العدد الرابع: كانون الأول/ ديسمبر
1995
الياس خوري: العالم العربي أمام
التحديات الثقافية للتسوية (ص 172 - 178)
من
المفترض أن أتكلم في هذه الورقة على "العالم العربي أمام
التحديات الثقافية للتسوية". الموضوع ينقسم إذاً إلى قسمين:
الثقافة والتسوية من جهة، والعالم العربي والتحديات من جهة
ثانية. وكما سترون، فإن هناك مشكلة في القسمين. فالثقافة هي عكس
التسوية، الثقافة هي الرؤية التاريخية والمواقف النقدية والتحليل
المنطقي. أما التسوية فهي فن الممكن والمراوغة والحيلة. كما أن
العالم العربي اليوم لا يواجه أي تحد. إنه يعيش عكس التحدي الذي
نفترضه؛ عالم عربي يغرق في ظلامه وأكفانه، ولا يتحدى ما يتحداه،
بل تقوم الأنظمة الدكتاتورية وشبه الدكتاتورية فيه بدفنه في رمال
القمع، وتدفعه إلى الغرق أكثر فأكثر في حروبه الأهلية المعلنة أو
المضمرة.
حين قلّبت المسألة على وجوهها المختلفة، اكتشفت أنني
سأقف أمام استحالة الكلام. فالمطلوب أن أتكلم حول قضايا لا يمكن
وضعها في سياق واحد. وحين نفتقد السياق يموت الكلام، وتتحول
اللغة لغواً. ونحن، نحلّل حين نحلّل، ما يقدمه إلينا الواقع من
معطياته فيدفعنا إلى إعادة التفكير في المسائل
المطروحة.
ولأنني أعترف بأنه لا يمكن الحديث عن الثقافة
والتسوية، لأنه لا يمكن اكتشاف عناصر مشتركة بين المسألتين،
فإنني أقترح تغيير موضوع هذا البحث.
بدل أن نتحدث عن التسوية
لنتحدث عن السلام. فأنا أستطيع أن أجد عناصر لقاء بين الثقافة
والسلام. كلنا يريد السلام. فلماذا لا نبحث في أفق ثقافي لسلام
في الشرق الأوسط؟ لماذا لا نسمي الأشياء بأسمائها، ونطرح القضايا
كما يجب أن تُطرح.
لن أذهب في خيالي إلى ما ذهب إليه الكاتب
الإسرائيلي دايفيد كروسمان، الذي تخيّل المنطقة العربية في مرحلة
ما بعد السلام. فأنا أريد أن أتخيّل السلام، الذي هو قيمة ثقافية
هناك إجماع حولها، قبل أن أتخيّل ما بعد السلام.
وحين أتخيّل
السلام، وأدعوكم إلى تخيّله، فإنني أقترح أن نبعد من ذهننا عبارة
"سلام الشجعان" التي ابتُذِلت كثيراً خلال العام الماضي، لأنها
تحمل في داخلها حكماً أخلاقياً حول معنى الشجاعة والجبن، وتقوم
بتصوير الاستسلام بوصفه شجاعة، وتنسي، في غمرة اندفاعتها،
الشجاعة هذه كل لغتها وتاريخها.
تعالوا ننسى الشجعان وسلامهم،
ونتخيّل معنى وإيقاع كلمة السلام داخل هذا التاريخ الطويل من
المقاومة الفلسطينية والعربية للاحتلال الإسرائيلي.
يتحدث الشاعر الإسرائيلي يهودا
أميخاي في إحدى قصائده عن اللغات الثلاث في بلادنا، فيقول: "كل
شيء بلغات ثلاث: عربي وعبري وموت".
ويقف انطوان شماس في روايته
أرابسك، التي كتبها باللغة العبرية، في مقبرة بيرلاشيز في باريس
أمام قبرين متواجهين: محمود الهمشري ومرسيل بروست، الفلسطيني
التائه واليهودي التائه، كأن الزمن الضائع هو مرآة الوطن
الضائع.
هل يمكن أن نتخيّل السلام بلغتين، ونشطب اللغة
الثالثة، لغة الموت من معادلتنا؟ وبذلك يتحوّل الزمن الضائع إلى
مرآة جديدة لوطن غير مفقود؟
هذا هو المدخل الذي أقترحه
لمعالجة مسألة ثقافة السلام، التي نتوق إليها، كي يكون السلام
حقيقياً ومقنعاً وليس قناعاً للموت أو شكلاً للمنفى.
والمشكلة
اللغوية بالغة التعقيد، يكفي أن نقرأ شيئاً من الأدبين
الإسرائيلي والفلسطيني، كي نكتشف أننا أمام غابة تتشابك فيها
الأغصان، وتتحول فيها المسألة إلى مواجهات جديدة قد تكون ضرورية،
كي تستقيم اللغة. يقترح الروائي الإسرائيلي أ.ب يهوشوح أن ننظر
إلى المسألة بوصفها صراعاً بين الحق والحق. لكنه في قصته مواجهة
الغابات، لا يترك للحق الفلسطيني حرية أن يمتلك اللغة.
فالفلسطيني أخرس، والإسرائيلي الذي يحرس الغابة ويعد أطروحة عن
الحروب الصليبية، لا يكتشف لغة الفلسطيني، إلا حين يقوم هذا
الأخير بإحراق الغابة، فيرى الإسرائيلي في الرماد بقايا القرية
الفلسطينية التي محيت من الوجود.
النار هي اللغة، لكن اللغة
لم تأتِ بعد، أي أن الإسرائيلي يكتشف الحقيقة الفلسطينية أو
جزءاً منها، دون أن يستمع إلى كلام الفلسطيني. ليس لأن الفلسطيني
أخرس، بل لأنه أُخرس في الرواية. ولكن هل الرواية هي التي أخرسته
وحدها. ولماذا لم يصرخ أبطال رجال في الشمس لغسان كنفاني حين
ماتوا داخل خزان الشاحنة التي كان من المفترض أن تأخذهم من
العراق إلى الكويت؟ هل صحيح أنهم لم يصرخوا، أم الصحيح أنهم
صرخوا ولم يستمع أحد إليهم.
هذا الصوت الفلسطيني الغائب، هو
السؤال الأساسي، حول علاقة الثقافة بالسلام.
كيف يكون سلام
قائم على غياب أحد طرفيه، أو تغييبه، أو تحويله إلى
شبح؟
عاموس عوز في روايته ميخائيل وحنة يحوّل الفلسطيني إلى
ما يشبه الشبح. إنه تهويمات حنة بالتوأمين الفلسطينيين في شوارع
أريحا. وعوز، الذي يستعيد في روايته هذه المناخات الوجودية
وأسلوبية ألبير كامو، يغرق في الصورة الكولونيالية الكلاسيكية
التي سبق لكامو أن رسمها في روايته الغريب. فالعربي الجزائري غير
موجود، وإذا وجد فلا يتكلم، وإذا تكلم فلا نفهمه. لذلك يقوم
الفرنسي الغريب بقتله بصورة عفوية - عشوائية، كأنه لا يقتل
أحداً. إنه ليس الآخر، إنه صورة وجدت هناك بالمصادفة، تماماً مثل
التوأمين الفلسطينيين في رواية عوز، اللذين يجسدان تهويمات
الاغتصاب والرغبة داخل السيكولوجية الإسرائيلية التي تجسّدها
حنة.
إذا كان الفلسطيني لا يملك لغته، بل هو مجرد حاجة تقنية
"احتاج إلى عربي"، كما يقول عاموس كنعان، فإن الإسرائيلي يتجسد
في الرواية والشعر الفلسطينيين بطريقة مختلفة. إنه يملك كل
اللغة، كما في رواية المتشائل لاميل حبيبي. الإسرائيلي لا يتكلم
مع الفلسطيني هنا، بل يأمره؛ والفلسطيني لا يجاوب الإسرائيلي بل
يتحايل عليه وعلى الحياة. المتشائل هو الوجه الآخر للمنفى، إنه
الحيلة. الفلسطيني يتحايل على وجوده كي يكون، يراوغ ويكذب
ويتشرد.. لكنه لا يمتلك اللغة إلا في مرآته، ومرآته وراء الحدود،
إنها المنفى. لذلك يخلي سعيد الأول مكانه لسعيد ثانٍ تلتقيه يعاد
في السجن الإسرائيلي، ولذلك أيضاً، لا تنكشف صورة شماس، بكل
رواية أرابسك، إلا في صورة ميخايل الأبيض، الذي اسمه الآخر،
والذي يعطيه قصته. القضية الفلسطينية لم تكتب بعد. أو هي غير
قادرة على أن تتكون، بل أن تحل مشكلتها مع لغتها. سعيد س. في
عائد إلى حيفا يلتقي ابنه الضائع خلدون الذي تبنّته الإسرائيلية
ميريام حين وجدته في البيت الخالي وحولته إلى جندي إسرائيلي اسمه
دوف. يتكلم سعيد س. مع ابنه الأول باللغة الإنكليزية، ويكتشف
استحالة الكلام، لكي يجبره ذلك على أن يتمنى اختفاء الابن الثاني
أيضاً، والتحاقه بالفدائيين.
اللغة الفلسطينية الضائعة، لا
تتجاهل الآخر الإسرائيلي… فالإسرائيلي حتى وإن تكلم قليلاً، فهو
يمتلك ذاكرة وحقيقة. إنه "جندي يحلم بالزنابق البيضاء"، كما كتب
محمود درويش، أو هو ميريام القادمة من محرقة اوشفيتيزكي تأخذ
البيت والابن معاً.
السؤال اللغوي يحتاج، إذا عدنا إلى عبارة
اميخاي، إلى ثلاث لغات، كي نستطيع أن نزيل منه لغة الموت. لكننا
في الواقع لا نجد سوى لغتين: العبرية والموت. أما العربية فهي
محذوفة إلى الخارج، إنها لغة للتخاطب الداخلي، يحكيها
الفلسطينيون في ما بينهم، لكنها ليست بعد جزءاً من اللغة المعترف
بها.
محمود درويش، يخاطب الجندي
الإسرائيلي بهذه الكلمات:
"