هيثم الكيلاني: مشروع النظام
الشرق الأوسطي في بُعده الأمني (ص 147 - 171)
نحن
اليوم أمام سؤال كبير يتحدانا، ولم يعد تجاهله أمراً ممكناً. وقد
بدأت صياغة عناصر هذا السؤال منذ هزيمة عام 1967، واستمرت تتكامل
حتى استقر شكلها في إثر حرب الخليج الثانية يوم سكتت مدافعها في
أواخر شهر شباط/فبراير 1991، حتى إذا حلّ خريف ذلك العام، دعينا
إلى مدريد لنستمع إلى ذلك السؤال الذي تجاهلناه ربع قرن من
الزمان.
وفي مدريد، أنشئت هياكل لمؤتمر السلام، وفيها لجان
متعددة الأطراف، تختص كل لجنة بموضوع معين، ومنها لجنة للأمن
والحد من التسلح. وقد أريد لهذه اللجان أن تسوّي الأرض التي
خلفها صراع طال أكثر من أربعة عقود، وتمهدها لاستقبال نظام
إقليمي جديد، اصطلح على تسميته النظام الشرق الأوسطي، ورسمت له
أبعاد تجسده كتنظيم إقليمي، وفي طليعتها البعد الاقتصادي والبعد
الأمني.
تختص هذه الدراسة بالبعد الأمني لمشروع النظام الشرق
الأوسطي. فتبحث، بادئ ذي بدء، في البيئة التي تخلّق فيها
المشروع، ثم تخوض في مفهوم البعد الأمني نفسه، من خلال السياق
العام للمشروع الشرق الأوسطي. وتعكف الدراسة بعد ذلك على ميزان
القوى في إطار البعد الأمني، لتنتهي في قسم يختص بالتحليل
والتقويم.
أولاً: بيئة مشروع النظام الشرق
الأوسطي وبعده الأمني
كانت الدعوة إلى الشرق الأوسطية
قبل صيف 1990، الذي شهد احتلال العراق للكويت، وما تلاه من حرب،
دعوة خافتة محصورة في الفكر الإسرائيلي وبعض التطلعات المتفرقة
في الفكر السياسي العربي. وبعدما نشبت حرب الخليج الثانية (1990
- 1991)، برزت متغيرات جذرية متعددة، دولية وإقليمية وعربية،
ساهمت في تكوين حالة جديدة في المنطقة العربية، اتسمت بالسيولة
في الأفكار والرؤى والآفاق، وشرعت الأبواب أمام مختلف الاحتمالات
والتطورات. وكان أبرز افرازاتها وأخطرها أن خلّفت فراغاً
استراتيجياً في منطقة الشرق الأوسط. في إطار هذه البيئة الجديدة
تخلّقت العوامل اللازمة لتكوين مشروع النظام الشرق
الأوسطي:
1 - فعلى الصعيد الدولي: نشأ
هيكل جديد للقوى المؤثرة في حالة السلم والأمن الدوليين،
والفاعلة في توجيه تلك الحالة، التي من أبرز معالمها انشداد
الأمن الوطني للدول، والأمن القومي للتكتلات القومية، والأمن
الإقليمي للتكتلات الإقليمية، إلى الأمن الدولي، الذي تسيطر
الولايات المتحدة على دفة قيادته، انشداداً مباشراً، بعدما كان
الأمن الدولي منشداً إلى التنافس بين القوتين العظميين
وكتلتيهما، وبعدما كانت الأمون الوطنية والقومية والإقليمية
موضعاً للتنافس بين القوتين وموضعاً للحرب الباردة وآثارها
وتداعياتها. وقد أدى ذلك إلى تدهور مكانة الدول العربية في النسق
الدولي، وتراجع أهمية قضاياها. كما تراجعت هذه المكانة والقضايا
في الوقت نفسه في إطار المصالح الأميركية. وإذا ما أردنا أن نصنف
هذه المصالح في الوطن العربي في عناوين رئيسية، فيمكن إدراجها
تحت عناوين ثلاثة: (1) حصار الشيوعية: وقد انتهت هذه المصلحة
الأميركية الكبرى بزوال الشيوعية وانهيار معاقلها؛ (2) النفط
وحمايته وضمان تدفقه بنظام معين وحجم محدد وسعر مناسب: وهذه
مصلحة تم تأمينها وترسيخ أمنها وحمايتها لأجل طويل؛ (3) أمن
إسرائيل وإدماجها في منطقة الشرق الأوسط عضواً أصيلاً مسيطراً
بوصفها قوة إقليمية كبرى: وهذه مصلحة تعمل الولايات المتحدة على
تحقيقها، وذلك بتسوية قضية الصراع العربي - الإسرائيلي من خلال
التحكم في مساراته وأبعاده وانفعالاته، ثم احتوائه في تنظيم
اقليمي.
2 - وعلى الصعيد الإقليمي نشطت
تركيا في طرح مشروعاتها ذات الطابع الاقتصادي. في حين حملت
إسرائيل لواء الدعوة إلى مشروع النظام الجديد. وأخذت أدبياتها
تشير إلى أهمية تبني دول المنطقة سياسة مشتركة تقوم على الازدهار
الزراعي، وتوزيع الثروات على نحو أفضل، وإدخال الإلكترونيات
والتقانات الحديثة في مجالات الصناعة والخدمات، وتكوين أجهزة
لتنسيق التعاون العربي - الإسرائيلي في مختلف المجالات، وتأسيس
صندوق مالي لتطوير المنطقة، وحاسب تعليمي لبرامجها التعليمية.
وركزت تلك الأدبيات على أغراض ثلاثة:
أ - ترسيخ كيان إسرائيل
كدولة أصيلة في منطقة الشرق الأوسط، ولها مركزها وامتداداتها
الإقليمية، ومندمجة في جميع خطط التعاون والتنمية الخاصة
بالمنطقة على الصعيدين الإقليمي والدولي، إضافة إلى علاقاتها
الثنائية.
ب - توفير عوامل السلم والأمن في الشرق الأوسط
كمنطقة ذات ترتيبات أمنية خاصة بها، وذات امتدادات أمنية إلى ما
جاورها من مناطق، وتعزيز دور إسرائيل في أي ترتيبات أمنية، بحيث
تكون دولة رائدة فيها.
ج - تعزيز دور إسرائيل في السيطرة على
منطقة الشرق الأوسط من خلال الدعم الغربي لها في مشروعاتها
لتفتيت المجتمعات العربية والإسلامية وإثارة نزعات التطرف
والاضطرابات بمختلف أشكالها وإبقائها في حال ضعف وتفكك ومناهضة
أي مشروع تكتلي أو وحدوي.
3 - وعلى الصعيد
العربي، شهدت العلاقات العربية البينية تمزقاً لم تعرفه
من قبل، في حين غاب التضامن العربي وضعفت معالمه، وامتد الشلل
والعطالة إلى المؤسسات القومية. وقد أدى ذلك كله إلى نشوء
الظواهر التالية:
أ - انهيار الأمن القومي العربي، مفهوماً
وبنية ومؤسسات وقدرات.
ب - انحسار المد القومي، فكراً وعملاً
ومؤسسات، في مقابل ترسخ القطرية، فكراً وعملاً وعلاقات.
ج -
نزوع القطرية إلى الاستقلالية في علاقاتها الخارجية، دون النظر
إلى انعكاسات ذلك النزوع على المصالح القومية.
د - تفاعل
المصالح القطرية مع المصالح العالمية، والأميركية بالذات، وهو ما
أفرز ما سمي حق الاستعانة بالقوات الأجنبية لمواجهة حالات محددة
بالأمن القطري، أو لملء فراغات ناجمة عن الخشية من حدوث تلك
الحالات.
هـ - ظهور نوعية جديدة من التهديدات الإقليمية، إذ
أصبحت هذه التهديدات متوقعة من الصديق والعدو.
و - دخول دول
المنطقة في دائرة التأثير الأميركي، وتناثرها على مساحة الدائرة،
التصاقاً بالمركز أو قرباً أو بعداً منه، ولكنها جميعها تدخل في
هذه الدائرة، ويستقر كل منها في مكان ما منها.
4 - الوجود العسكري الأجنبي: إذ
توضعت قوات أجنبية، قوامها الرئيسي أميركي في مواضع عدة من بلدان
الخليج العربي ومياهها الإقليمية. وإذا كان وجود هذه القوات في
منطقة الخليج هو العامل الذي يضبط، في الوقت الراهن، توازن القوى
في المنطقة، فإن هذا الوجود لن يستمر، ولا بد له، في يوم ما، من
الرحيل. وحينئذ، لا مناص من توفير عامل عربي يضبط توازن القوى في
المنطقة. وهنا نتطلع إلى التعاون العسكري العربي، لننشد فيه هذا
العامل، وليسد أي فراغ أمني ينشأ في أي موقع عربي. غير أن هذا
"التطلع" سيجد منافسه في النظام الشرق الأوسطي، حيث يتولى البعد
الأمني للنظام المرتقب هذه المهمة.
أدت هذه العوامل مجتمعة
إلى تخليق فراغ استراتيجي، مرفوق بعطالة القدرة العربية في ساحة
الصراع العربي - الإسرائيلي، وبروز المصداقية الأميركية في
الدفاع عن مصالحها وحماية إسرائيل. ومن هنا سهل على القوى
الفاعلة في المنطقة، وبخاصة الولايات المتحدة بسيطرتها على
المنطقة، وإسرائيل بقوتها العسكرية المتفوقة واستمرار احتلالها
للأراضي العربية، أن تتحرك لتملأ الفراغ الاستراتيجي ببديل
إقليمي، كانت القوى الغربية طرحته منذ الخمسينات حتى التسعينات
مرات عدة وبأشكال ومكونات مختلفة. وفشلت في ترويجه، حتى إذا
توافرت لها الظروف المناسبة، أخرجته في التسعينات في مشروع الشرق
الأوسطية، وأوكلت إلى قوى إقليمية مهمة الدعوة إليه وتكوينه.
وكان المؤتمر الاقتصادي العالمي لدول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
- الدار البيضاء (30 تشرين الأول/أكتوبر - 1 تشرين الثاني/نوفمبر
1994) إحدى المحطات البارزة في تلك المهمة.
ولقد رافق الدعوة
إلى المشروع بروز ظاهرتين:
1 -ظاهرة العداء للعروبة في بعض
أنحاء العالم العربي، وانطفاء الحماسة لها أو الارتباط بها في
أنحاء أخرى، وإقبال معظم الدول العربية على التحلل من آخر التزام
قومي من خلال تسوية الصراع العربي - الإسرائيلي وإقامة علاقات
طبيعية بإسرائيل، ومن خلال توهين الارتباط بالمؤسسات
القومية.
2 - والظاهرة الثانية تحول الأمن القومي العربي إلى
دائرة مقطعة الأوصال وفارغة من القدرات الفاعلة، تعصف فيها
النـزاعات والصدامات المسلحة بمختلف أشكالها وأنواعها. ولا
يُستدعى الأمن القومي الآن إلا من أجل التذكير بالهزائم التي تحل
به، والمخاطر التي تهدده.
في هذه البيئة التي يكوّن الفراغ
الاستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط قوامها، كان من الطبيعي أن
تظهر المشاريع التي تقدم نفسها بديلاً للنظام الإقليمي العربي
المتصدع وبنية الأمن القومي المنهارة. ويمكن القول إن أبرز
المشاريع تمثلت بثلاثة بدائل:
1 - مشروع النظام البحر
المتوسطي
كانت أدبيات الحوار العربي - الأوروبي
تضمنت إشارات كثيرة إلى ضرورة توثيق العلاقات بين دول شاطئي
البحر المتوسط. وثمة توجهات رسمية ودعوات فكرية إلى تجسيد ذلك في
"مؤتمر الأمن والتعاون في البحر المتوسط". وقد اقترح الاتحاد
الأوروبي عقد الاجتماع التمهيدي لهذا التنظيم عام 1995. ويشمل -
بحسب الرغبات المعلنة - منطقة تجارة حرة لأربعين دولة، ولأكثر من
800 مليون نسمة. ويعالج شؤون الأمن المتبادل والهجرة إلى أوروبا
والإرهاب وانتشار أسلحة الدمار الشامل، وينظم شؤون التجارة
ومشاريع النفط والغاز، ويدعم الديمقراطية وحقوق الإنسان، كما
يختص بشؤون الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط. وينتظم ذلك كله في
ميثاق ومؤسسات على شاكلة مؤتمر الأمن والتعاون
الأوروبي.
وكانت مصر دعت إلى اجتماع تمهيدي لمن سمتهم "نواة
منتدى البحر المتوسط"، عقد في الإسكندرية (3 - 4 تموز/يوليو
1994) على أن تتلوه اجتماعات تنظيمية أخرى. وقد رافق ذلك دعوات
إلى احياء الاتجاه البحر المتوسطي، وتجسيده في تنظيم
هيكلي.
ويواجه المشروع المتوسطي مشكلات كثيرة، أولها تحديد
الإطار الجغرافي. فثمة تعريفات عدة لهذا الإطار، تبدأ في الحيز
الضيق المؤلف من دول اتحاد المغرب العربي (المغرب، الجزائر،
ليبيا، تونس، موريتانيا) والبرتغال وأسبانيا وفرنسا وإيطاليا
ومالطا، وهو ما أطلق عليه (5 +5 ). وأوسع إطار مقترح يضم أوروبا
كلها والدول العربية وإيران، ويتسع للولايات المتحدة أيضاً، في
حين أن هناك دراسات أوروبية لا تعترف بوجود "إقليم بحر متوسط
واحد"، وإنما هناك عدد من الأقاليم التي تحيط بالبحر المتوسط،
وهو ما لا يرشحها للانتظام في إطار إقليم مؤسسي.
ويمكننا
القول إن المشروع المتوسطي لم يبلغ بعد مستوى التفاعل والتطور
والوضوح. ولم تتجاوز الاتصالات بين دول شاطئيه حد تبادل الآراء
وتبيان الرغبات، على الرغم من نشوء مشكلات جديدة ذات طابع أمني،
إضافة إلى الدوافع الاقتصادية التي تحث الداعين إلى المشروع
المتوسطي على توفير العوامل اللازمة لتكوينه.
2 -
ويتطلب التطرف لفكرة
الأمن بالمنطقة بجميع أبعادها الاجتماعية والاقتصادية
والسياسية".
وعلى هذا فإن النظرة التي تقوّم مؤتمر الدار
البيضاء بأنه تجمع اقتصادي صرف، مكوناته التجارة والمال والمصالح
الاقتصادية المتبادلة، هي نظرة قاصرة. فالاقتصاد ليس سوى وسيلة
المقاربة وباب الدخول. ذلك لأن الشرق الأوسطية سوق اقتصادية من
مقوماتها الثروات الطبيعية ومشروعات التنمية والثقافة والسياسة
والأمن وما سواها من مجالات الحياة. وستكون السيطرة - التي قد
تبلغ حد الغلبة إذا اقتضى الأمر ذلك - لإسرائيل والولايات
المتحدة. وعلى هذا فلن يكون حساب الربح والخسارة في هذا المزيج
من المصالح المتشابكة قائماً على أساس حساب السوق التجارية،
وإنما المرجعية في ذلك تكون للمكاسب الاستراتيجية التي يجنيها
بعض شركاء السوق. وهم هنا إسرائيل والولايات المتحدة.
وثمة
تصورات كثيرة لما يمكن أن يكون عليه النظام الشرق الأوسطي، من
حيث تفريعاته وأمديته ومجالاته وأعضاؤه. وإذا كان النظام لم يأخذ
بعد شكله المقنن النهائي، لأنه قيد التكوين، فإن غرضه الأساسي،
المستمد من الملامح التي رسمت له، هو إلغاء الهوية العربية،
وبعثرة أجزاء الأمة في منظومات جغرافية جديدة، تسيطر عليها
إسرائيل، وبخاصة من الناحية الأمنية. فهي ذات القوة العسكرية
المتفوقة الضاربة، والمنفردة بالسلاح النووي، والمستمدة قوتها
العسكرية من القوة العسكرية الأميركية، وذات الجهاز الاستخباري
المتمرس والقادر على الانتشار، والمتداخل في شبكات الاستخبارات
الأميركية والأطلسية والصهيونية.
ثالثاً: ميزان القوى في البعد
الأمني الشرق الأوسطي
من المعروف أن ميزان القوى يتألف
من نوعين رئيسيين من العناصر، أولهما يضم العناصر شبه الثابتة،
كالكتلة السكانية، والموقع الجغرافي، ونظام التجنيد، والقوة
المسلحة، والتدريب، واللوجستية، ومسرح العمليات، والمذهب
العسكري، وشبكة الأصدقاء والأعداء، في حين يتألف النوع الثاني من
عناصر يصعب تقديرها، إلا في حدود التقصي والتنبؤ، مثل خطط
العمليات، والتعبئة المعنوية، والقيادة، وأنواع الأسلحة، وبخاصة
تلك غير المعلنة.
وستكون القوى الفاعلة في ميزان القوى للبعد
الأمني الشرق الأوسطي أربعاً: الدول العربية، وإسرائيل، وتركيا،
وإيران. ولأن هدف النظام الشرق الأوسطي تفكيك القوة العربية
الأمنية وهدم ما بقي من أطلال لبنى الأمن القومي العربي، فإن
القوة العربية لا تدخل في الحسبان حين احتساب قوى الميزان
الاستراتيجي.
1 - إسرائيل
إذا ما
نظرنا إلى ميزان القوى العربي - الإسرائيلي، وإذا ما افترضنا
وحدة الكفة العربية - وهو افتراض نظري صرف - فإننا واجدون رجحان
الكفة العربية في بعض عناصر القوة الثابتة، مثل: المساحة، وعدد
السكان، والموارد الاقتصادية، وحجم القوات المسلحة، والموقع
الاستراتيجي. وفي مقابل ذلك، ترجح كفة إسرائيل في السلاح النووي،
والتنظيم العسكري، وقيادة الحرب، وقنوات التسليح والإمداد
الفوريين والغزيرين من الغرب بصورة عامة والولايات المتحدة بصورة
خاصة. وفي جميع الأحوال، فإن في الكفة العربية عناصر ثابتة من
القوة والقدرة، وهي قابلة للتطوير والتعظيم بقدر ما تريد لها
الإرادة العربية الموحدة من تطوير وتعظيم، حتى تبلغ منزلة رفيعة
تعلو على منـزلة كفة إسرائيل.
ولأن هذه الصورة نظرية صرف،
ولأن عوامل تغيير الوضع العربي الراهن ليست متوافرة بالقدر
المناسب في الظروف الحاضرة، فإن ميزان القوى سيظل راجحاً لمصلحة
إسرائيل. وسيحافظ على رجحانه في إطار البعد الأمني للنظام الشرق
الأوسطي، مستنداً إلى الدعائم التالية:
أ - سينتج من تفكيك
عناصر الاشتباك في الإطار الجغرافي لفلسطين، ترتيبات أمنية ذات
طابع خاص بين الدولة الفلسطينية المنشودة وإسرائيل، تختلف
اختلافاً نوعياً وشكلياً عن الترتيبات الأمنية التي تضمنتها
معاهدتا السلام المصرية - الإسرائيلية والأردنية - الإسرائيلية،
وعن الترتيبات التي يمكن أن يتضمنها أي اتفاق بين كل من سوريا
ولبنان والأردن من جهة وبين إسرائيل من جهة أخرى. ذلك أن
الترتيبات بين الدولة الفلسطينية وإسرائيل ستكون بين كيان سيتحرر
ويتأسس من جهة، وبين دولة محتلة من جهة أخرى. وفي هذه الحال من
الطبيعي أن تفرض إسرائيل شروطها ومتطلبات نظريتها الأمنية
واستراتيجيتها الدفاعية، بحيث تخلو الأرض الفلسطينية من أي تهديد
أو احتمال تهديد يقصد إسرائيل، وذلك بتوفير الوسائل التي تمكن
الجيش الإسرائيلي من استخدام الأرض الفلسطينية كموقع متقدم
للإنذار المبكر، ولفتح القوات وتعزيز القدرة على الردع والانطلاق
للهجوم. ويدعم هذه الفكرة التوجه نحو حرمان الدولة الفلسطينية
المنشودة أن يكون لها جيش، ذلك أن "قوة الدولة الفلسطينية يجب أن
تكون، بالتحديد، في ضعفها. يجب ألا يكون أمنها في يدها، بل يجب
أن يستند أمنها كلياً إلى ضمانات الدول الكبرى".
ب - يرى مركز
يافي للدراسات الاستراتيجية في جامعة تل أبيب أنه بقدر ما تتخلى
إسرائيل عن حضور عسكري مكثف على طول وادي نهر الأردن وسلسلة
الجبال الشمالية والجنوبية الممتدة على طول الضفة الغربية، تصبح
أكثر عرضة لخطر الهجوم من الشرق. ذلك أن القوات العربية المنتشرة
في الضفة الشرقية، أي في الأردن، بموجب ائتلاف عسكري عربي محتمل،
ستكون قادرة على اجتياز النهر واتخاذ مواقع هجومية على طول سلسلة
الجبال، مهددة عمق الأراضي الإسرائيلية الضيقة، وذلك قبل أن
تتمكن إسرائيل من تحريك قواتها الاحتياطية. ولهذا ثمة حاجة
إسرائيلية إلى أن تكون في أراضي الدولة الفلسطينية محطات للإنذار
المبكر، ومراكز مراقبة، وقوات منتشرة في المواقع المهمة، وبخاصة
عند جسور نهر الأردن ومخاضاته، وأن يكون لإسرائيل حق التحليق
الجوي فوق فلسطين لأغراض الاستطلاع.
ج - ويرى بعض
الاستراتيجيين الإسرائيليين أن الضفة الشرقية لنهر الأردن، هي
التي تمثل في الحقيقة العمق الاستراتيجي للأمن الإسرائيلي. ولهذا
تضمنت المعاهدة الأردنية - الإسرائيلية نصاً يقضي بامتناع
الطرفين عن "السماح بدخول أو إقامة أو عمل قوى عسكرية أو عسكريين
أو معدات تعود لطرف ثالث على أراضيها في أحوال يمكن أن تخل
بسلامة الطرف الآخر" (المادة 4/4/ب). "إن إضفاء صيغة رسمية على
دور الأردن كعمق استراتيجي لإسرائيل سيزيل تخوف إسرائيل المشروع
من أن انسحابها من الضفة الغربية يمكن أن يُستغل لحشد قوة عسكرية
في الضفة الشرقية".
د - ستدخل إسرائيل عضواً مؤسساً في النظام
الشرق الأوسطي، وهي مسلحة بنظريتها الخاصة بأمنها، على النحو
الذي انتهت إليه في ختام المرحلة الراهنة من الحروب العربية -
الإسرائيلية، مضافاً إليها المتغيرات والعوامل التي استجدت بعد
حرب الخليج الثانية، وافرازات مرحلة ما بعد تسوية الصراع العربي
- الإسرائيلي. وستبقى هذه النظرية قائمة ومستمرة ومتطورة،
بمقوماتها وأسسها وعناصرها، وبخاصة ميزة التفوق العسكري على
القوى العسكرية العربية، والقدرة على دفع الحدود غير الجغرافية
للأمن الإسرائيلي إلى ما وراء حدود الوطن
العربي