اتسمت سياسة تصحيح
الأجور - من جانب الدولة - على امتداد هذه الفترة، بصفات رئيسية
ثلاث: أولها أن نسب تصحيح الأجور كانت في أغلب الأحيان تقل بشكل
ملحوظ عن معدلات التضخم المسجلة؛ وثانيها ان إقرار التصحيحات كان
يتأخر، في أكثر الحالات، لأشهر عدة بعد بداية العام، أو هو كان
في حالات أخرى يلغي أي مفعول رجعي لهذه التصحيحات؛ وثالثها أن
هذه الأخيرة كانت تطبّق بنسب تنازلية على شطور الأجر، مع سقف
أعلى للزيادة الإجمالية على الأجر. وبنتيجة هذه العوامل الثلاثة،
انخفضت القوة الشرائية لفئات الأجور كافة على نحو مريع من جهة،
وضاقت مروحة التفاوت بين فئات الأجور هذه من جهة ثانية، فبات
الأجر الوسطي يميل، بوتيرة متسارعة، في اتجاه الحد الأدنى
للأجور. وقد قمنا - في محاولات سابقة - بإجراء "تمرين رياضي"،
انطلاقاً من أربع فئات أجر محددة لعام 1984، وعمدنا إلى تصحيحها،
عاماً بعد عام، إستناداً إلى معدلات التضخم السنوية المحققة، بما
يحفظ لها قوتها الشرائية، ثم أعدنا الكرّة ثانية، لكن هذه المرة
استناداً إلى المراسيم الرسمية لتصحيح الأجور، وقابلنا من ثم
هاتين السلسلتين الزمنيتين على امتداد الفترة 1984 - 1992،
وتوصلنا آنذاك إلى نتائج بالغة الأهمية، هي أن الحد الأدنى
للأجور - في ضوء الفرضيات المعتمدة - قد خسر نحو 75 في المئة من
قوته الشرائية، فيما خسر الأجر الوسطي نحو 85 في المئة منها في
الفترة المذكورة. وعلى الرغم من إقرارنا بأن الانخفاض الواقعي في
القيمة الحقيقية للأجر هو أقل حدّة من الانخفاض النظري المحتسب
أعلاه - لاعتبارات عدّة، أهمها عدم أخذنا عوامل العمر والأقدمية
والإنتاجية والحالة الزواجية في الحسبان، واتجاه الأجور في
القطاع الخاص نحو الدولرة الجزئية، وبروز ظاهرة تعدد المهن أو
الوظائف للعامل الواحد، وحصول الأجراء على تقديمات إضافية في بعض
الحالات، وخصوصاً في القطاع الخاص (نقل، استشفاء، تعليم…) - فإن
ما توصلنا إليه من نتائج ينطوي على اتجاهات تؤكد حصول تراجع كبير
في القوة الشرائية لفئات الأجور كافة. ولعل الاستنتاج الأهم في
هذا الإطار يبرز في حصول انفصام حاد ومتزايد، بدءاً من أواسط
الثمانينات، بين الأجر من جهة وبين تكاليف المعيشة من جهة
ثانية.
بيد أن الأخطر من ذلك يتمثل بأن المرحلة التي تلت
بداية السبعينات - والتي تلازمت عملياً مع سنوات الحرب - لم
تقتصر، من جانب الدولة، على هذا النسق فقط من التعاطي المرتجل
والمجتزأ مع موضوع تصحيح الأجور. فقد غابت غياباً شبه كلي، على
امتداد هذه الفترة، تلك الأدبيات والسياسات التي كانت قد راجت
حول إعادة توزيع الدخل، في أوائل الستينات. لا بل على العكس، فإن
حصيلة الظاهرات الاقتصادية - الاجتماعية المعقدة التي استجدت
خلال سنوات الحرب قد أفضت إلى تعميق الخلل في توزيع الدخل، وسط
استقالة الحكم الكاملة، والبعض يضيف وسط ضلوع الحكم ومشاركته
الحثيثة في ترسيخ هذا الخلل. إضافة إلى انهيار نظام الأجر، شهدت
هذه السنوات انعدام بُعد "إعادة التوزيع" في سياسة الانفاق
العام، وتشجيع سياسة "التضخم القسري" من جانب الدولة، وانحسار
قاعدة الخدمات العامة الأساسية وتلاشي الفعالية الاقتصادية
والاجتماعية للتدخلات الإنمائية التي ورد ذكرها أعلاه. وحتى
تقديمات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، التي تمت زيادتها تحت
ضغط الحركة العمالية - سواء كنسبة من فاتورة الطبابة والاستشفاء
(الضمان الصحي) أو كنسبة من الحد الأدنى للأجور (التعويضات
العائلية) - فإن قيمتها الحقيقية (بالأسعار الثابتة) قد تراجعت
بنسبة كادت تصل إلى النصف خلال الفترة 1974 - 1992. وفي عام
1992، وبعد سنتين من إنتهاء الحرب، لم يكن مجموع هذه التقديمات
يصل إلى نحو واحد ونصف في المئة من إجمالي الناتج المحلي المقدّر
في ذلك العام.
وسط هذه التحولات الاقتصادية - الاجتماعية، كان
من الطبيعي أن يتقلص وزن كتلة الأجور في إجمالي الناتج المحلي
(تشير تقديرات أولية إلى أن الأجور لم تعد تمثل إلا نحو نصف ما
كانت تمثله عشية الحرب من هذا الناتج) وأن يتكثف الضغط المعيشي
على عالم الأجراء، وتتعمم مظاهر الإفقار النسبي والمطلق، وتنحسر
القاعدة الاجتماعية للطبقة الوسطى، وهي الأحداث التي مهدت عملياً
أمام تأليف الحكومة الراهنة على أنقاض الحكومة الكرامية. فكيف
تعاطت الحكومة الراهنة مع ما اصطلحنا على تسميته "سياسة الأجور
والمداخيل"؟
ثانياً: سياسة الأجور في ظل
الحكومة الراهنة
إن محاولة عرض وتقويم السياسة
التي انتهجتها الحكومة الحريرية في هذا المجال، تتحدد بالعوامل
والاعتبارات الأساسية التالية:
1 - لقد ورثت هذه الحكومة عن
سابقاتها ملفاً ثقيلاً من المشاكل والأزمات، بما في ذلك فاتورة
حرب الأعوام الستة عشر. وفي مواجهة هذه الأوضاع ركّزت الحكومة
خطواتها في اتجاهات أربعة: أولها تحديث واستكمال الدراسات وملفات
المشاريع الإعمارية؛ وثانيها تهيئة الإطار التشريعي والمؤسساتي
للسياسة الحكومية؛ وثالثها العمل على تأمين مصادر التمويل
الخارجية أساساً؛ ورابعها الشروع في تلزيم عدد من المشاريع
الإعمارية المحورية. وقد رأت الحكومة، في توجهاتها هذه، أن
الأولوية يجب أن تعطى لإعادة تأهيل مرافق الخدمات العامة والبنى
التحتية: فعملية إعادة التأهيل هذه تُعد شرطاً أساسياً من شروط
تحفيز الإنتاج، وهذا بدوره يمثل شرطاً ضرورياً لتحقيق انفراجات
في الوضع المعيشي وتحسين مستويات الدخل والأجور. وعلى الرغم مما
يتمتع به هذا التسلسل المنطقي من قوة وتماسك، فإن استدراكين
أساسيين يبقيان مطروحين في صدده: أولهما، أن هذا المنطق قد يخفي
فهماً ضمنياً مفاده أن تحسين الأجور وتوزع الدخل هو نتاج تلقائي
لعملية النمو وزيادة الإنتاج؛ وثانيهما، أن هذا المنطق ربما لم
يدرك كفاية مقدار الإنهيار الحاصل على الصعيد الاجتماعي، وخصوصاً
بالنسبة إلى الأجراء وذوي الدخل المحدود. وفي ظل ضيق الخيارات
المتاحة - الناجم أساساً عن المستوى المنخفض نسبياً للناتج
المحلي - برز ميل إلى التضحية، في المدى القصير على الأقل،
بالجانب الاجتماعي عموماً.
2 -