English Version خريطة الموقعسجل عنوانكالجديد

المنشورات الدوريةالأبعاد
أبعـــــــاد
العدد الخامس: حزيران/ يونيو 1996

افتتاحية فارس أبي صعب: هل نحن دولة حديثة؟ (ص 8 - 26)
ما كادت الحرب العالمية الأولى تنطفئ نارها، حتى أخذت الدول الأوروبية الكبرى تنفض رماد السلطنة العثمانية عن منطقة المشرق العربي. وأقامت في هذه المنطقة نماذج من الدولة الحديثة. فقام لهذه الدولة دستور وجيش، وقامت مؤسسات تشريعية وإجرائية، وقام قضاء. وأُريد لهذه الدولة أحياناً أن تكون جمهورية، واستوحي دستورها من دستور الدولة المنتدبة كي يظهر فيها وجه الحداثة، فتحدثَ دستورها عن الحريات وعن مبدأ الفصل بين السلطات، وتحدث - كما في لبنان - عن "جمهورية ديمقراطية برلمانية تقوم على احترام الحريات العامة وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد، وعلى العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمايز أو تفضيل". ووضعت هذه الدول في النهاية في عداد الدولة الحديثة. فهل هي بالفعل كذلك؟
يبدو أن الباحثين في علم الدِلالة وفي الايبستيمولوجيا محقون في ملاحظاتهم على طرائق استخدام المصطلحات اللغوية والمعرفية ونقلها من فضاء معرفي ولغوي إلى آخر عبر تجريدها من دلالاتها المعرفية ومن الشروط المكانية والزمانية لانتاجها. بحيث تتعرض تلك المصطلحات، وبالتالي النصوص، لعملية مسخ تفقدها الكثير من مضمونها المعرفي ومن دلالاتها المفاهيمية وتخرجها من إطارها التاريخي.

ولعل ذلك ينطبق على مفهوم "الدولة الحديثة" التي بلغها الكثير من مناطق العالم الثالث، بغض النظر عن السياق التاريخي، بمختلف متغيراته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، الذي أسفر عن ولادة هذا النموذج من الدولة في تلك المناطق. وهو سياق يحمل الكثير من الاختلاف عن ذلك الذي حدث في الغرب وانتج نموذج الدولة الحديثة فيه. دون أن يعني ذلك بالطبع، كما حاول أن يزعم بعض المدارس الفكرية في كلا الشرق والغرب، أن الدولة الحديثة هي من طبيعة الغرب نفسه وبالتالي يتعذر على الشرق إنتاجها، وهو زعم يفتقد الرؤية التاريخية لتطور المجتمع البشري وبالتالي فهو لا يتلمس العلاقات والظروف التي أدّت إلى بروز تجارب مختلفة بين دولة وأخرى أو بين منطقة من العالم وأخرى، أو بين طرف ومركز ضمن المنظومة العالمية الواحدة.
نشأت الدولة الحديثة إذاً في الغرب والشرق في مناخين مختلفين وفي ظروف ومواقع تاريخية مختلفة على الرغم من خضوعهما لمنظومة عالمية واحدة. ففي الغرب جاءت الدولة ترجمة لتحولات تاريخية شهد المجتمع خلالها نشوء الطبقة البرجوازية وتَحلُّل نمط الإنتاج الإقطاعي فجاء عصر التنوير ليعبر عن هذه التحولات في جملة مبادئ وضعية تضع حداً للحكم الملكي المطلق المستند إلى الحق الالهي وتؤسس لقيام الدولة الحديثة المستندة إلى الإرادة العامة. أما في الشرق العربي فهي لم تكن ترجمة لعصر النهضة العربي الذي عبر رواده عن نماذج للدولة المنشودة لم تكن بعيدة من روحية النموذج الغربي لها، على الرغم من أن عصر النهضة هذا لم يكن تعبيراً عن تحولات تاريخية مجتمعية مساعدة بقدر ما كان تعبيراً عن بدايات تكون نظام التبعية للغرب وعن محاولات ترميم الدولة العثمانية وظهور نخبة من الموظفين والضباط فيها تدعو إلى ضرورة الإصلاح عبر تبني نماذج التنظيم الموجودة في أوروبا؛ فضلاً عن تأثير نخبة مثقفة تلقت علومها في أوروبا وفتنها سحر نموذجها الحداثي ... في الوقت الذي كانت بلادها تشهد بدايات الاختراق الاستعماري وخضوعها لعلاقات رأسمالية طرفية تابعة للدولة الحديثة في الغرب ولدورها الاقتصادي الجديد في الخارج الذي كان يجري تكييفه لمصلحة الداخل. كل ذلك في ظل دولة عثمانية متداعية ومجتمع يسير أكثر فأكثر نحو التخصص بإنتاج سلع تلبي حاجات الثورة الصناعية، أو يستحيل سوقاً لتصريف إنتاج تلك الثورة، وطبقة "برجوازية" صاعدة تؤدي دور الوساطة التجارية بين الداخل والخارج فضلاً عن دور تكييف الداخل الطرف لحساب الخارج المركز.

كان عصر التنوير وما أنتجه من أفكار وضعية وعقلانية ملهماً لعدد من الثورات الاجتماعية والسياسية شهدتها أوروبا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر أسفرت عن قيام الدولة الحديثة. وقد ارتكز قيام هذه الدولة على وجود بيروقراطية، وقيام جيش كمؤسسة قوية ومتمتعة باستقلال نسبي، وسيادة جو من العقلنة في التنظيم. وقد سادت في هذه الدولة أنظمة سياسية بديلة من أنظمة القرون الوسطى، بحيث قامت هذه الأنظمة بانتزاع الصفة الإلهية عن سلطة الملوك فاصلة الدين عن الدولة.
هناك جملة مبادئ إنسانية عبر عنها فلاسفة عصر التنوير مثلت منطلقاً لقيام الدولة الحديثة. وأبرز هذه المبادئ الحرية والعدالة والمساواة والقانون والديمقراطية. وقد كرست هذه المبادئ في جملة تشريعات كانت بمثابة عقد اجتماعي يمثل إرادة عامة يلتزمها الجميع. وقد تساوى الناس جميعاً أمام هذا العقد في الحقوق والواجبات، ولم تعد السلطة معه منوطة بملك يمثل العدالة الإلهية والحق الإلهي، بل بات مصدر العدالة والمساواة قانون الطبيعة.
وهكذا فعل توماس هوبز إذ ربط بعض مبادئ الفلسفة الوضعية بقانون الطبيعة هذا، الذي يقضي أن يعامل الإنسان الآخرين على النحو الذي يحب أن يعاملوه به، لذلك فإن العدالة والمساواة والاعتدال والرحمة مصدرها قوانين الطبيعة نفسها، وليست السلطة الإلهية. وهذه القوانين يعود الفضل للعقل في اكتشافها، وهي "بموجبها يحرم على البشر ان يفعلوا ما من شأنه أن يؤدي إلى تدمير حياتهم أو ينزع عنهم الوسيلة إلى رعايتها وحفظها". وهذه القوانين هي التي تؤسس لدى هوبز للنظام السياسي الذي يفترض لكي ينجح في وضع حد للصراع المميت أن يوافق أفراد الجماعة على الاعتراف بالسيادة المطلقة بـ "شخص معنوي" هو الدولة، يمارس سلطانه بواسطة قرارات يكون وحده صاحبها، وبواسطة قوانين يمثل فرضها شرطاً لانتظام الجمهورية. بإنشاء الدولة إذاً يفترض توافق المواطنين جميعاً على التخلي الكلي عن قوتهم الفردية ونقلها إلى السلطة العامة.
وهذه القوة الفردية يعبر عنها جون لوك بالسلطة التي يتمتع بها كل فرد في "التطور الطبيعي"، وهو يرى أن الدولة تقوم على تخلي الأفراد عن هذه السلطة لمصلحة الجماعة ومن خلالها للحكام الذين نصبهم المجتمع أولياء عليه مشترطاً عليهم صراحة أو ضمناً استخدام هذه السلطة من أجل خيرهم وحماية أملاكهم. وهنا يكمن مغزى العقد الاجتماعي لدى لوك، الذي عاصرت أعماله الثورة الإنكليزية الثانية ومهدت لسقوط نظام الحق الإلهي وقيام نوع من الملكية الدستورية.
وربما يكون العمل الأكبر على طريق التأسيس للدولة الحديثة وللنظام الجمهوري قد أتى به جان جاك روسو في عقده الاجتماعي الذي كان ملهماً للثورة الفرنسية، وواضعاً أسس العقد الاجتماعي الذي تقوم عليه الدولة الحديثة. فجاء عقده ليحدد مفاهيم حديثة للحكم والقانون والتشريع والإرادة العامة والحرية والمساواة والعدالة والديمقراطية ... وغيرها من المبادئ الوضعية. وظهرت الدولة في عقده بوصفها شخصاً معنوياً متجسداً بمجموعة أنظمة ومؤسسات تعبر عن الإرادة العامة. وهذا الشخص العام، الذي يؤلف من اتحاد جميع الآخرين، يسمى "جمهورية" أو "هيئة سياسية" أو "دولة". ويتساوى جميع المواطنين المشتركين في هذا العقد فيه، و"ما يجب ان يصنعه الجميع يمكن الجميع أن يأمر به، ولكن ليس لأحد حق أن يطالب بأن يصنع ما لا يصنعه بنفسه". والتعهدات التي تربط المواطنين بالهيئة الاجتماعية ليست إلزامية إلاّ لأنها متقابلة، فالشعب الذي يكون خاضعاً للقوانين يجب أن يكون هو واضعها.

ويتحدث روسو عن السيادة، وهو لا يفصلها عن الإرادة العامة. فالعقد الاجتماعي يمنح الهيئة السياسية، أي الدولة، سلطاناً مطلقاً على جميع أعضائها، وهذه السلطة نفسها، الموجهة بدورها من قبل الإرادة العامة، تسمى سيادة. وهكذا تكون الإرادة العامة لدى روسو هي التي تمارس السيادة: و"الإرادة العامة وحدها هي التي يمكنها أن توجه الدولة وفق هدف نظامها الذي هو الخير العام"، وهو يمثل المصالح المختلفة التي تتألف الرابطة الاجتماعية منها ويدار المجتمع على أساسها. وبما أن السيادة ليست سوى الإرادة العامة فهي "لا يمكن ارتهانها أبداً". والسيادة لدى روسو لا يمكن أن تكون موضع تفويت، إذ "يمكن أن ينتقل الحكم من جهة إلى أخرى لكن الإرادة نفسها لا يمكن أن تنقل". والسيادة لا تقبل التجزئة كذلك. فالإرادة إما أن تكون عامة فتكون إرادة الشعب برمته، وتكون بالتالي تعبيراً عن السيادة، وهي بذلك تفعل فعل القانون، أو تكون إرادة جزء من الشعب وهي بذلك لا تكون سوى إرادة خاصة.
ويحذر روسو من مخاطر مصادرة الدولة من قبل الحاكم، الأمر الذي يؤدي إلى الاستبداد وإلى انفراط العقد الاجتماعي: و"إذا ما انتهى الأمير إلى حيازة إرادة خاصة أكثر فعالية من إرادة السيد واستعمل القوة العامة التي هي قبضته اتباعاً لهذه الإرادة الخاصة فإنه يكون هناك سيدان: سيد حق وسيد واقع، وهنالك يتلاشى الاتحاد الاجتماعي من فوره وتنحل الهيئة السياسية".
وقد وعى روسو تأثير الاستبداد ومصادرة الدولة من قبل الحكام في الوحدة الوطنية وفي الولاء للوطن، فحين "ينقطع الأمير عن ادارة الدولة وفق القوانين ويغتصب السلطة ذات السيادة
[…] يقع تغيير عجيب، وذلك أن الدولة، لا الحكومة، تتقلص، وبهذا أعني أن الدولة الكبيرة تنحل وتتألف منها دولة أخرى مركبة من أعضاء فقط تكون تجاه بقية الشعب سيدته وطاغيته، حتى إذا ما اغتصبت الحكومة السيادة نُقضَ الميثاق الاجتماعي وحُملَ المواطنون […]
على الطاعة من غير ارتباط". كما تنبه روسو إلى مخاطر استخدام القوة، فهي "لا تخلق الحق، وإننا غير ملزمين بغير طاعة السلطات الشرعية". وهو يشدد على ضرورة صون العقد للحرية الفردية، فحرية الفرد ملازمة لإنسانيته؛ "وتنـزُّل الإنسان عن حريته يعني تنزلاً عن صفة الإنسان فيه وتنـزلاً عن الحقوق الإنسانية وعن واجباتها أيضاً". والحرية هذه لا تكون تجاه السلطة الملكية - أو السياسية - فحسب بل تجاه السلطة الأبوية - أي الاجتماعية - كذلك، و"إذا ما استطاع كل واحد أن يبيع نفسه فانه لا يقدر على بيع أولاده. فهؤلاء الأولاد يولدون أحراراً وتكون حريتهم خاصة بهم". ولا تقل المساواة أهمية عن الحرية لديه، وهما أمران يجب أن يصونهما التشريع. فإذا "بحث عن الشيء الذي يقوم عليه أعظم خير للجميع، والذي يجب أن يكون عليه كل طريق اشتراعي، وجد أنه يرد إلى أمرين أصليين: الحرية والمساواة".
وحدد روسو في عقده دور الحكومة، فهي "هيئة متوسطة قائمة بين الرعايا والسيد ليتواصلا، موكولٌ إليها تنفيذ القوانين وصيانة الحرية المدنية والسياسية". وهو يرى أن نظام الحكومة "ليس عقداً، بل قانونٌ، وحَفَظَةُ السلطة التنفيذية ليسوا أولياء الشعب بل موظفوه، وهو يستطيع نصبهم وعزلهم عندما يود
[…] وهم لا يفعلون غير القيام بواجبهم كمواطنين عند تقلدهم الوظائف التي تلزمهم الدولة بها". أما النواب فهم ليسوا ممثلي الشعب "ولا يمكن أن يكونوا ممثليه، وهم ليسوا غير وكلائه، وهم لا يستطيعون تقرير شيء نهائياً. وكل قانون لا يوافق الشعب عليه شخصياً باطل، وهو ليس قانوناً مطلقاً". وهو يشدد على مخاطر تأثير المصالح الخاصة في المصلحة العامة، مشيراً إلى أن فساد المشترع أكثر شراً من سوء استعمال الحكومة القوانين. "فالدولة إذ تكون قد فسدت في جوهرها فإن كل إصلاح يصير متعذراً". والسبيل إلى تلافي ذلك يكمن عند روسو في الديمقراطية، فهي "المثل السياسي الأعلى الذي يستطيع أن يجمع، في فعل واحد، بين الحرية وبين الخضوع للقوانين و[…]
النمط القادر على جعل السلطة والقيادة في أيدي من يكون "الجمع العام" عنهم راضياً وعلى فعلهم موافقاً".
هكذا إذاً تبلورت فكرة الدولة الحديثة دولة أنظمة ومؤسسات تعلو سلطة الأمير وتخضع كل أفراد المجتمع لسلطانها، دولة تقوم على الفصل بين السلطات وعلى الفصل بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة. وكان على العالم العربي ان ينتظر عقوداً عدة على حدوث الثورة الفرنسية وغيرها من الثورات الاجتماعية والسياسية التي شهدتها أوروبا، لكي يأخذ دوي هذه الأفكار يترامى في أجوائه. وكان للبعثات التعليمية التي أرسلت إلى أوروبا دور في تفجير هذا الوعي، وجرى نقل صورة عن تجربة التحديث الأوروبية بإعجاب، وأطلقت الدعوة إلى التمثل بهذه التجربة، فأخذت أفكار الثورة الفرنسية تتسرب إلى الدولة العثمانية بما في ذلك مفاهيم الحرية والمساواة والوطنية والديمقراطية وتحديد السلطة المطلقة.
غير أن هذه الحركة ظلّت دون خطوة تستحق التوقف عندها، وهي أن حركة النهضة العربية تبنت الأفكار الأوروبية الحديثة مع الحفاظ على الأصالة الثقافية للمجتمع دون إحداث قطع مع الماضي كما فعل عصر التنوير ومبادئ الدولة الحديثة في أوروبا. دون ان ينفي هذا بحد ذاته النزعة التحديثية لرواد النهضة العربية، والعمل على إعادة تفسير التراث الإسلامي وتكييفه لاستيعاب منجزات عصر التحديث وتبني منطلقاته. ويبدو البعد التراثي الإسلامي في طروحات بعض رواد النهضة مجرد أسلوب في التعبير أو وسيلة لإيصال أفكارهم التحديثية في ظل مجتمع لم يكن يشهد بعد الشروط الموضوعية لإجراء قطع مع ماضيه كما فعل عصر التنوير في أوروبا تجاه الكنيسة.

وقد احتل البعد الدستوري حيزاً مهماً من أفكار رواد النهضة العربية. وجعل بعضهم الأمة مصدر السلطات ودعا إلى إقامة حكم على أسس دستورية ترتضيها الأمة ويتقيد بها الحكم. ورأى أصحاب النزعة الدستورية في عصر النهضة أن الحل الوحيد لمشكلة الدولة المقترحة هو التنظيمات والمؤسسات الدستورية الأوروبية، التي مثلت في نظرهم سبب تقدم أوروبا وقوتها.
ومنذ منتصف القرن التاسع عشر أخذت الدعوات إلى تحديث الدولة تتكرر مع مجموعة من رواد عصر النهضة. فقد دعا أحمد فارس الشدياق إلى تحقيق الشورى عبر مجالس نواب للأمة يجري انتخابها شرعياً وليس عبر مجالس يكون فيها وزراء صاحب الملك ووكلاؤه. أما بطرس البستاني فقد اشترط للتمدن قوانين عادلة متساوية تتفق مع روح العصر وتركز على الموضوع لا على الأشخاص، داعياً إلى الفصل بين الدين والدنيا، وإلى ضرورة فهم العلوم الحديثة وتغيير عقول الناطقين بالضاد وقرائها ليواكبوا العلم والتقنيات الحديثة.
ويعد الطهطاوي من أبرز المفكرين العرب في عصر النهضة الذين نظّروا للدولة الحديثة. وقد وضع الطهطاوي رؤية سياسية مستلهماً مبادئها من الأفكار الأوروبية الحديثة حول الدولة والقانون ومحاولاً تكييفها مع الواقع الثقافي الإسلامي في مجتمعه، مبرراً مشروعية الأخذ في النظام السياسي والقانوني للدولة الحديثة الأوروبية. وكان تأثر الطهطاوي واضحاً بأفكار روسو وبعقده الاجتماعي. فهو يتحدث عن الحقوق المدنية بوصفها "حقوق أهالي المملكة الواحدة بعضهم على بعض"، وهي ليست هبة من الدولة بل هي تضامنية بين المواطنين، وهي ثمرة التعاهد بينهم "لحفظ أموالهم ومنافعهم ونفوسهم وأعراضهم وما لهم وما عليهم محافظة ومدافعة"، حتى إنه أكثر ما يقترب من روسو حين يحدد أن أهم الحقوق المدنية للمجتمع هي الحرية والمساواة؛ فالحرية من شأنها وحدها أن تخلق مجتمعاً حقيقياً وحباً للوطن قوياً.
وتحدث الطهطاوي عن الحقوق والواجبات لكل من السلطة والمواطنين، مشيراً إلى الجانب الإيجابي في واجبات المواطن التي تكمن ليس في خضوعه للسلطة بل في دوره الإيجابي في بناء مجتمع متمدن حقاً. أما حقوق السلطة الحاكمة وواجباتها فهي يجب أن تتحدد بقانون كي تتحصن تجاه الرغبات والمصالح الشخصية للجماعة الحاكمة. وقد أكّد الطهطاوي في نظرته إلى الدولة أن الأمة هي مصدر السلطات، مشدداً على ضرورة وجود دستور يحدد الإطار القانوني لممارسة هذه السلطات. وهو دعا إلى ضرورة وجود ميثاق دستوري يقوم الحكم عليه، على أن يرتضيه المواطنون ويلتزمه الحاكم. ورأى الطهطاوي ان مصدر الميثاق الدستوري يكون الفكر السياسي الحديث لا مصادر التشريع الإسلامي. من هنا كانت دعوته إلى تقليد الفرنسيين في نظمهم الدستورية والبرلمانية حيث يخضع الحاكم فيها للقوانين تطبيقاً لسيادتها. ولم ينظر الطهطاوي نظرة جامدة إلى الشرائع بل نظرة تاريخية، مشيراً إلى ضرورة تغيرها بتغير الظروف. كما كان للولاء الوطني موقع في أفكار الطهطاوي، إذ جعل الوطنية رابطة أساسية ودافعاً للتضحية، رابطاً المواطنة بالحقوق العامة. فانتماء الفرد للوطن يعني "أن يتمتع بحقوق بلده"، داعياً إلى انقياد الفرد لقانون الوطن والعمل على تنفيذه.
كما احتلت الدولة الحديثة المؤسسة على القانون والعدل حيزاً مهماً من أفكار خير الدين التونسي. فهو دعا إلى ضرورة تجاوز الدولة الدينية وتأسيس الدولة المدنية القائمة على العقل، مشدداً على دستورية الدولة وعلى ضرورة إلغاء الحكم المطلق القائم على الاستبداد، مشيراً إلى أن الانفراد في السلطة لا بد من أن يؤدي إلى سيادة الظلم وخراب العمران. وتقييد سلطة الحاكم في نظره هو الشرط الضروري لتحقيق العدل الذي هو الأساس السليم الوحيد للدولة. ولا يجوز في رأيه التخلي عن القوانين المنظمة للعلاقة بين الحاكم والمحكوم بحجة أن الحاكم له من الكمالات ما لا يحتاج معها إلى قوانين. وهذا التقييد يجري على مستويين: الشريعة والمشورة.

كما شدد التونسي على مسألتي الحرية والعدل، مركزاً على الحرية الشخصية عبر "إطلاق تصرف الإنسان في ذاته وكسبه ... ومساواته لأبناء جنسه ..."، وعلى الحرية السياسية عبر مشاركة المواطنين في الدولة وإبداء الرأي في ما هو أصلح لها، مشدداً على ملازمة الحرية لسيادة القانون في هذه الدولة، فأسباب العمران والتمدن في رأيه تتأسس على دعامتي الحرية والعدل. ودعا التونسي إلى تأليف المجالس النيابية المنتخبة تحقيقاً للديمقراطية التمثيلية.
هذه الحياة النيابية هي الشرط للقضاء على الاستبداد لدى الأفغاني كذلك. والحياة الدستورية بالنسبة إليه لا تقوم إلاّ إذا كان للشعب دور أساسي فيها، لأن سلطة الأمراء والملوك منافية للحكم الدستوري النيابي بمعناه الصحيح. فالقوة النيابية لأي أمة لا تحقق مغزاها الحقيقي إلاّ إذا كانت من الأمة نفسها.
ولم يختلف مفهوم الدولة عن ذلك لدى الكواكبي. وهو كان من دعاة حكم الشعب والسيادة الشعبية، ومن دعاة حكومة دستورية يكون المواطن فيها أميناً على سلامة الجسم والحرية والنفوذ والعدل والمال والملك والشرف، خاضعة لسيطرة الأمة، المسؤولون فيها وكلاء ينوبون عن الأمة بإدارتها ويقومون بحفظ الحقوق الأساسية المقررة للأمة على الحكومة.


حول المركز

محاور
					
					
					
					 الابحاث

الأنشطة

المنشورات

الدراسات

مصادر

مقالات
					
					
					
					 الموقع