أبعـــــــاد
العدد الثالث: أيار/ مايو
1995
افتتاحية فارس أبي صعب: نحو حركة أنتليجنسيا فوق
قومية (ص 16 - 52)
يستقبل الإنسان القرن الحادي
والعشرين في ظل تراكم جملة من التطورات، بات يفترض معها إعادة
النظر في كثير من المسلمات والمفاهيم والأيديولوجيات والنماذج
والتجارب والخيارات، على مختلف الصعد الفكرية والاقتصادية
والاجتماعية والسياسية. كما أن هناك الكثير من الأهداف التي مثلت
محور اهتمام الإنسان من مختلف انتماءاته الفكرية، بات من المفترض
إعادة النظر فيها كذلك، وهي أهداف تمحورت حول سبل تحقيق التنمية،
وامتلاك العلم والتقانة، وبلوغ الديمقراطية، والتحديث ومواكبة
العصر، واللحاق بالآخر "المتقدم"؛ ونادت بها أغلبية الشعوب،
ووضعها قِبلة له معظم تجارب حكم الدولة الحديثة في العالم
الثالث، في جميع نماذجها القومية، الاشتراكية والليبرالية. أما
الإنجازات فهي، على الرغم من تفاوتها، لم تكن بحجم الآمال، بل
دونها كثيراً.
وعلى الرغم من فشل معظم هذه التجارب، نجد أن
هناك الكثير من الأدبيات الفكرية والحركات السياسية في العالم
الثالث ما زالت تراهن على أحد هذه النماذج السائدة، مع إضفاء بعض
التلميعات عليها وتحديداً في ما يتعلق بالجوانب التي كان لها سبب
مباشر في وقوع الفشل خلال التجارب السابقة، وهي تستخدم شعارات
الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة والتنمية وعوامل
السوق… وغيرها كمحاولة لإعادة تجديد هذه النماذج؛ لكن دون أن
يطرح أي من هذه الأدبيات الأسئلة الجوهرية التي يفترض أن تطرح في
هذه المرحلة.
وإذا كان طموح أي شعب في حدود الدولة الحديثة،
الوطنية أو القومية، في العالم الثالث، أن يتغلب على الجهل
والفقر والمرض والجوع والتخلف الاقتصادي والاجتماعي… وأن يحقق
مجتمعاً أفضل وفق الكثير من المؤشرات المستخدمة لقياس مدى "تقدم"
مجتمع ما أو تخلفه، فهل أن تلك الشعارات المرفوعة والأهداف
المنشودة كفيلة بتحقيق هذه القفزة في المجتمع؟
وهل أن المشروع
القومي، المتصادم أحياناً كثيرة مع الدولة الوطنية، كما في
المنطقة العربية مثلاً، الذي يفسر التناقض والصراع على أنه صراع
بين قوميات وأمم، لاغياً بذلك أبعاداً كثيرة أخرى من التناقضات
سواء داخل الأمة نفسها أم في ما يتعدى الأمم، هل أن هذا المشروع
قادر على تحقيق نموذج تنمية مستقلة متمحورة حول ذاتها القومية
متحصنة خلف أسوار أمتها؟
وهل أن المشروع الإشتراكي، الذي يزعم
أنه يقدم نموذجاً نقيضاً للنموذج السائد عالمياً، قادر على تحقيق
نموذجه التنموي انطلاقاً من بلد واحد أو من بقعة واحدة في هذا
العالم؟ وهل أنه تجاوز حقاً، في ما حقق من تجارب، الكثير من
المنطلقات التي تمخضت عن المرحلة الرأسمالية والتي قامت على كثير
من الخيارات الخاطئة في عملية التنمية والتحديث؟
وهل أن
المشروع الليبرالي الذي يرى ان الفارق بين الدول المتخلفة والدول
"المتقدمة" هو فارق زمني وان مجرد الأخذ بنموذج التنمية السائد
في المراكز الرأسمالية "المتقدمة"، القائم على الاقتصاد الحر
والخصخصة والمنافسة، بل الاحتكار، كفيل بنقل الدول المتخلفة إلى
مصاف تلك الدول؟
لم يكن فشل تجارب تلك المشاريع الثلاثة في
أنها عجزت عن اللحاق بالآخر "المتقدم"، بل يكمن الفشل، وهذا هو
الأهم، في اعتماد كل من هذه المشاريع مبدأ القياس على الغرب
الرأسمالي كمبتغى لأهدافه التنموية.
والفرضية التي تنطلق منها
هذه الافتتاحية هي ان المسألة لم تعد مسألة انتقال الجنوب من
حالة التخلف إلى مصاف البلدان "المتقدمة"، التي يقصد بها عادة
بلدان أميركا الشمالية وأوروبا الغربية واليابان، على الرغم من
أن هذا الانتقال بات شبه مستحيل؛ بل إن المسألة هي كيف يمكن
تحقيق نموذج عالمي بديل يتجاوز الأزمة الحضارية التي بلغتها
تجارب الدول "المتقدمة" نفسها، وهي تجارب قامت على مفهوم للسيطرة
ذي حدين: سيطرة الإنسان على الإنسان، وسيطرة الإنسان على
الطبيعة، وهو مفهوم كانت نتيجته تفاوتاً في المشهد بين بلدان -
أو طبقات - غنية تتمتع بمستوى معيشي واستهلاكي مرتفع وبين بلدان
أو طبقات ما زالت تشكو الجوع والحرمان والفقر والجهل والبؤس
والتخلف… من جهة، وإخلالاً رهيباً في النظام الطبيعي إلى حد بات
يهدد مستقبل الحياة على الأرض من جهة أخرى. وعلى الرغم من ذلك
يبدو أن أي نموذج بديل يحاول الإفلات من هذا المفهوم هو مستحيل
التحقق في إطار مشروع وطني أو قومي أو محوري، بل بات لا بد من
مشروع فوق قومي يعيد النظر في كثير من المنطلقات والقوانين
الوضعية التي قامت عليها الدولة الحديثة ويحدد رؤية جديدة تتجاوز
مفهوم السيطرة المزدوجة وتحقق المصالحة بين الانسان والانسان من
جهة وبين الانسان والطبيعة من جهة أخرى. فالمنظومة الكونية بدأت
تتخذ منحى تطورياً عالمي الطابع، بحيث لم يعد ممكناً تحديد عوامل
تطور أي مجتمع، أو أمة، بمعزل عن عملية التطور العامة السائدة
عالمياً، على الرغم مما نشهد من إمكان حدوث تطورات كمية، لكن في
حدود وشروط المنظومة الكونية نفسها.
وهذه المنظومة تتطلب
منهجاً شمولياً في التحليل قائماً على أبعاد عدة ومتجاوزاً كلا
المنهجين اللذين سادا معظم الأدبيات الاقتصادية والسياسية
والاجتماعية في العالم الثالث، واللذين يقول أحدهما إن أسباب
التقدم أو التخلف تكمن في داخل المجتمع، الذي يعد هو المسؤول عن
تخلفه أو عن تطوره ونجاح التنمية فيه؛ ويقول أحدهما الآخر إن
الخارج "المستعمر" أو "الامبريالي" هو المسؤول عن تخلف المجتمع
حيث إن عوامل الداخل باتت مكشوفة على الخارج ومسلوبة منه، غير
قادرة على تحديد مصيرها. ويبدو أن كلا المنهجين بالغ في التركيز
على بعض عوامل تطور المجتمع دون البعض الآخر. فعملية التطور التي
تشهدها وحدة سياسية أو مجتمعية في ظل عصر تعمقت فيه عناصر
التداخل بين وحداته، لم يعد ممكناً فهمها وتحليلها في حدود هذه
الوحدة فحسب، على الرغم من صوابية المبدأ القائل إن أي عملية
تطور إنما تحمل عوامل تطورها في داخلها، عبر تفاعل العلاقة بين
العناصر المكونة لهذه العملية.
لكن تحديد الداخل والخارج هو
عملية نسبية تتغير مع تغير الحالة أو الظاهرة موضوع الدراسة أو
تغير الزاوية أو البعد النظري الذي يجري تحديد وحدة الدراسة من
خلاله. وفي هذا السياق تصبح عملية تحديد الداخل والخارج،
وبالتالي حدود الوحدة السياسية أو المجتمعية المدروسة، عملية
معقدة تحتاج إلى نظرة أكثر شمولاً، بحيث إن الوحدات التي يمكن
النظر إليها كخارج بالنسبة إلى غيرها من الوحدات، فهي تنتفي عنها
صفة الخارج هذه لدى دخولها مع الوحدات الأخرى في علاقة يحكمها
قانون حركي واحد.
من هذا المنطلق نرى أن العالم بات ينبغي
دراسة مشكلاته وحركة تطوره بوصفه وحدة واحدة، على الرغم من
التناقضات التي تحكم علاقة عناصره، ومن الهوة الآخذة في الاتساع
بين شماله وجنوبه. وهذه الوحدة ترتكز على مجموعة علاقات وآليات
تتجاوز بطبيعتها حدود الدولة القومية، وهي باتت تحكم إلى حد بعيد
التطور على الصعيد العالمي، منطلقة بذلك من مراكز النظام
الرأسمالي العالمي. حتى إن الكثير من الأزمات التي تواجه الحضارة
الإنسانية لها طابع كوني ولم يعد ممكناً مواجهتها في حدود الدولة
القومية.
لذلك بات أي مشروع قومي أو محوري على الصعيد العالمي
عاجزاً عن مواجهة هذا المستوى من الأزمات، وبالتالي يفترض بأي
مشروع تغييري أن يكون فوق قومي بطبيعته.
وما يعزز أهمية هذا
المنهج الشمولي في قراءة المجتمع والتاريخ هو تعمق ظاهرة العولمة
التي تحكم العلاقات الدولية، وخصوصاً على المستويات الاقتصادية
والثقافية والإعلامية والعلمية … وهي ظاهرة تمهد لمرحلة تاريخية
جديدة يسودها عالم أشد ارتباطاً بعضه ببعض هو الآن في سبيل
التكون، وهو يمحو بالتدريج خصوصيات مختلف الشعوب والأمم
واستقلاليتها، على الرغم من الاختلاف في المواقع والأدوار. وقد
باتت اتجاهات هذه الظاهرة خارجة إلى حد بعيد عن سيطرة سلطات
الدولة القومية.
وفي الحقيقة أن ظاهرة العولمة هذه ليست حديثة
التكون بل إنها ظاهرة قديمة مثلت إحدى سمات ظهور الرأسمالية على
صعيد عالمي التي اخرجت عملية الانتاج من حدودها القومية في إطار
البلد الواحد. غير أن هذه الظاهرة شهدت كماً من التراكمات
والتطورات التي توافرت معها شروط حدوث تحولات تاريخية أخذت في
تهميش الدولة القومية في وجه هذه العولمة الزاحفة.
أولاً: على الصعيد
الاقتصادي
يتطور النظام الاقتصادي العالمي على نحو
بات يتهمش معه اقتصاد الدولة القومية. وأي دولة قومية باتت عرضة
للتأثر من جراء استخدام دولة قومية أخرى تقانات حديثة في
اقتصادها. والمنظومة العالمية للأسعار باتت تفرض نفسها بالتدريج
في جميع أقطار العالم، ودورة الانتاج وإعادة الإنتاج صارت تجري
على مستوى عالمي وليس على مستوى قومي، وبات يجري توزيع العمليات
الانتاجية جغرافياً على نطاق عالمي على أساس ميزات الموقع
البشرية والجغرافية والطبيعية… وبذلك تعمل هذه العمليات على
تحقيق قدر عالٍ من اللامركزية في الإنتاج مقابل قدرٍ عالٍ من
المركزية في التخطيط والتمويل والتسويق والتجديد
التقاني.
وهكذا بات هناك مزايا نسبية مختلفة لبلدان متعددة
لانتاج سلعة واحدة. ولم يعد هناك تخصص لكل بلد واحد في انتاج
سلعة معينة، متخذاً الانتاج طابعاً فوق قومي، مقلصاً من قدرة
الدول على التحكم بشؤونها الخاصة.
وعولمة الانتاج هذه مهدت
لعولمة رأس المال، الذي يمهد بدوره لتعميق عولمة الانتاج نفسه،
ويقود بالتالي إلى عولمة مجموع العلاقات الاقتصادية
الحديثة.
وباتت الثورة المالية العالمية تفرض تحدياتها الخاصة
على السيادة المفترضة للدولة القومية. ووجود عالم بلا حدود يقوم
على تنازل الدولة عن سيطرتها على كل من عملتها الخاصة وسياساتها
المالية.1 - الشركات فوق القومية
تؤدي الشركات
فوق القومية الدور القيادي في عملية العولمة. وتزداد هذه الشركات
استقلالاً وانفصاماً عن مصالح دول المنشأ التي تنتمي إليها. وفي
ظل السوق العالمية للسلع والخدمات التي أوجدتها قطاعات المال
والاتصالات باتت الشركات فوق القومية ترتقي بحيث تتحطم معها
الحواجز التجارية ويزداد الاقتصاد العالمي تكاملاً، حتى إن
الحكومات والهيئات في الدول القومية أخذت تفقد سيطرتها على
مصيرها الاقتصادي. ويعبر بول كنيدي عن ذلك فيقول إن المنطق
الحقيقي لعالم لا تحده حدود هو أنه لا سلطة لأي كان، ربما
باستثناء سلطة مدراء الشركات فوق القومية الذين يعدون مسؤولين
أمام المساهمين في تلك الشركات، حتى إن هذه الشركات صارت تبدو
أهم "اللاعبين" المؤثرين في الشؤون العالمية.
وتسيطر الشركات
فوق القومية على التجارة العالمية في المنتوجات التامة الصنع، من
معدات وآلات ووسائل نقل، ويتحكم عدد محدود منها بالتجارة
العالمية في السلع الغذائية الأساسية كالحبوب واللحوم ومشتقات
الحليب. وتسيطر 50 شركة منها على نحو ثلثي الأصول الثابتة في
العالم وتقوم بإنتاج أكثر من نصف الإنتاج العالمي. وتتولى 6
شركات عالمية تصدير نحو 95 في المئة من القمح الأميركي و95 في
المئة من الطحين و90 في المئة من الشعير الكندي و80 في المئة من
الطحين الأرجنتيني. وفي أوائل الثمانينات كان هناك نحو 90 في
المئة من تجارة الشاي والقهوة والكاكاو والقطن ومنتوجات الأحراج
والتبغ والقنب والنحاس وخام الحديد والبوكسايت في أيدي نحو 3 - 6
أكبر شركات فوق قومية مختصة. كما أن إجمالي مبيعات عشر شركات فوق
قومية يوازي الناتج القومي لجميع الدول الأفريقية، وتساوي
الأرباح السنوية لهذه الشركات العشر إجمالي الناتج القومي لـ20
دولة أفريقية. وقد بلغ إجمالي مبيعات شركة جنرال موتورز وحدها
عام 1986 نحو ثلاثة أضعاف إجمالي الإيرادات النفطية للعربية
السعودية.2 - إعادة التقسيم العالمي للعمل
تمثل
إعادة التقسيم العالمي للعمل إحدى سمات هذه العولمة الاقتصادية،
إذ تعمل الشركات فوق القومية على تجديد رأس المال في الشمال على
قاعدة احتكار عملية التجديد التقاني وجعل العلم قاعدة إنتاج،
مقابل نقل عمليات الإنتاج نفسها إلى الجنوب، ساعية من جهة
للافادة من بعض المزايا المتوافرة في الجنوب كاليد العاملة
الرخيصة والخامات الطبيعية والموقع الجغرافي، ولكي تتفادى هذه
الشركات من جهة أخرى، تطبيق تدابير السلامة والصحة الباهظة
الكلفة المطبقة في دول الشمال ولتفادي بعض الضغوطات الاجتماعية
عليها. وهكذا أخذت تتكون ملامح تقسيم جديد للعمل عالمياً يؤدي
إلى تغيير العلاقات الاقتصادية ويعيد نشر الصناعة والزراعة
عالمياً، بحيث يجري نقل الكثير من الصناعات الملوثة باتجاه
الجنوب مقابل إعادة إنتاج الكثير من السلع الزراعية في الشمال
بفضل الثورة العلمية التي شهدتها الهندسة الوراثية والتقانة
الأحيائية التي وفرت لدول الشمال شروط الإنتاج الكثيف من السلع
الزراعية الخام التي كانت تعتمد فيها على إنتاج الجنوب، الأمر
الذي أدى بدوره إلى تأثر اقتصادات بلدان الجنوب التي تعتمد على
إنتاج هذه السلع بصورة رئيسية. وهذا ما أدى إلى حدوث تغير في نمط
التجارة العالمية بالمواد الغذائية وبات العديد من بلدان الجنوب
مستورداً بالكامل للحبوب الغذائية بعدما كان مصدراً لها.
وهذا
التقسيم العالمي الجديد للعمل لا يقتصر على التقسيم بين السلع
المختلفة بل إنه يجري في إطار السلعة نفسها، حيث تحرص الشركات
فوق القومية على الاحتفاظ بالجوانب الدقيقة من عملية الإنتاج
كالتقانة والتمويل والتسويق، في بلدان الشمال، مقابل نقل المراحل
الأخرى إلى الجنوب.3 - شروط تجارة غير
متكافئة
تفرض هذه العولمة الاقتصادية شروطاً غير
متكافئة في العلاقات التجارية بين الشمال والجنوب. ويقدر تقرير
التنمية البشرية لعام 1994 أن الأسواق العالمية تجعل البلدان
النامية تخسر فرصاً اقتصادية تبلغ قيمتها نحو 500 مليار دولار
سنوياً. وتواجه المنتوجات ذات القيمة المضافة للجنوب عوائق تحول
دون وصولها إلى أسواق الشمال بسبب "النـزعة الحمائية" الآخذة في
التصاعد على شكل حواجز غير جمركية يمكن من خلالها التحايل على
اتفاقات الغات للتعرفات الجمركية والتجارة. وقد قدرت الخسائر
التي تكبدتها بلدان الجنوب عام 1980 من جراء النزعة الحمائية هذه
نحو 55 مليار دولار. حتى إن تجارة السلع الزراعية الأولية فهي
ليست أحسن حالاً، فالثورة العلمية في مجالي الهندسة الوراثية
والتقانة الأحيائية انعكست على القطاع الزراعي في الشمال، وهو
قطاع مدعوم أصلاً إلى الحد الذي يوفر له قدرات تنافسية هائلة
تجاه المنتوجات الزراعية في الجنوب، إذ تقدر قيمة دعم المنتوجات
الزراعية في البلدان الأعضاء في منظمة التعاون والتنمية في
الميدان الاقتصادي نحو 300 مليار دولار سنوياً.
وقد أدّت
زيادة إنتاجية الصنوف عالية الغلة إلى ظهور مشاكل اقتصادية
واجتماعية لدى بلدان الجنوب بسبب عدم قدرة هذه البلدان على توطين
تلك الثورة العلمية والتقانية الحاصلة في مجال الزراعة، بسبب
ارتفاع تكاليف هذه العملية من جهة وبسبب سياسات الاحتكار العلمي
التي تتبع في بلدان الشمال من جهة أخرى، وتحديداً في الولايات
المتحدة التي تضع قوانين تكفل براءة الاختراع في هذا المجال وحق
تملك السلالات الحيوية الجديدة، على الرغم من أن معظم السلالات
المحسنة يعود مصدرها إلى مناطق الجنوب. وبسبب عدم قدرة بلدان
الجنوب على منافسة الإنتاج الأميركي لبعض الزراعات الأساسية،
المدعومة وعالية الجودة، لجأ بعض البلدان التي يقوم اقتصاد
معظمها أصلاً على اقتصاد أحادي الجانب فرضه التقسيم العالمي
للعمل في مراحل سابقة، إلى إجراء تحويلات في السلع الأساسية
المنتجة. وقد قدرت الخسائر التي تكبدتها بلدان الجنوب من موارد
الصادرات بسبب انخفاض أسعار السلع، عشرات المليارات من الدولارات
في الثمانينات.
فضلاً عن ذلك باتت التجارة العالمية حكراً على
الشركات فوق القومية وفروعها الدولية، وهي تتركز أساساً على
التجارة البينية داخل هذه الشركات وتتكثف حركتها بين بلدان
الشمال نفسها، وخصوصاً بعدما جرى تهميش الكثير من اقتصادات بلدان
الجنوب التي تقوم على إنتاج سلع أولية جرى الاستغناء عنها عبر
إيجاد بدائل لها في الشمال.
أما الصناعة في الجنوب فليست
ظروفها أفضل في ظل هذه العولمة الاقتصادية غير المتكافئة. فهي
تواجه عوائق مختلفة معظمها ذو طابع فوق قومي، كالنزعة الحمائية
كذلك في الشمال ضد دخول سلع هذه الصناعات إلى أسواقه، أو كارتفاع
التدفقات الرأسمالية الصافية إلى الخارج، أو كزيادة أعباء الديون
الخارجية التي كثيراً ما استخدمت كأدوات إخضاع سياسي وتكيف هيكلي
من قبل دول الشمال والمؤسسات الدولية الخاضعة لها.4 -
سوء التوزيع عالمياً
في إطار هذه المنظومة العالمية
نجد هناك تفاوتاً هائلاً في توزيع الثروة والغذاء. وهذا التفاوت
آخذ في التزايد مع تعمق ظاهرة العولمة. حتى إن ما يجري الحديث
عنه حول الفقر والجوع الذي يحيط بمئات الملايين من سكان الجنوب
فهو ليس ناتجاً من عدم توافر الغذاء الكافي لهؤلاء بقدر ما هو
ناتج من سوء توزيع هذا الغذاء عالمياً، ومن نقص القدرة الشرائية
لدى الكثير من سكان الجنوب. فالعالم ينتج من الغذاء ما يكفي
لتزويد كل شخص فيه نحو 2500 سعرة حرارية يومياً، وهي كمية تفوق
الحد الأدنى المطلوب لحياة الإنسان. في حين قدرت مصادر أخرى أن
العالم أخذ ينتج من الغذاء منذ مطلع الثمانينات ما يكفي لإطعام
10 مليارات نسمة. وقد انتج العالم في أواخر الثمانينات غذاء أكثر
من أي وقت مضى، فارتفع إنتاج الحبوب بين عامي 1950 و1985 من 700
مليون طن إلى 1800 مليون طن، أي بمعدل سنوي يبلغ 2.7 في المئة،
ومع ذلك فقد تراجع معدل توافر الأغذية للفرد في بلدان الجنوب في
الثمانينات عما كان عليه في السبعينات والستينات. وفي الوقت الذي
يزداد عدد الجياع في العالم نرى أن الانتاج العالمي من اللحوم
يزيد من نحو مليوني طن عام 1950 إلى ما يزيد على 11 مليون طن عام
1984.
وفي الوقت الذي يتعدى الذين يعانون الجوع المليار نسمة
في العالم نجد هناك صعوبة متزايدة لدى بلدان الشمال في تصريف
فائض إنتاجها الغذائي، الأمر الذي يؤدي إلى هبوط أسعار بعض السلع
الرئيسية بالنسبة إلى اقتصادات بعض البلدان النامية. وقد ارتفعت
مبيعات الولايات المتحدة من الحبوب مثلاً، من 6 مليارات دولار
عام 1969 إلى 44 مليار دولار عام 1981 فضلاً عن نحو 18 مليار
دولار تأتيها من مبيعات الأغذية المعلبة المحفوظة.
وليس
الأمر على مستوى استهلاك الوقود أحسن حالاً. فسكان الولايات
المتحدة الذين يمثلون 4 في المئة من سكان الأرض يستهلكون نحو 25
في المئة من وقود العالم. وإذا ما أخذنا في الحسبان التفاوت داخل
الولايات المتحدة نفسها نجد ان هذه النسبة ترتفع أكثر من ذلك لدى
أقلية من سكان هذا البلد. ويبلغ معدل استهلاك المواطن الأميركي
من الطاقة قياساً على نظيره البرازيلي نحو 15 ضعفاً، وهو يستهلك
من المياه المستخدمة في المنازل نحو 70 ضعف ما يستهلكه المواطن
في غانا. وفي عام 1990 كان هناك نحو 1.3 مليار مواطن في الجنوب
لا يحصلون على مياه نقية. وهناك 26 بلداً في العالم ليس لديها
موارد مياه متجددة داخل أراضيها تكفي لمواجهة حاجات مجتمع متوسط
النمو مع حجم سكانها الحالي. في حين ان معدل استهلاك الفرد من
الطاقة في بلدان الشمال عموماً قياساً على بلدان الساحل الأفريقي
يبلغ نحو 80 ضعفاً. هذا وتستهلك البلدان الصناعية معظم الإنتاج
العالمي من المعادن والوقود الاحفوري ومعظم الموارد العالمية غير
المتجددة. وقد بلغت هذه النسبة في أوائل التسعينات نحو 70 في
المئة من مصادر الطاقة العالمية و75 في المئة من المعادن و85 في
المئة من الأخشاب. وفي المقابل، فقد أنتجت هذه البلدان نحو 4
أخماس النفايات والملوثات المنتجة في العالم.
فضلاً عن ذلك،
تستحوذ بلدان الشمال على نحو 80 في المئة من مجموع الرساميل
الموظفة في العالم، مقابل 2 في المئة موظفة في القارة الأفريقية
و18 في المئة في بقية بلدان الجنوب. وخلال العقود الخمسة الماضية
زاد الدخل العالمي 7 مرات، وارتفع نصيب الفرد من الدخل أكثر من
ثلاثة أضعاف. لكن هذا الارتفاع لم يكن متوازناً طبعاً، حيث ترافق
مع زيادة في نسبة التفاوت في التوزيع، إذ بين عامي 1960 و1990،
ارتفعت حصة أغنى 20 في المئة في العالم من 70 في المئة من الدخل
العالمي إلى 85 في المئة مقابل انخفاض حصة أفقر 20 في المئة من
2.3 في المئة من ذلك الدخل إلى 1.4 في المئة. أما على صعيد
البلدان النامية التي تمثل نحو 77 في المئة من سكان العالم، فهي
لا تحصل إلا على 15 في المئة من الدخل العالمي. ويبلغ متوسط
الناتج القومي الإجمالي للفرد في بلدان الشمال نحو 18 ضعف نظيره
في بلدان الجنوب.
حتى إن هذا التفاوت فهو يشمل متوسط العمر،
إذ يتجاوز العمر المتوقع عند الوفاة في بلدان الشمال نحو 73 سنة
مقابل 60 سنة في بلدان الجنوب. في حين ينخفض متوسط هذا العمر لدى
أفقر 20 في المئة من سكان العالم إلى نحو 43 عاماً فقط. كما أن
عدد الأطفال الذين يموتون نتيجة المجاعة والاسهال والأمراض التي
يسهل الوقاية منها يبلغ نحو 37000 طفل يومياً. ويزيد معدل وفيات
الأمهات في بلدان الجنوب نحو 18 ضعفاً على ما هو عليه في بلدان
الشمال.
هذا وفي الوقت الذي يوجد في العالم نحو 300 ملياردير
وأكثر من 4 ملايين مليونير (قياساً على الدولار الأميركي طبعاً )
هناك ما لا يقل عن 100 مليون شخص بلا مأوى، في حين بلغ عدد الذين
يعيشون في أحياء فقيرة أو في مدن من الأكواخ عام 1990 نحو 450
مليون نسمة.
ويكبر هول المفارقة حين نعلم ان قيمة مبيعات
السلع الفاخرة في العالم (كالأزياء الراقية والسيارات الفخمة
وغيرها من مظاهر الثراء والبذخ) تفوق النواتج المحلية الوطنية
لثلثي بلدان العالم. ويمثل معدل دخل أغنى خمس من سكان الأرض نحو
150 مرة أكثر من دخل أفقر خمس من السكان.
وفي الوقت الذي
يتمتع سكان الشمال بمعدل طبيب لكل 400 شخص يوجد لدى سكان الجنوب
طبيب واحد لكل 7000 شخص.5 - الديون
الخارجية
لقد تضاعف نمو الدين الخارجي لبلدان الجنوب
خلال العقدين الماضيين نحو 15 مرة. فارتفع من 100 مليار دولار
عام 1970 إلى نحو 650 مليار دولار عام 1980 ثم إلى أكثر من 1500
مليار دولار عام 1992، إذ بلغت قيمة رسوم خدمة هذه الديون فيه
نحو 160 مليار دولار، الأمر الذي جعل البلدان المدينة عاجزة عن
تسديد ديونها إلا عبر مضاعفة صادراتها المرتكزة أساساً على السلع
الأولية، الأمر الذي كان ينعكس مزيداً من إجهاد البيئة وتناقصاً
مضاعفاً في مستويات المعيشة لديها. وهذا ما يجعل شروط حماية
البيئة لدى البلدان الفقيرة تعجيزية في ظل منظومة العلاقات
الاقتصادية العالمية السائدة.
ارتفعت خدمة الديون في البلدان
الأفريقية المحاذية للصحراء من نسبة 10 في المئة من إيرادات
التصدير لديها عام 1981 إلى نسبة 30 في المئة من هذه الإيرادات
عام 1986. كما بلغت تحويلات خدمة الديون في 7 بلدان في أميركا
اللاتينية نحو 39 مليار دولار عام 1984، وهي تمثل نحو 6 في المئة
من إجمالي الناتج المحلي لهذه البلدان ونحو 40 في المئة من
إيرادات الصادرات. وباتت دول أميركا اللاتينية تستخدم مواردها
الطبيعية من أجل خدمة أعباء ديونها بدلاً من استخدامها في مشاريع
التنمية.
وفي الوقت نفسه تخسر بلدان الجنوب سنوياً نحو 40
مليار دولار من جراء انخفاض أسعار المواد الخام. وقد تبين من
خلال مسألة الديون الخارجية، على حد تعبير فؤاد مرسي، أن الدول
الفقيرة هي التي تمول الدول الغنية وأن الذين يتحملون أعباء
الديون في بلدان الجنوب هم الفقراء. من جهة أخرى، مثلت الدول
المدينة مخرجاً لأزمة فائض الأموال السائلة لدى بلدان الشمال
التي ليست لديها القدرة على استيعاب هذا الفائض في
الاستثمار.6 - التكيف الهيكلي
هذه الأزمة وضعت
البلدان المدينة في حلقة مفرغة، إذ إن تزايد أعباء خدمة ديونها
كان يدفع بها إلى طلب المزيد من الديون الخارجية التي أخضعتها
بدورها لشروط برامج التكيف الهيكلي المفروضة من قبل صندوق النقد
الدولي والبنك الدولي، اللذين جعلا اقتصادات البلدان المدينة
بمثابة حقول تجارب لوصفات اقتصادية مختلفة كثيراً ما كان يثبت
عدم جدواها بل آثارها السلبية في مختلف الصعد الاقتصادية
والاجتماعية والسياسية في معظم البلدان المدينة. وباتت برامج
التكيف الهيكلي، كما يذكر رمزي زكي، وسيلة أساسية لتطويع وتكييف
البلدان المدينة ذات الأوضاع الحرجة لضمان انفتاحها على الاقتصاد
الرأسمالي العالمي وخلق بيئة استثمارية مناسبة تؤدي إلى زيادة
معدل الربح أمام الاستثمارات الأجنبية المباشرة وبالشروط التي
يضعها رأس المال العالمي.
ولم تحقق برامج التكيف الهيكلي
فعلاً أي تحسن في اقتصادات الدول الآخذة فيها. ففي 33 دولة
أفريقية خضعت لبرامج التكيف هذه في الثمانينات كانت النتيجة
انخفاضاً مستمراً في إجمالي الناتج المحلي وانتاج الغذاء، فضلاً
عن انخفاض معدل الإنفاق الاجتماعي وزيادة عدد الذين يعانون الفقر
والجوع بمعدل 17 في المئة. ومن اللافت للنظر انه في الوقت الذي
كانت هذه البرامج تفرض تخفيضات كبيرة على مستوى الإنفاق
الاجتماعي فهي لم تفرض أي تخفيضات على مستوى الإنفاق العسكري، بل
على العكس، فقد ارتفع مستوى الإنفاق العسكري في بعض البلدان
الخاضعة لبرامج التكيف هذه.
يبقى أن أهم المؤثرات التي تعرضت
لها البلدان الآخذة في برامج التكيف الهيكلي، هو ان عملية صنع
السياسات الاقتصادية والاجتماعية على مستوى الدولة القومية،
وخيارات التنمية فيها، لم تعد بيدها، بعدما وضعت اقتصاداتها تحت
وصاية "إدارة مركزية خارجية"، فانتقلت عملية صنع القرار
الاقتصادي والسياسات الاجتماعية من مستواها الوطني أو القومي إلى
المستوى فوق القومي، وهذا يمثل أحد مؤشرات العولمة الاقتصادية
غير المتكافئة التي تشهد مزيداً التعمق.7 -
الليبرالية المبتورة
يبقى أن نشير
إلى أن هذه العولمة الاقتصادية تقوم على ليبرالية مبتورة تساهم
في تعميق الهوة بين الشمال والجنوب. فالدعائم الثلاث التي تقوم
عليها هذه الليبرالية، أي حرية انتقال السلع والرساميل والأشخاص،
ما زالت تختزل دون حرية انتقال الأشخاص. فالعمالة لا تملك الحرية
في الانتقال، باستثناء العمالة عالية الكفاءة وذات القيمة
المضافة العالية، كالمحامين والأطباء ومهندسي التقانة الأحيائية
والمحررين الاقتصاديين ومصممي برامج الكومبيوتر والمخططين
الاستراتيجيين والعلماء. وهذا بدوره يمثل انتقاء للعمالة يفقد
بلدان الجنوب الكفاءات والأدمغة الضرورية لتحقيق أي مشاريع تنمية
ناجحة - وفق المقاييس السائدة - في هذه البلدان. وفي هذا السياق
مثلاً، فقدت أفريقيا بين عامي 1985 و1990 نحو 60 ألف مدير من
المستويين المتوسط والعالي. ومع ذلك، فإن بلدان الجنوب الأكثر
فقراً والأكثر تزايداً للسكان هي ليست المصدر الأساسي لانتقال
العمالة إلى الشمال، إذ حتى أواخر الثمانينات كان معظم العمالة
المنتقلة إلى الشمال هي من بلدان أميركا اللاتينية وشرق آسيا
وجنوب
شرقها