موقع ووظيفة كل من الأطراف
المعنية في شبكة العلاقات الاقتصادية الجديدة وما يترتب على
الموقع أو الوظيفة من ربح وخسارة (عائدات السلام
الاقتصادية).
3 - الاستراتيجية المطلوب اعتمادها من قبل العرب
استعداداً لمواجهة الوضع الجديد.
ونحن في ما يلي سنقصر الكلام
على هذا المحور الأخير، أي الاستراتيجيات المقترحة على العرب من
أجل مواجهة التحديات المطروحة عليهم في جانبها الاقتصادي، الأمر
الذي يقتضي أن نقوم في الوقت نفسه بتسليط بعض الأضواء على ما
نعده أبعاداً فعلية لهذه التحديات.
أولاً: حول استراتيجيات
المواجهة والمسائل التي تطرحها
يستخلص من الأدبيات الصادرة حول
الموضوع عن الأوساط السياسية والفكرية العربية المعارضة لعملية
التسوية، كما تجري في الوقت الحاضر، أنه إذا كانت عملية التسوية
السياسية بشروطها الحالية مفروضة على العرب ولا مفر منها فإن
التحدي الكبير الذي نواجهه يتلخص بالحؤول دون تحويل التطبيع
السياسي إلى هيمنة اقتصادية لإسرائيل في المنطقة ويكون ذلك
باعتماد استراتيجية من ثلاثة محاور:
أ - إسقاط مشروع السوق
الشرق الأوسطية بما يعنيه من إقامة علاقات اقتصادية بين إسرائيل
ودول المنطقة تتجاوز العلاقات الاقتصادية العادية بين أي بلد
وآخر من بلدان العالم.
ب - استخدام ورقة "التطبيع الاقتصادي"
بمعناه الحرفي، أي إقامة علاقات اقتصادية عادية لا تتضمن مزايا
تفضيلية، أي تحديداً رفع المقاطعة الاقتصادية العربية لإسرائيل،
كسلاح لتحسين شروط التسوية السياسية نفسها. فيجري إلغاء هذه
المقاطعة تدريجاً مع التقدم الذي يحصل على طريق "التسوية الشاملة
والعادلة" التي لا تكون ناجزة إلا بتحقيق التسوية على المسارين
اللبناني والسوري وإقامة الدولة الفلسطينية بعاصمتها القدس مع
تسوية مسألتي الاستيطان اليهودي على أراضي الدولة العتيدة،
ومسألة فلسطينيي الشتات.
ج - وبما أن العلاقات الاقتصادية
العادية لا تحول بحد ذاتها دون سيطرة إسرائيل اقتصادياً على
المنطقة فإنه لا خيار أمام العرب من أجل تحاشي هذه السيطرة، سوى
السير حثيثاً في طريق التعاون والتكامل الاقتصاديين في ما
بينهم.
أما الأوساط السياسية والفكرية المنخرطة في عملية
التسوية أو المؤيدة لها، فلا يبدو أنها تضع التحديات الاقتصادية
في الإطار القومي العربي، كما تفعل الأوساط المناهضة لعملية
التسوية. وهي بهذا الخصوص تبدو متبنية فكرة "الشرق الأوسطية"
بكامل أبعادها المنطقية. فإذا كان هناك من تحد مطروح على العرب
على الصعيد الاقتصادي فهو مطروح عليهم فرادى كدول وليس كمجموعة.
وكما هو مطروح عليهم، مطروح أيضاً على إسرائيل نفسها. فضلاً عن
ذلك فهو تحدٍ لا يأتي مباشرة من مشروع السوق الشرق الأوسطية بحد
ذاته، وإنما تمثل مواجهته الشرط الضروري الذي لا بد منه كي
يستطيع أي من الأطراف المنخرطة فيه جني الثمار المرجوة منه. إنه
التحدي المتمثل بتأمين شروط المنافسة الاقتصادية الحرة داخلياً
وخارجياً. وتكون مواجهة هذا التحدي بتنفيذ برامج الإصلاح أو
التكيف الهيكلي التي يرعاها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي،
بما تعنيه هذه البرامج من إجراءات تهدف إلى إطلاق العنان لآلية
السوق لتنظيم الحياة الاقتصادية والاجتماعية وتحويل القطاع العام
إلى القطاع الخاص.
وهنا يجب أن نلاحظ أنه إن وجد في الأوساط
الفكرية الاقتصادية العربية من يفهم التحدي الرئيسي المطروح
وطريقة مواجهته على هذا النحو، فإن تبني الحكومات العربية لبرامج
التكيف الهيكلي لم يأتِ من جهته، وليد قناعات ذاتية أو رؤى وطنية
بقدر ما جاء نتيجة أوضاع وموازين قوى خارجية هي نفسها التي فرضت
انخراط هذه الحكومات في مسيرة التسوية.
إذا كنا نتفق مع وجهة
النظر التي ترى في "السوق الشرق الأوسطية" مشروعاً للسيطرة
الاقتصادية من قبل إسرائيل على المنطقة بحيث تضيف إلى قوتها
العسكرية قوة اقتصادية موازية، فإن جملة من المسائل يجب أن تناقش
مع أصحاب وجهة النظر هذه، وهي تتعلق تحديداً بالاستراتيجية التي
يتبنونها لمواجهة مشروع السيطرة هذا، ومنها:
هل يمكن فعلاً
فصل المسار الاقتصادي عن المسار السياسي للتسوية؟ وإلى أي حد؟ ثم
لماذا ستنجح الآن مشاريع التعاون والتكامل بين الأقطار العربية
على المستوى الاقتصادي بعدما كان مصيرها الفشل قبل البدء بعملية
التسوية؟ وحتى لو فرضنا جدلاً بأنه أصبح بإمكان العرب أن يسيروا
جدياً في طريق التعاون والتكامل الاقتصاديين باستقلال عن
إسرائيل، فهل أن هذا الأمر بحد ذاته يمثل الرد المطلوب على
التحدي المطروح؟
وعلى الرغم من أن وجهة النظر الثانية الصادرة
عن الأوساط المؤيدة لمسيرة التسوية تبدو بصورة عامة أكثر تماسكاً
لناحية انسجام استراتيجية المواجهة التي تتبناها مع فهمها لطبيعة
التحدي، فترى أن مشروع السيطرة الاقتصادية لإسرائيل على العرب لا
يمثل تحدياً خاصاً تطرحه التسوية على هؤلاء، لأن العرب، بالمعنى
الذي يعطى عادة للسيطرة الاقتصادية، هم الآن في وضع المسيطر
عليهم من قبل أطراف أخرى، وأن استراتيجية المواجهة مع هذا التحدي
التي يجب أن يتبنوها هي بالتالي نفسها، سواء حصلت التسوية أم لم
تحصل، فإن موضوع النقاش الفعلي مع أصحاب هذه المقولة يجب أن
يتركز على مدى كون استراتيجية "التحرير الاقتصادية" التي
يتبنونها، هي الاستراتيجية المناسبة لتمكين العرب من مواجهة
التحديات الاقتصادية المطروحة عليهم. أضف، أن أولئك، من بين
أصحاب هذه المقولة نفسها، الذين يدعون إلى وقف عملية التطبيع
الاقتصادي مع إسرائيل عند حدودها العادية، يجب أن يواجهوا هم
أيضاً بالتساؤل عن مدى قدرة العرب على الفصل بين الجانبين
السياسي والاقتصادي في مسار التسوية؟
إذا كان تعميق النقاش
حول هذه المسائل وغيرها يبدو ضرورياً من أجل التعرف أكثر إلى أرض
المواجهة الفعلية التي نقف عليها وما تفرضه من شروط، فإن
مساهمتنا في هذا الخصوص تتركز على محاولة تحديد معالم التحدي
الفعلي الذي تطرحه التسوية اقتصادياً على العرب من خلال وضع هذه
التسوية، وبالتالي السوق الشرق الأوسطية، في سياق تطور المشروع
الصهيوني في فلسطين، والدخول في ضوء النتائج التي يمكن التوصل
إليها، في نقاش حول مدى صوابية وفاعلية كل من وجهتي النظر
السائدتين عربياً حول الاستراتيجية الواجب اعتمادها لمواجهة
تحديات التسوية الاقتصادية.
ومن الواضح أن كل من هذه النقاط
الثلاث يمثل موضوعاً للدراسة قائماً بذاته، الأمر الذي يجعل
تناولنا هنا عبارة عن بعض الأفكار العامة والاستنتاجات جاءت
بأكثرها من مقاربات لنا سابقة لها علاقة بالقضايا المطروحة وهي
في جميع الأحوال لا تغني عن الحاجة إلى مقاربات أكثر شمولاً
وعمقاً.
ثانياً: التسوية كتحول في مسار
المشروع الصهيوني
هنالك جملة من الاعتبارات تجعلنا
نرى أن التسوية الجارية للصراع العربي - الإسرائيلي الآن تأتي في
سياق محاولة تجديد المشروع الصهيوني في فلسطين بإعطائه نفساً
جديداً بوسائل اقتصادية. وأهم هذه الاعتبارات يتمثل بمسار هذا
المشروع نفسه الذي يمكننا إذا تتبعناه أن نخلص إلى ما يلي:
1
- إن إسرائيل تعاني منذ قيامها أزمة عضوية تتمثل بعجزها عن
اكتساب قوة اقتصادية ذاتية توازي قوتها العسكرية.
2 - إن
إسرائيل لجأت من أجل التغلب على هذه الأزمة، إلى استخدام مختلف
الوسائل الاقتصادية والعسكرية، ولم تحصل إلا على حلول جزئية
وموقتة.
3 - إن أزمة إسرائيل هذه كانت قد دخلت قبل بدء
المفاوضات في مدريد طوراً هو الأكثر حدة وخطورة في تاريخها،
أصبحت المعالجة معه تتطلب تحولاً في التوجه الاستراتيجي نفسه
للمشروع الصهيوني.
إنطلاقاً من هنا فإن انخراط إسرائيل في
عملية التسوية لا يحتمل عندها، في رأينا، أكثر من تفسير؟ فإما أن
تتيح التسوية لها فرصة لتجاوز العوائق الرئيسية التي حالت
تاريخياً دون اكتسابها القدرة الاقتصادية الذاتية (صغر الحجم
وندرة الموارد الطبيعية) وتؤمن لها أسواقاً لتصريف منتوجاتها وما
تحتاج إليه من عناصر الإنتاج (مواد أولية ومصادر طاقة ومياه ويد
عاملة وفيرة ورخيصة ورساميل) بشروط أفضل كثيراً من الشروط التي
تحصل عليها في علاقاتها الحالية بالبلدان الأخرى، وإلا فلا حاجة
لها إلى هذه التسوية التي سوف تحد بصورة أو بأخرى من حاجتها إلى
التوسع الجغرافي.
من هنا، في تقديرنا أن إسرائيل لا ترى السوق
الشرق الأوسطية على شكل سوق مشتركة، بما تعنيه هذه الأخيرة -
فضلاً عن إلغاء الحواجز الجمركية بين الأطراف المعنية وإقامة
حواجز جمركية موحدة تجاه الخارج - من حرية انتقال عوامل الإنتاج
(من قوى عاملة ورساميل) بينها وصولاً إلى تنسيق السياسات
الاقتصادية والمالية والنقدية، ليس لأن إسرائيل تدرك أن مثل هذه
السوق لا تنجح إلا بين بلدان متقاربة بمستويات تطورها الاقتصادي
والاجتماعي، وإنما بسبب ما تراه من خطر قد يلحق بالمشروع
الصهيوني نفسه كمشروع دولة عنصرية خاصة بيهود العالم، من جراء ما
يترتب على السوق المشتركة من إجراءات تؤدي إلى تدفق القوى
العاملة العربية إليها أو توحيد بعض التشريعات. عملياً، تعني
السوق الشرق الأوسطية لإسرائيل أن تتمكن من استقطاب أكبر قدر
ممكن من الموارد العربية الطبيعية والمالية من مياه ونفط ورساميل
وأقل قدر ممكن من اليد العاملة العربية غير الماهرة، ودمجها في
عملية إنتاج واسعة النطاق على أرضها وتشغل أكبر قدر ممكن من
اليهود الوافدين وتقذف بمنتوجاتها نحو الأسواق العربية المفتوحة.
كما تعني أن تتمكن إسرائيل من جعل المشاريع الكبرى في أقطار
المنطقة تعتمد كثيراً، مباشرة أو من خلال الشركات المتعددة
الجنسية، على فنييها وإدارييها وتقاناتها بصورة عامة. وعليه
يمكننا تحديد المعالم الرئيسية للسوق الشرق الأوسطية كما تسعى
لها إسرائيل على الوجه التالي:
أ - إنهاء المقاطعة الاقتصادية
العربية لإسرائيل بمختلف درجاتها وأشكالها.
ب - إقامة
المشاريع المشتركة في شتى القطاعات الصناعية والزراعية والسياحية
والمالية والمرافق العامة والبنى التحتية، على أن يتركز القسم
الأكبر منها داخل إسرائيل دون حاجة إلى استقدام أيدٍ عاملة عربية
على نطاق واسع.
ج - إقامة منطقة تجارة حرة، إذا اقتضى الأمر،
بما تعنيه من إزالة للحواجز والقيود الجمركية بين الدول المعنية،
مع استثناء المنتوجات التي تعدها إسرائيل استراتيجية.
د - أما
النطاق الجغرافي لمنطقة التجارة الحرة، وخصوصاً في ما يتعلق
بالبلدان التي تشملها المشاريع المشتركة، فلا نرى أن إسرائيل
تنطلق في هذا المجال من رؤية جامدة محددة سلفاً وإنما تعمل على
أن يكون نطاق التعاون مرناً على الصعيد الجغرافي يتحرك من
منطلقين متكاملين: منطلق مصلحتها الخاصة؛ والمنطلق الوظيفي
للمؤسسة أو المشروع.
هكذا نلاحظ أن المشاريع التي تقترحها
إسرائيل للتعاون في مجال المياه تشمل جميع بلدان المنطقة التي
يمكن أن تساهم بصورة أو بأخرى بحل مشكلتها الحادة على هذا
الصعيد، من أثيوبيا حتى تركيا مروراً بمصر وسوريا ولبنان. في حين
نرى مشاريع التعاون في مجال النفط تقتصر على بلدان المنطقة
النفطية. أما مشاريع التعاون في مجال السياحة فنطاقها يشمل
البلدان المحيطة …الخ.
إذا كانت تلك هي الأبعاد الفعلية
للتسوية بجانبها الاقتصادي، كما تسعى لها إسرائيل، مدعومة في
سعيها هذا، كما يظهر بصورة واضحة من مجرى الأحداث منذ بدء
محادثات مدريد عام 1991، وإلى الآن، من قبل القوى المتحكمة
بالنظام العالمي الجديد، فالسؤال الذي يطرح الآن هو: ماذا في وسع
العرب أن يعملوا في مواجهة هذا السعي؟ وبالتحديد ماذا يعني في
هذا الخصوص السعي العربي في سبيل "التحرير الاقتصادي" أو
التكامل.