English Version خريطة الموقعسجل عنوانكالجديد

المنشورات الدوريةالأبعاد
أبعـــــــاد
العدد الثالث: أيار/ مايو 1995

برهان غليون: نهاية عصر الدولة الوطنية (ص 239 - 258)
1 - حدود الظاهرة القومية
يكاد تفكك الدول القومية الصغيرة أو شبه القومية، وتطور الصراعات وتفجر الحروب الأهلية ونمو الحركات الانفصالية، يمثل الضاهرة السياسية والتاريخية الأبرز والأكثر انتشاراً في العالم منذ انتهاء الحرب الباردة في بداية التسعينات. هكذا، من أفريقيا المدمرة بالنزاعات القبلية والعرقية، إلى شرق أوروبا المحمومة بحرب التنقية العرقية، مروراً بصراعات دول آسيا الأقوامية والدينية، وبتشنجات العالم العربي وحروبه الأهلية، تبرز أسبقية جدلية القوة النابذة والتفجيرية على جدلية التضامن والاتحاد الوطني أو القومي. وقد جاء في تقرير التنمية البشرية لعام 1994 الذي يعده برنامج الأمم المتحدة الإنمائي 1994، أنه من بين 82 نزاعاً شهدتها العقود الثلاثة الماضية، 79 نزاعاً منها ذات طبيعة داخلية أو أهلية، وأن هذه الحروب قد جرت أساساً في بلدان نامية أو فقيرة. وعلى عكس ما كان الأمر عليه في عصر الحرب الباردة، لم تعد هناك ضرورة إلى التدخل الأجنبي من أجل إحياء الفتن المحلية أو إشعالها على الرغم من أن الدعم المالي أو السياسي أو العسكري الخارجي لا يزال شرطاً لبقائها.
تميل وسائل الإعلام الدولية الواقعة إلى حد كبير تحت تأثير ضغط المصالح واستراتيجيات الهيمنة الدولية، إلى إرجاع هذه النزاعات والحروب الداخلية إلى البنى الثقافية أو الدينية أو إلى الاختلافات العرقية واللغوية التي تتميز بها مجتمعات الجنوب. وقد أصبحت هذه الأطروحات شائعة بكثرة في حقبتنا هذه وانتقلت إلى وسائل الإعلام المحلية التي ليس لديها حصانة قوية لمقاومة إغراء تبني كل ما ينشر في البلدان المصنعة. وقد عزز ارتباط بعض النزاعات الراهنة بتصاعد تأثير العقائد الدينية، والإسلامية خصوصاً، من الانطباع بمصداقيتها ونجاعتها كإطار لتفسير ما يحدث.
بيد أن انتشار هذه الحركات التفتيتية وشمولها جميع القارات من جهة، وتركزها في مناطق معينة من جهة أخرى، يشير إلى أن الأمر يتجاوز العوامل الثقافية الخاصة بشعب أو منطقة، كما يتجاوز العوامل الاجتماعية الداخلية. فأين يمكن البحث عن مفتاح فهم هذه الدينامية التفكيكية؟
تشير أغلبية التحليلات التي تتعرض للنزاعات الداخلية إلى أن غياب الأمن السياسي والعسكري مرتبط إلى حد كبير بغياب الأمن المعاشي، وأن النـزوع إلى التفتت والتفكك والتخلي عن قيم التضامن الوطني والاجتماعي، أو بالأحرى موت هذه القيم، لا يمكن أن يفهم بمعزل عن حالة التهميش التي تعيشها أو تُدفع إليها المجتمعات والجماعات.
ويقف وراء حركة التهميش هذه الاستقطاب العالمي الجديد بأبعاده المختلفة، الاقتصادية والسياسية والثقافية. وينجم عن هذا الاستقطاب انهيار معايير التعامل داخل المجتمعات المهمشة واهتلاك القيم المدنية والأخلاقية، وتدهور النظام السياسي وتفكك شرعية السلطة ومصداقيتها. إن التهميش هو السياق التاريخي الذي يقضي على عناصر المدنية ويفتح الباب أمام عودة الفوضى ويدفع الجماعات التي تتكون منها الأمم أو المجتمعات النامية، والتي تأمل بفرص أكبر للاندماج في السوق العالمية، إلى التحلل من التزاماتها الوطنية وتنمية ولاءات خارجية تقربها من القطب الصناعي الذي يمارس عليها جاذبية شبيهة بالجاذبية المغنطيسية.
ويستند هذا الاستقطاب إلى عوامل تاريخية موضوعية وواعية معاً أولها هزيمة العالم الثالث في المعركة التي شنها منذ الاستقلال وبعد الحرب العالمية الثانية ضد الدول الصناعية المتقدمة من أجل التنمية المستقلة والتصنيع. فهذه الهزيمة توحي للنخب الاجتماعية في البلدان الفقيرة بأنه ليس هناك أي حل آخر سوى العودة إلى بيت الطاعة والمراهنة على سياسات التبعية التي كانت ترفضها وتدينها في السابق؛ أما العامل الثاني فهو ما تمارسه الدول الصناعية نفسها من سياسات واعية ومنظمة تضمن تفوقها الاستراتيجي والاقتصادي وتسمح لها بالتحكم بالقسم الأكبر من الثروة العالمية المنجمية والمالية والتقانية والعلمية والرمزية في الوقت نفسه. ومن هذه السياسات نذكر سياسات التدخل العسكري المحدد للقضاء على هذه القوة الصاعدة أو تلك، وسياسات الهيمنة على وسائل ومنظمات المال والتعاون الدولية التي تفرض على البلدان النامية نموذجاً وفلسفة للتنمية تتمشى مع ضمان بقاء الأوضاع العالمية الراهنة. ومن الواضح أن هذه السياسات لا تصدر عن رؤية مستقلة تهدف إلى تحسين شروط حياة البشر، بقدر ما تخضع لمنطق إعادة إنتاج علاقات القوة القائمة. ولا نبالغ إذا قلنا إن الأساس الذي تقوم عليه فلسفة التنمية لدى هذه المؤسسات هو تهميش الإنسان بل استبعاده من الدورة الحضارية والمدنية نفسها. إن نظام توزيع الثروة العالمية الراهن هو القاعدة التي يقوم عليها بناء جدلية الاندماج القومي والاستقرار السياسي والتوسع الاقتصادي في القسم الشمالي من المعمورة، وجدلية التفكك القومي والتحلل السياسي والحرب الأهلية في القسم الجنوبي منها. ونموذج التنمية السائد الذي يخضع للاعتبارات الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية للدول الصناعية، أكثر مما يخضع للاعتبارات الإنسانية، هو الذي يضمن إعادة إنتاج النظام العالمي القائم كنظام استقطاب دولي للثروة الحضارية، بقدر ما يعيد إنتاج هذا الاستقطاب داخل كل قطر تابع على حدة. ويكفي في هذا المجال أن نشير إلى تطبيق ما يسمى برنامج التكيف الهيكلي. ففي كل مكان تنزع الحكومات فيه إلى تطبيق هذه السياسات تكون النتيجة المباشرة تهميش الأغلبية الاجتماعية وإخراجها من الدورة الاقتصادية الحقيقية، أي الرأسمالية، ودفعها إلى خلق اقتصادها وثقافتها ومجتمعها وعالمها الخاصة.
وبالمثل، يمكن الإشارة إلى مسألة المساعدات من أجل التنمية. فعلى عكس ما قد يخطر للذهن، ليست الأقطار الفقيرة هي التي تحصل على القسم الأكبر من هذه المساعدات. فكما يلاحظ التقرير نفسه، تبلغ حصة الفرد من هذه المساعدات في مجموعة أغنى أربعين دولة ضعفيها في مجموعة أفقر أربعين دولة في العالم. كما يزيد نصيب الفرد من هذه المساعدات في الأقطار التي تتمتع بأعلى ميزانية عسكرية مرتين ونصف المرة على نصيب الفرد في الأقطار ذات الإنفاق العسكري الأضعف. وهذا لا يعني أن المساعدات من أجل التنمية تغذي بالدرجة الأولى البلاد الغنية، ولكنه يعني أيضاً أن قسماً كبيراً من هذه المساعدات يذهب إلى تمويل تجارة السلاح، حتى ليمكن القول إنه من الصعب الفصل بين هذه المساعدات وبين تغذية النـزاعات العديدة الداخلية والخارجية في العالم. إن مجموع هذه العمليات المرتبطة بفرض نموذج التنمية الليبرالية وتوزيع المساعدات وتغذية الحروب الداخلية ليست إلا جزءاً من سياسة واحدة جوهرها الاحتفاظ بالتوسع الاقتصادي بوصفه الوسيلة الوحيدة للحفاظ على فرص العمل والقدرة الشرائية، وبالتالي، على السلام الأهلي في المجتمعات الصناعية.
ومن الطبيعي أن من يتحدث عن الحروب، مهما كان نوعها، داخلية أو خارجية، يتحدث لا محالة عن السلاح وتجارة السلاح، والتسابق على امتلاك الأسلحة الأكثر تطوراً والأغلى ثمناً. وفي القسم الأكبر من هذه الحروب يكون شراء السلاح على حساب التنمية البشرية. ويذكر التقرير، على سبيل المثال، أن الهند قدمت أخيراً طلباً لشراء 22 طائرة ميغ 22 يكفي ثمنها لتوفير التعليم الأساسي لـ 15 مليون طفلة محرومة التعليم حتى الآن. أما نيجيريا فقد كان بإمكانها أن تموّل حملة تلقيح لأكثر من مليوني طفل محرومين اللقاح الضروري وأن توفر خدمات تنظيم الحمل لأكثر من 17 مليون امرأة بثمن خمسين مصفحة هجومية اشترتها حديثاً من بريطانيا.
إن السياسة الليبرالية المطلقة التي تطالب الدول الصناعية اليوم بتطبيقها في الأقطار الفقيرة النامية لا تهدف في الواقع إلا إلى فتحها كأسواق جاهزة للاكتساح أمام صناعاتها المتقدمة. وقد بينت مفاوضات "الغات" الأخيرة (1994) والنـزاعات التي رافقتها، إلى أي حد تمارس الدول الصناعية سياسة مزدوجة في هذا الميدان أيضاً. فلم يمنعها الحديث الدائم عن ضرورة تحرير الأسواق في البلدان النامية من الدفاع المستميت عن مصالحها والاحتفاظ بامتيازات خاصة حينما يتعلق الأمر بمنتوجاتها غير القادرة على المزاحمة الدولية. وهي حالة القسم الأكبر من منتوجات البلدان النامية. وهذا ما يدل عليه تفاقم صراعات الدول الصناعية الكبرى من أجل حماية نفسها والعمل على بناء التكتلات الكبرى المحمية ومنع الآخرين من الدخول إليها. فالسياسة الليبرالية لا تعني الشيء نفسه حين تكون سياسة وطنية أو حين تكون جزءاً من استراتيجية اقتصادية دولية وسياسة عالمية. وقد أدت هذه الاستراتيجية إلى وضع دولي طريف أصبحت فيه الدول ضعيفة التصنيع والمحتاجة إلى السياسات الحمائية لتطوير صناعتها هي المفتوحة من دون قيود على التجارة الدولية في حين انتقلت سياسة الحماية تحت غطاء التكتلات الدولية أو مفاوضات التعرفة الجمركية إلى الدول الصناعية القوية. وقد قدر تقرير التنمية البشرية لعام 1993 خسارة البلدان النامية في التجارة الدولية بسبب هذا الوضع بأكثر من 500 مليار دولار سنوياً.
لكن نتائج هذه السياسة الليبرالية المزدوجة ليست متباينة على مستوى التبادل التجاري والاقتصادي فقط، بل إنها متباينة أكثر من ذلك على مستوى الآثار الاجتماعية. فبقدر ما تتيح هذه السياسة للدول الصناعية الكبرى أن تزيد من صادراتها للدول النامية فهي تساعد على الاحتفاظ بمعدل ثابت للتوسع الاقتصادي ومن ورائه للتشغيل. وعلى العكس، لا يمكن الدول الفقيرة، من دون حماية فعالة، أن تقف على رجليها وتزيد من معدل نموها ومن صادراتها في إطار منافسة اقتصادية قوية، إلا إذا قلصت الأجور إلى حدها الأدنى وقلصت معها القدرة الشرائية والسوق الوطنية. وفي هذه الحال لن يكون التوسع الاقتصادي مرتبطاً ببناء السوق الداخلية الوطنية التي تمتص المنتوجات المحلية ولكنه سيعتمد بصورة رئيسية على التصدير نحو الأسواق الخارجية، أي أسواق الدول الصناعية الكبرى. وهكذا تكون النتيجة خفض قيمة العمل إلى أقصى حد في الجنوب وتقديم صادرات إلى الأسواق الصناعية بأقل من قيمتها الحقيقية. ولا يعني هذا وضع الاقتصاد النامي مباشرة في خدمة الاقتصاد الصناعي وتحت إمرته فحسب، ولكنه يعني أكثر من ذلك تحويل شعوب كاملة إلى عمال من الدرجة الثانية أو الثالثة في خدمة المجتمعات المصنعة ولحسابها. وهذا هو الأساس المادي لحركة التهميش الاجتماعي الواسعة، ومن ورائها إجهاض جدلية الاندماج والتكوين القومي والتعاون الإقليمي في البلدان النامية.
ليس هناك شك في أن مثل هذه السياسة تدفع إلى حصول نوع من التوسع الاقتصادي في هذه البلدان الفقيرة. وقد يحصل هذا بالفعل في بعضها نتيجة تطبيق برامج التكيف الهيكلي، ولكنه توسع سرطاني لا يتحقق إلا على حساب تهميش الأغلبية الاجتماعية وتقزيم السوق الوطنية، وحصر القوة الشرائية وتركيزها في يد شريحة الفئة العليا من السكان، ونزوع الاقتصاد الوطني بالضرورة نحو الاندماج الكامل بالاقتصادات الكبرى.
وليس هناك شك في أن هذه السياسة تستطيع أن تعيد الميزان التجاري إلى حالة التوازن بل الرجوح. لكن الثمن الحقيقي الذي ينبغي على البلاد أن تدفعه لقاء ذلك هو انهيار التوازنات الاجتماعية، أي القطيعة المتزايدة بين العامة والخاصة وتدعيم نزوع الطبقة العليا إلى الاندماج بالخارج، وهو ما يفسر نزوع البرجوازية المحلية في العالم الثالث إلى التغرب وبناء سياساتها على التحالف مع الدول الغربية. ولا يمكن مثل هذه القطيعة الثقافية والاقتصادية والاجتماعية بين النخبة والشعب إلا أن تغذي التوترات، وفي إثرها الحروب والصراعات الاجتماعية. ومن يتحدث عن حروب وصراعات لا يتحدث عن توق


حول المركز

محاور
					
					
					
					
					 الابحاث

الأنشطة

المنشورات

الدراسات

مصادر

مقالات
					
					
					
					
					 الموقع