English Version خريطة الموقعسجل عنوانكالجديد

المنشورات الدوريةالأبعاد
 
أبعـــــــاد
العدد الثالث: أيار/ مايو 1995

افتتاحية بول سالم: مفاهيم القومية والحالة العربية (ص 4 - 15)
بعد أكثر من 75 عاماً على مراسلات حسين - مكماهون واتفاقية سايكس - بيكو، والثورة العربية وانهيار الامبراطورية العثمانية، وبعد نصف قرن على نهاية الحرب العالمية الثانية، وانهيار القوتين الاستعماريتين الفرنسية والبريطانية، وبعد نيل 21 دولة عربية الواحدة تلو الأخرى استقلالها، بات من المستحسن ان نعيد النظر في مسألة القومية: جذورها، ظروف نشأتها، تطورها، التحديات التي تواجهها، شروط تجديدها، وموقعها في ظل التطورات الإقليمية والدولية ...
وعلى الرغم من بروز ظاهرة القومية في مجرى السياسة العالمية خلال القرنين الماضيين فهي لا تزال ظاهرة سياسية - اجتماعية غير مفهومة بصورة واضحة. في أوروبا بدأت المحاولات الأولى لتحليل ظاهرة القومية من قبل جون ستيوارت ميل وارنست رينان، ومن ثم توسع في التحليل كل من كارل كاوتسكي، واوتو بوير، وفلاديمير ايليتش لينين، وجوزيف ستالين، وكارلتون هاينـز، وهانز كون وكارل دويتش وآخرين. ومن بين المحاولات الأخيرة ثمة مساهمات قيمة لكل من ا.ج. هوبسبوم، وبنديكت اندرسون، وارنست جيلنر.
أما في العالم العربي فان الاهتمام بالقومية وجد افضل تعبير عنه في كتابات ساطع الحصري وميشال عفلق اللذين وفرا القاعدة النظرية للقومية العربية. وذلك إلى جانب كتابات أخرى لأنطون سعادة في القومية السورية وأحمد لطفي السيد في القومية المصرية. وعلى الرغم من النكسات المتتابعة على المستوى السياسي فان الاهتمام بالقومية العربية، وخصوصاً في أوساط المثقفين، بقي مستمراً.

مفاهيم القومية
لعل التعريف الأكثر مباشرة للقومية هو لجيلنر الذي يرى أن القومية "هي أساساً مبدأ سياسي يقوم على ضرورة التطابق بين الوحدة السياسية والوحدة القومية". وتعرّف القومية في شكلها الأحدث والأكثر انتشاراً الأمة انطلاقاً من أسس علمانية وثقافية، وهي تساوي بين الأمة و/أو بين مجموعة من الناس يملكون لغة مشتركة وبالتالي يتشاركون في عناصر من تقاليد ثقافية شفهية و/أو كتابية مشتركة تعرفهم وتمكنهم من تأليف وحدة سياسية مستقلة وموحدة. ويفترض أن هذا هو ما وضع الأطر للدول القومية القوية في أوروبا، ويفترض أن يكون أيضاً قاعدة تكوين الدول في سائر أنحاء العالم. ويفترض أيضاً أنه ليس هناك من طريقة أخرى لتنظيم الحياة السياسية الحديثة سواء على المستوى الداخلي أم على المستوى العالمي.
لكنه من المهم أن نلاحظ أن التاريخ لم يشهد إلا نادراً حالات تطابق بين المجموعات اللغوية "القومية" وبين الوحدات السياسية. فهو شهد في أكثر العصور مستويين من التنظيم السياسي: المستوى المحلي والمستوى الإمبراطوري. ففي المستوى الأول كان التنظيم السياسي يقوم على قاعدة القبيلة أو القرية أو المدينة أو الملة الدينية؛ أما على المستوى الأشمل فكان التنظيم السياسي يتم في أكثر الأحيان من خلال قوة عسكرية مركزية لا تهتم بمعظم الشؤون الداخلية بل تعمد إلى استخراج الريع للحفاظ على إمبراطوريتها الكبيرة. وعلى الرغم من ان بعض هذه الإمبراطوريات قد اكتسب زخمه على مستوى النخب الحاكمة من روابط اللغة والثقافة (كالإمبراطوريات الفارسية واليونانية والرومانية) أو الدين (كالإمبراطوريتين البيزنطية والإسلامية)، إلا ان أيا منها لم يحدد حدود إمبراطوريته على قاعدة لغوية. وبكلمات أخرى، فان نمط التنظيم السياسي في التاريخ كان يتألف إما من وحدات سياسية اصغر كثيراً من المجموعة اللغوية أو أكبر كثيراً منها. ونادراً ما نجد وحدة سياسية تتطابق مع المجموعة اللغوية.
ومن المهم أن نلاحظ أننا نجد حتى في العصور الحديثة، حيث باتت القومية الثقافية قوة ايديولوجية وتنظيمية قوية، أشكالاً مختلفة عدة من الدولة - اللغة. فمن (الدولة الواحدة/ اللغة الواحدة) كما في (إيطاليا/ اللغة الإيطالية) إلى (اللغة الواحدة/ دول عدة) مثل (الإنجليزية/ المملكة المتحدة والولايات المتحدة واستراليا ونيوزيلندا) و(الألمانية/ ألمانيا والنمسا) و (الإسبانية/ إسبانيا والأرجنتين والتشيلي وكولومبيا وفنزويلا والباراغواي والاورغواي وكوستاريكا وغواتيمالا والسلفادور والمكسيك ...الخ) و(العربية/ المغرب والجزائر وتونس وليبيا ومصر وسوريا والأردن ... الخ)، إلى (اللغات المتعددة في الدولة الواحدة) مثل (كندا والهند والاتحاد السوفياتي السابق وماليزيا وإندونيسيا وسويسرا وبلجيكا ونيجيريا وناميبيا والسنغال وجنوب أفريقيا ... الخ). وبكلمات أخرى فانه على الرغم من نجاح صيغة (الدولة الواحدة/ اللغة الواحدة) وخصوصاً في بعض أنحاء أوروبا وشرق آسيا إلا أنها لم تكن الصيغة الناجحة الوحيدة أو الأساس الوحيد لرسم حدود الدولة القومية الحديثة.
ولكننا لا يمكن أن ننكر أن ظاهرة القومية اللغوية والثقافية كانت قوة فاعلة في السياسة الحديثة في غير مكان من العالم، وبالتالي فانه يتعين علينا ان نذكر بعض الاتجاهات أو المدارس الفكرية وطرائق فهمها للظاهرة القومية في العالم.

القومية والديمقراطية
يربط البعض بين بروز الظاهرة القومية والنزعة الشعبوية للثورة الفرنسية وغيرهما من التيارات الديمقراطية في الغرب. فإلى تأثيرها في دوائر عدة أخرى، يقول هؤلاء ان الثورة الفرنسية أثرت بصورة عميقة في التفكير السياسي في أوروبا. فلقد قام الثوريون الفرنسيون عبر تدميرهم للنظام السياسي القديم وإقامة نظام جديد بإعلان سلطة الشعب فوق سلطة الملك والأسرة المالكة والنبلاء. وباتت السيادة متجسدة في الشعب أو الأمة. وبالتالي أصبح من الضروري ان يحدد بوضوح من هو الشعب/ الأمة (بدلاً من تعريفهم القديم كرعايا ملك فرنسا)، وهكذا فمع مفهوم سيادة الشعب بات لا بد من أن يفهم الشعب على انه جسم موحد ومنسجم. وأخذ ينظر إلى العامل التوحيدي للغة الفرنسية وللثقافة التي تحملها بوصفه العنصر الموحد للأمة، وكذلك أصبح الإيمان بوحدة الأوروبيين الناطقين الفرنسية بوصفهم أمة تستحق ان تكون ذات سيادة في دولتها الخاصة جزءاً لا يتجزأ من ايديولوجية الثورة الفرنسية.
لقد أدّت الثورة على الملكية والنبلاء في فرنسا في النهاية إلى حركات مماثلة في أنحاء أوروبا، وبمطالبتها في حق الشعب ان يحكم نفسه بنفسه لا أن يكون محكوماً من العائلات المالكة أو النبلاء، اعتمد العديد من الثورات في القرن التاسع عشر، أي قبل ظهور الفكر الماركسي والشيوعية، على الفكر القومي - اللغوي للثورة الفرنسية. ولقد ساد منطق مماثل في العالم الثالث في القرن العشرين، حين كان الثوريون المحليون يحاولون أن يتخلصوا من الحكم الاستعماري/ الإمبريالي وأعوانه المحليين فأكدوا حق الشعب/ الأمة، الذي غالباً ما كان يستند في تعريفه إلى الأساس الثقافي/ اللغوي، في أن يحكم نفسه. فمن هذا المنظار يمكن ربط تنامي الفكر القومي بتنامي المفهوم الديمقراطي للحياة السياسية الذي يجعل من الشعب العنصر الأساسي في النظرية السياسية.

القومية والتحديث
هناك أيضاً خط فكري آخر يربط بين ظاهرة القومية وعمليات التحديث، وبحسب هذا المنهج فان التقدم في المواصلات والاتصالات والطباعة والتعليم قد قوض الولاءات المحلية والعائلية والقروية لمصلحة الشعور بالانتماء إلى مجتمع أكبر يتزايد التفاعل والاعتماد المتبادل معه. ان تنميط التعليم في ظل سلطة الدولة ومكننة الطباعة يقويان بدورهما من انتشار لغة قومية واحدة على حساب اللهجات و/أو اللغات المحلية، وهي تنشئ بالتالي قاعدة مشتركة للاتصالات والانتماءات. ويرى منظرو هذه المدرسة ان عمليات التحديث جلبت معها تماهياً متزايداً بمجتمع أكبر إضافة إلى التماهي مع الثقافة و اللغة ومع تسيسهما.

القومية والعلمانية
يقول آخرون ان عمليات التحديث تتضمّن أيضاً نشوء صراع حتمي بين النخب القديمة المستندة إلى التقاليد والدين وبين النخب الجديدة التي تستمد سلطتها من الفكر الحديث ومن ادعائها أنها قادرة على قيادة بلادها في اتجاهات جديدة. وهذه النخب تشعر بالاغتراب من تقاليدها وتبتعد من المعتقدات والممارسات الدينية. ولكي تتمكن هذه النخب من تقويض النخب التقليدية وإنشاء قاعدة سلطة فهي غالباً ما تروج لأيديولوجية قومية علمانية تبرر خلع النخب القديمة وتوفر للنخب الجديدة دوراً وموقعاً مركزيين. وتكمن العلاقة بين العلمانية والقومية في نشوء حاجات نفسية ورمزية جديدة لا بد من توفيرها مع انهيار الأسس التقليدية والدينية للتنظيم السياسي والشرعية. وهذه الحاجات البديلة غالباً ما تكون عبارة عن إدراك جديد للحقوق السياسية والسلطة على قاعدة حق الشعوب الطبيعي في ان تحكم نفسها. وفي ظل هذا الفهم الجديد لا يعود الدين يملك دوراً مركزياً في إضفاء الشرعية. أي ان هذه الرؤية هي أساساً رؤية علمانية، وان الظاهرة القومية هنا مرتبطة باندثار الرؤية الدينية للعالم والمجتمع وظهور الرؤية العلمانية التي تحتاج إلى الفكر القومي لتحديد مشروعها السياسي.

القومية وصراع الطبقات
وجد الماركسيون صعوبة في التعامل مع القومية، وقد تبنت المقاربة الماركسية التقليدية إدانة القومية بوصفها مؤامرة برجوازية تهدف إلى إقناع الطبقة العاملة بأنها تشترك والطبقة الرأسمالية في مصلحة قومية مشتركة تتجاوز أي صراع طبقي وتتخطى أي مصلحة للطبقة العاملة المحلية مع الطبقات العاملة في القوميات الأخرى. أما في نظرية الإمبريالية فقد عمد الماركسيون أيضاً إلى إدانة القومية بوصفها الوهم الذي عبأ الملايين من العمال للدخول في جيوش برجوازيات الدول الصناعية الأوروبية الساعية لفتح أسواق جديدة والسيطرة على مصادر المواد الخام في أنحاء العالم. إلا ان الاتحاد السوفياتي ما لبث ان اكتشف حين بدأ يوسع نفوذه في العالم الثالث ان القومية هي السلاح الأمضى في مواجهة السيطرة الكولونيالية الغربية. وكذلك وجد السوفيات، وخصوصاً ستالين، انه لا توجد وسيلة أخرى تمكنهم من تفادي الاعتراف بالهويات والانتماءات القومية وحتى في داخل الاتحاد السوفياتي نفسه. وقد اعتمد الاتحاد السوفياتيسياسة مؤيدة على وجه الإجمال للقوميات في العالم الثالث وذلك على الرغم من تذبذب سياسته في ما إذا كان ينبغي تأييد الطبقة العاملة وحدها أم ينبغي أيضاً ان يشمل هذا التأييد البرجوازية الصغيرة التي هي غالباً في طليعة النضال القومي المناهض للاستعمار لكنها تكون في العادة على خلاف مع الطبقة العاملة، وبصورة عامة ان الحركات الماركسية في العالم الثالث باذكائها الهجوم على التقليد والدين وبتقويتها الهجوم على الاستعمار والنـزوع إلى الاستقلال إنما قامت بتقوية القومية والأيديولوجية القومية.

أنواع القوميات
يشير البعض إلى ان تعريف القومية بوصفها الرغبة في تطابق حدود الأمة والدولة يطرح سؤالاً مهماً يتعلق بأيهما يأتي أولاً: الأمة أم الدولة. وبتعبير آخر: إلى أي حد يرتبط قيام مجموعة من الناس (أمة) يتحدثون اللغة نفسها ويشتركون في الرغبة في العيش معاً في إطار دولة واحدة بوجود أداة للتنظيم الاجتماعي (دولة)، فهل أمكن فرنسا أن تكون أمة اليوم لولا جهود بناة الدولة الفرنسية من شارلمان إلى الملوك الفرنسيين؟ وهل كانت روسيا لتكون أمة اليوم لولا جهود بطرس الأكبر وغيره من القياصرة؟ وهل كانت إيطاليا لتكون أمة اليوم لولا جهود مازيني وغاريبالدي؟ فبقدر ما يتملك الحكام والنخب من نفوذ على التعليم والثقافة والإعلام والحياة الاجتماعية والسياسية يكون لديهم نفوذ على تكوُّن القوى التي تؤثر في سقوط بعض القوميات وصعود قوميات أخرى.
ولكن لعل الأهم من ذلك كله هو ان هناك نموذجين من المشاعر القومية في العالم: النموذج المرتبط كلياً بشعب أو عرق أو مجموعة إثنية أو ثقافية والنموذج المرتبط بالدولة. وتنتمي القومية العربية مثلها مثل القوميتين الألمانية والإيطالية في مراحلها الأولى إلى النموذج الأول. ولكن في العديد من أشكال القومية تتراجع فكرة الشعب على نحو ملموس لمصلحة فكرة الانتماء إلى دولة ما مؤلفة من اجتماع عناصر الأرض والشعب والحكومة، كما هي الحال في كل القوميات في أميركا بما في ذلك الولايات المتحدة وكندا والمكسيك وغواتيمالا وهندوراس وكوستاريكا وفنزويلا وبوليفيا والبرازيل والتشيلي والأرجنتين ... الخ، وكذلك معظم دول إفريقيا جنوب الصحراء كانغولا وزامبيا وموزمبيق وزيمبابوي ... الخ.
وهذا هو النوع من الوطنية الذي نجده في الدول العربية الافرادية، حيث نجد ان الناس يشعرون بشيء من الولاء لدولهم المحلية حتى في ظل غياب أيديولوجية محلية متطورة. والنقطة التي يجدر الانتباه إليها هنا هي انه بينما برهنت القومية الثقافية تاريخياً عن قوتها في تفكيك الدول وإقامة دول أخرى مكانها، فان هناك دولاً قد برهنت عن قدرتها على خلق مشاعر الانتماء إليها ، وقد برهنت هذه المشاعر في الكثير من الحالات عن كونها مماثلة في قوتها لمشاعر القومية الثقافية. ان الصراع في داخل العالم العربي بين هذين النوعين من الانتماء يكمن في صلب الصراع بين القومية العربية والوطنيات المحلية.

القومية في العالم العربي
إن القومية في العالم العربي ظاهرة حديثة. صحيح انه كانت هناك في التاريخ العربي/ الإسلامي عناصر وعي واعتزاز بالهوية العربية، ناتجة أساساً من مركزية العرب في الرسالة الإسلامية ومن النجاحات التي أحرزها العرب في السنوات الأولى من الفتح الإسلامي، إلا أن هذه العزة القومية العربية لم تترجم نفسها إلى الرغبة في قيام دولة محض عربية، حتى بعدما ازداد التوتر مع الفرس واليونان والهنود وغيرهم من المجموعات الثقافية في اثر توسع الدولة الإسلامية. وقد أطلق على الميل نحو التجمعات القومية صفة الشعوبية وأدينت بوصفها أداة تخريبية للدين القويم ولوحدة الأمة الإسلامية.
أما في العصور الحديثة فقد ظهرت النزعة القومية أولاً في مصر عقب غزو نابليون لمصر وما حمله من احتكاك مفاجئ بحضارة أوروبا وفكرها. فسعى محمد علي لإعادة بناء مصر على نمط الدولة الأوروبية وأرسل البعثات التعليمية إلى باريس ولندن لكي تدرس النماذج الغربية. ومن بين أبرز أعضاء هذه المجموعات الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي الذي أدرك ان الوطنية - أو الحماسة الشعبية لمصالح الدولة والأمة - هي أحد العناصر الأساسية في نجاح الدول الأوروبية. وقد رأى الطهطاوي والعديد ممن تبعوه ان الأمة تعني ببساطة مصر، إذ لم يكن مفهوم القومية العربية قد تبلور بعد. وقد نما الإدراك بأهمية المشاعر القومية المصرية بين النخب الجديدة في القاهرة والإسكندرية. وحين ازداد التوتر مع القوى الغربية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر قامت مجموعة من الضباط على رأسهم احمد عرابي بقيادة ما يمكن عدّه الثورة القومية/الوطنية الحقيقية الأولى في العالم العربي الحديث. وقامت هذه الثورة تحت شعار مصر للمصريين. ثم قامت ثورة أخرى عام 1919 وتبعتها ثورة ثالثة عام 1952 قامت بخلع الملكية وجاءت بتنظيم الضباط الأحرار وجمال عبد الناصر إلى الحكم.
وفيما سعى عبد الناصر لإبعاد نفسه من فكرة القومية المصرية لحزب الوفد وفي اثر نمو الأيديولوجية القومية العربية في المشرق العربي، قام عبد الناصر بتبني وجهة نظر القومية العربية، ولم يؤثر عبد الناصر في عدد كبير من المصريين في اتجاه حملهم على تبني القومية العربية فحسب ولكنه ما لبث أيضاً ان تحول إلى التجسيد الحي للقومية العربية بالنسبة إلى الكثير من العرب في المغرب والمشرق العربيين وفي الجزيرة العربية. وبعد وفاة عبد الناصر كان على القومية العربية في مصر ان تتنافس مع الخصوصية المصرية التي عادت إلى الظهور مع السادات وغيره من أعضاء النخبة الحاكمة، فضلاً عن الحركة الإسلامية الناشطة التي حجبت المسألة القومية وطرحت أسئلة تتعلق بمحتوى ومضمون الحكم والقانون.
أما في بلدان المشرق العربي فقد بدأت المشاعر القومية العربية بالظهور في أواخر القرن التاسع عشر بعد إصلاحات التنظيمات الليبرالية (1839 - 1878) في الإمبراطورية العثمانية. وحتى نشوب الحرب العالمية الأولى لم يتخط التيار العروبي حدود الدعوة إلى مستوى معين من اللامركزية في إطار الإمبراطورية العثمانية وحماية استخدام اللغة العربية في المدارس في وجه تزايد ضغط استانبول لاستخدام اللغة التركية. وفي ذلك الوقت لم يكن أحد يفكر جدياً في قيام دولة عربية مستقلة عن العثمانيين بصورة كاملة.
إلا ان ذلك تغير مع بداية الحرب العالمية الأولى حين اصبح واضحاً ان الإمبراطورية العثمانية سوف تنهزم وتتفكك، فقام الشريف حسين بقيادة التمرد الذي دعمه الإنكليز ضد العثمانيين وجمع حوله ضباطاً عرباً عثمانيين في أراضي العراق وسوريا وفلسطين، وألّف حكومة عربية بزعامة ابنه الملك فيصل في دمشق. وأدى رفض الفرنسيين القبول بالمملكة العربية الجديدة، إضافة إلى ما نصت عليه اتفاقية سايكس - بيكو، إلى قيام الفرنسيين بهجوم مسلح على قوات الملك فيصل في ميسلون، فهزم فيصل ودخلت القوات الفرنسية دمشق مفتتحة عهد الانتداب الفرنسي في المنطقة.
وجاءت الهزيمة في ميسلون والتقسيم البريطاني والفرنسي للولايات العثمانية السابقة في المشرق العربي إلى دولتين منفصلتين ليمثلا في فترة ما بين الحربين بؤرة المشاعر العروبية المناهضة للاستعمار ولتوافر القاعدة لنمو مشاعر قومية عربية قوية في دول المشرق ما لبثت ان اكتسبت زخماً هائلاً بعد خسارة فلسطين وقيام دولة إسرائيل عقب الحرب العالمية الثانية. وقد كان حزب البعث أكثر من نجح في الإفادة من هذه المشاعر، وما لبث ان استولى على السلطة في سوريا والعراق. ولكن الحدود التي رسمها الإنكليز والفرنسيون للدول العربية لا تزال قائمة، والدول التي ظهرت داخل هذه الحدود استطاعت في معظم الحالات ان تصبح دولاً قوية وقادرة على البقاء والاستمرار. وكما هي الحال في مصر فان هناك مشاعر مختلطة في المشرق ما بين القومية العربية والخصوصية القطرية والإسلام الناهض.
وكان هناك تحديان أيديولوجيان للقومية العربية في المشرق يتمثلان بالقومية السورية لأنطون سعادة والقومية اللبنانية لميشال شيحا. وقد تجسدت القومية السورية في الحزب السوري القومي الاجتماعي، إلا أنها لم تستطع الوصول إلى السلطة في حين ان بعض أفكار قومية ميشال شيحا عرف طريقه إلى الدستور اللبناني وبعض أعضاء النخب الاقتصادية والسياسية. إلا ان التوتر بين القومية العربية والقومية اللبنانية ما لبث ان تحول في النهاية إلى أحد عناصر التناحر في لبنان وساعد على استقطاب المجتمع اللبناني عشية اندلاع الحرب الأهلية عام 1975.
أما في الجزيرة العربية فان الهويات والاهتمامات القبلية والدينية قد طغت بوجه عام على مسألة القومية، ففي دولة ابن سعود الوهابية كانت السلطة ولا تزال محكومة بالعصبية العائلية ويقوم نظامها الاجتماعي - القانوني على قاعدة الدين، وهي في كلا الحالين معادية للصيغ القومية العلمانية. وكذلك الأمر في سلطنة عمان التي لها أسرتها الحاكمة ومنطقها العبادي. وينطبق الأمر نفسه على مشيخات الخليج الصغيرة التي، إضافة إلى بنية حكمها الأسرية، تنشغل بمصالحها النفطية والتجارية إلى حد لا يسمح لها بأخذ المشاريع القومية الكبرى على نحو جدي. وفي الواقع فان الكثير من البلدان العربية الصغيرة الغنية بالنفط تنظر إلى القومية العربية نظرة ارتياب بوصفها تمثل غطاء ترمي من خلاله الدول العربية الكبيرة والفقيرة إلى مشاركتها الأرباح في ما تعده الدول الغنية الصغيرة "نفطها" الخاص.
أما في اليمن فان الوضع مختلف إلى حد ما. فمعاناة عدن الاستعمار، فضلاً عن الانقسامات الداخلية والضغط السعودي، أدى إلى نشوء حركة علمانية يسارية قوية أنشأت علاقات وثيقة مع عبد الناصر والاتحاد السوفياتي، ونما فيها تيار قومي عربي قوي تولى عدد من قادته مناصب حكومية في البلاد.
وفي بلدان المغرب العربي فان النضال في سبيل الاستقلال والتحرر من الاحتلالين الفرنسي والإيطالي ولد حركات وطنية قوية. ولكن على الرغم من وجود مكون عربي في هذه الحركات، وخصوصاً في الجزائر وليبيا، فهو لم يكن بقوة نظيره في بلدان المشرق العربي وذلك لأسباب عدة منها:
أولاً: مسألة الحدود في بلدان المغرب العربي، هيبخلاف الحدود في بلدان المشرق لم تكن بذات أهمية، إذ إن كل من المغرب والجزائر وتونس كانت عبارة عن وحدات اجتماعية - سياسية شبه منفصلة رسمت حدودها بصورة واضحة منذ قرون. أما في ليبيا فالمسألة كانت عبارة عن توحيد محافظات منفصلة أكثر مما هي سلخ ليبيا من وحدة سياسية أكبر.
ثانياً: كانت بلدان المغرب بعيدة نوعاً ما جغرافياً واجتماعياً من بلدان المشرق، واللهجات المحكية في المغرب غير مفهومة في معظمها من قبل بلدان المشرق والعكس صحيح. كما أن تجربة المغرب مع الحكم العثماني كانت مختلفة تماماً عن التجربة المشرقية، فهي، أي دول المغرب، لم تشترك في الثورة العربية وفي الدولة العربية المقترحة خلال الحرب العالمية الأولى، كما أنها كانت بعيدة جداً من تهديد إسرائيل وتحديها.
ما يتّضح فيما سبق هو ان مفاهيم الظاهرة القومية في العالم متعددة ومختلفة وان للظاهرة القومية في العالم العربي أشكالاً متنوعة.
فنأمل من خلال هذا العدد من أبعاد ان نعيد دراسة مفهوم القومية وان نراجع التجربة القومية في العالم العربي. فما هي أسسها وجذورها؟ وما هي معالمها الرئيسية، وعلاقاتها بالوطنيات المحلية، ومستقبلها في ظل نظام الدول القائم وفي ظل ما يسمى النظام العالمي الجديد ؟


حول المركز

محاور
					
					
					
					
					 الابحاث

الأنشطة

المنشورات

الدراسات

مصادر

مقالات
					
					
					
					
					 الموقع