتعديل أسعار الخدمات العامة - حالت الحكومة دون تدفق طلب استهلاكي إضافي كامن، كان من شأنه لو تحقق أن يعزز فرص الانعتاق من حالة الركود النسبي الذي يعيشه الاقتصاد الوطني. بكلام آخر، إن الحكومة أجّلت تفجر الأزمة المطلبية بدلاً من أن ترسي القواعد الراسخة لحلها.
وفي الحصيلة العامة، إن تقويم نسق إدارة الدولة لهذا الملف - ملف الأجور تحديداً - يظهر مزيداً من التشدد في ضبط كتلة الأجور، وخصوصاً في القطاع العام. وفي حين تعد الحكومة هذا التشدد جزءاً من خطة للسيطرة على العجز - مع العلم أن الأجور لم تعد تمثل إلا نحو 35 في المئة من أرقام الموازنة فقط - ترى أوساط أخرى فيه استمراراً لتعاطي الدولة مع مسألة الأجور كمسألة ثانوية ملحقة بالاعتبارات الاقتصادية، فلم يبرز إلى الآن أن الموقف من الأجور يؤلف جزءاً من سياسة اقتصادية - اجتماعية محددة المعالم والأهداف، بل هو ظل محكوماً بمنطق "توازنات القوى". والسؤال الملح الذي يطرح نفسه في هذا المجال هو الآتي: كيف يمكن إدارة عامة، هي مطالبة بالإشراف على عملية إنماء وإعمار طويلة ومعقدة تشمل القطاعات كافة، ان تقوم بمهماتها المتشعبة بصورة فعّالة، وان تجتذب الخبرات والكفاءات اللازمة، في ظل مستويات للأجور (في القطاع العام) لا تكاد تسمح بتغطية متطلبات العيش عند خط الفقر؟ وهل يكون هذا الوضع مقدمة لقيام إدارة عامة بسرعتين، الأولى تقليدية ومتخلفة ونتاج منطق المزرعة التي تنتظمها: علاقات الانتفاع والاستزلام، والثانية نواة إدارية حديثة ومتطورة تستوفي شروط المؤسسات الدولية والدول المانحة وتنحصر في المجالات الأساسية التي ستوظّف فيها القروض الأجنبية؟
إن المشكلة - بل المشكلات - المرتبطة بـ"سياسة الأجور والمداخيل"، ليست من النوع الذي يمكن حلّه من خلال وصفات جاهزة. فهذا الموضوع شديد التعقيد، إذ هو مرتبط بحجم الموارد وبمستوى تأهيل وإعداد القوى العاملة، وبالعوامل البعيدة المدى الفاعلة في سوق العمل، إضافة إلى التوازنات الاجتماعية والسياسية السائدة في المجتمع. ولا يتسع المجال هنا للخوض في الحلول التفصيلية لهذه المشكلة، بل سوف نكتفي بتأكيد عدد من المبادئ والتوجهات وأهمها:
(أ)
العمل على مضاعفة الإنتاج، مع الإشارة إلى أن الأجور، في مستوياتها الراهنة، ليست هي التي تعيق هذا الإنتاج. فقد سبق للبنان أن عرف مستويات أجور فعلية تزيد بمعدل ثلاثة أضعاف على مستويات الأجور الراهنة، ومع ذلك سجل الناتج المحلي آنذاك معدلات نمو قياسية (نحو 6 في المئة في الستينات والنصف الأول من السبعينات). وينبغي البحث بالتالي عن العوامل التي تعترض ارتفاع الإنتاج في مجال آخر غير مجال الأجر، وبالتحديد في نسق العلاقة القائمة بين المتغيرات الماكرو - اقتصادية الأساسية، وفي أعناق الإختناق ذات الطابع السياسي والإداري والمؤسساتي.
(
ب) إعادة تحديد العلاقة بين أهل السياسة والإدارة العامة، على نحو يحرّر هذه الأخيرة من التدخلات السياسية التي كانت في أساس انتشار المحسوبية الانتفاع والفساد، والشروع من ثم في إصلاح حقيقي وصارم للجهاز الإداري. وبالطبع إن هذا يطرح مسألة العلاقة بين الدولة الطائفية من جهة والدولة العصرية (الدولة الراعية) من جهة أخرى.
(
ج) إعادة النظر في السياسة المالية للدولة، تحت عناوين رئيسية أهمها التالية: تخفيف الهدر، زيادة بُعد "إعادة التوزيع" في سياسة الإنفاق، توزيع العبء الضريبي بشكل أكثر عدالة يأخذ في الحسبان إتساع ظاهرة الاستقطاب الاجتماعي، وإعادة الاعتبار إلى الخدمة العامة في مجالات العلم والصحة والإسكان والثقافة والنقل…
(
د) استحداث آليات لحماية ما تبقّى من الأجر، كمقدمة لتحسين هذا الأجر في المدى الأبعد، مع إمكان اللجوء إلى أشكال من "الإسناد" الجزئي التي سبق اعتمادها بصيغ مختلفة في جميع البلدان الصناعية حين تفاقمت ظاهرة التضخم في تلك البلدان (وما تراجع "الاسناد" فيها عائداً اليوم إلا لتراجع ظاهرة التضخم نفسها).
(
هـ) إعادة تحديد الحد الأدنى للأجور انطلاقاً من الحاجات المعيشية الأساسية التي توفر مستوى عيش "مقبولاً بشرياً"، مع مراعاة ألا يقل هذا الحد الأدنى عن ثلثي أو ثلاثة أرباع مستوى "خط الفقر" بالنسبة إلى أسرة وسطية، بحيث تتمكن هذه الأسرة من تغطية حاجاتها إذا ما افترضنا أن معدل النشاط الاقتصادي الوسطي فيها يبلغ 1.5 ناشط.
(
و) اعتماد سياسة نقدية لا تقاوم تحسّن سعر صرف الليرة الخارجي، بل أن يكون هذا التحسن أداة للحد من تكاليف المعيشة، بصورة عملية، ولزيادة القوة الشرائية للأجور… لا أن يكون عاملاً إضافياً في عوامل الركود الاقتصادي والنقص في السيولة لدى المواطنين والمؤسسات.
(
ز) تطوير آليات حماية المستهلك والرقابة على الأسعار، من ضمن منطق الاقتصاد الحر، على غرار ما قامت الدول الصناعية به في هذا المضمار. مع التشديد على تطوير وتفصيل التشريعات المانعة لتكوّن الاحتكارات وعدم الإكتفاء بما هو صادر من كلام عام حول هذا الموضوع في القوانين والمراسيم اللبنانية، التي ظلت من دون أي مراسيم أو آليات وأطر تنفيذية ومؤسسية.
(
ح) العمل على إيجاد نظام منمط للمهن والوظائف وتحديد أسس تراتبها وتثبيت هوامش الأجور عند كل مستوى من مستوياتها، تسهيلاً لحركية القوى العاملة وزيادة الشفافية في علاقات العمل، وتحرير سوق العمل من ضغط الإعتبارات غير الاقتصادية (الطائفية والمذهبية والمناطقية والمحسوبية).
(
ط) وضع وتطوير التشريعات الآيلة إلى الحد من تعاظم وزن الريع العقاري في تكوين المداخيل ومن التشويهات التي يلحقها هذا الريع في مجال توزيع الدخل، ناهيك عن آثاره التضخمية الإضافية ودوره في زيادة تكاليف المعيشة


حول المركز

محاور
					
					
					
					
					
					 الابحاث

الأنشطة

المنشورات

الدراسات

مصادر

مقالات
					
					
					
					
					
					 الموقع