English Version خريطة الموقعسجل عنوانكالجديد

المنشورات الدوريةالأبعاد
 
أبعـــــــاد
العدد الخامس: حزيران/ يونيو 1996

إدمون نعيم: التطور التاريخي للأنظمة القضائية (ص 37 - 38)

تعقيب على محاضرة أنطوان خيـر
أعتقد أن موضوع الورقة التي قدمها طارق زيادة لا يمكن أن يفيد مباشرة في تصحيح مسيرة القضاء في لبنان حاضراً، إنما يمكن من دون شك أن نستأنس بمضمون هذا التاريخ من أجل الوصول إلى تلك الغاية. كنت أتمنى على زيادة أن يبين لنا ما كان القضاء حقيقة في عهد السلطة العثمانية، حين كان لبنان بمقتضى القانون الدولي العام جزءاً من الإمبراطورية العثمانية، فقد كان بالإمكان، ويعذرني حضرة الصديق الكريم والقاضي الكبير، أن نتكلم على الامتيازات في العهد العثماني، وكان بالإمكان أن نتكلم على القضاء الطائفي، وبصورة ما على قضاء الأحوال الشخصية، للتمييز بين بعض الموضوعات التي كانت من اختصاص القضاء الطائفي وبين الموضوعات الأخرى التي كانت من اختصاص القضاء العادي. وكان بالإمكان أيضاً أن نتكلم على القوانين الأجنبية التي تبنتها السلطنة العثمانية في القرن الغابر من أجل تطبيقها أمام المحاكم العثمانية: فقانون أصول المحاكمات الجزائية تبنته السلطنة العثمانية عن الدولة الفرنسية، وهو بقي مطبقاً في لبنان. كما أن أصول المحاكمات المدنية لم يكن منسوخاً عن قانون المحاكمات المدنية الفرنسي إنما كان مستوحاً إلى حد بعيد من ذلك القانون، وكانت توجد محاكم بدائية واستئنافية ومحكمة تمييز في الآستانة. ثم نتكلم على القضاء في عهد الانتداب الذي بقي إلى مدة طويلة من الزمن يتقيد بالقوانين العثمانية وإن كانت القرارات الانتدابية التي صدرت تتبنى بنصوص جديدة المحاكم البدائية والمحاكم الاستثنائية ومحكمة التمييز. وكان بالإمكان أيضاً أن نتكلم على القضاء المذهبي، أو القضاء الطائفي، وهذا أمر مهم جداً، لأننا، وعلى الأقل في ما يتعلق بي، نرغب في تطوير هذا المجال. وحتى الآن لا تزال الطوائف، بل المذاهب في كل الطوائف، تتمتع باستقلالية شبه مطلقة في ما يتعلق ليس بالتنظيم القضائي فقط بل بقوانين العائلة كذلك، أو قوانين الأحوال الشخصية.

طبعاً هناك في ما يتعلق بالطوائف المسيحية استقلال تام شكلي وأساسي، أما في ما يتعلق بالطوائف الإسلامية فهناك فرق بين الشكل والأساس، ولا يمكن المجلس النيابي أن يقر قانوناً طائفياً إسلامياً إلاّ إذا وافقت الطائفة المعنية (المذهب المعني) خارج المجلس النيابي على هذا النص، فيدخل المشروع إلى المجلس النيابي ويناقش، وفي نهاية المطاف يقرر أعضاء المذهب الذين يكونون في المجلس النيابي مصير هذا القانون على الأقل واقعياً، بينما في الأساس يقره المجلس النيابي بكامله.
تكلم زيادة عن أصول تعيين القضاة. شخصياً أنا أرى أن الجسم القضائي هو الجسم الأهم في الدولة، لأنه داخل هذا الجسم تحل المنازعات، كل المنازعات دون استثناء، أللهم إلاّ ما يتعلق بالعمل الحكومي. ويجب بعد حين أن نصل إلى إلغاء هذا العمل المسمى العمل الحكومي. وهناك أيضاً وبخاصة في ما يتعلق بتعيين القضاة، نص أعتقد أنه يتعارض مع حقوق الإنسان، وأن المحاكم الإدارية وخاصة يمكنها أن تداول هذا النص الذي يتعارض مع حقوق الإنسان، وهو القائل إن قرار التأهيل الصادر عن مجلس القضاء الأعلى ولا يقبل أي طريق من طرق المراجعة، لا يقبل الطعن إطلاقاً، حتى إن مجلس القضاء الأعلى يرفض تبليغ أصحاب الشأن مضمون قرارات عدم التأهيل. هذا المسلك، أو هذا النص في القانون اللبناني يتعارض مع حقوق الإنسان، إذ إن قرار عدم التأهيل يصدر دون مواجهة صاحب الشأن وبغيابه ولا يبلغ إليه لمعرفة ما هي الأسباب التي أدّت إلى إصدار هذا القرار. إنتقد زيادة، وأنا أؤيده كل التأييد، أصول تعيين القضاة حاضراً، إذ إنه يجب، وبخاصة في دولة كلبنان حاضراً، أن يكون التعيين صادراً عن هيئة مستقلة تماماً عن السياسيين. كيف يكون ذلك؟ الأمر سهل وسهل جداً: بتعيين مجلس النواب هيئةً واسعة لا يقل عدد أعضائها عن 10 أشخاص خارج رجالات السياسة، خارج الهيئة القضائية العاملة، ويمكن أن يكونوا من القضاة السابقين أو من رجالات القانون السابقين، ويكون تعيينهم مدى الحياة، لا يمكن أن يخرجوا من هذه الهيئة إلاّ بإرادتهم أو إلاّ إذا أصابتهم مصيبة تطعن في أهليتهم للقرار. هذا هو رأيي الحسير في الموضوع.

أما في ما يتعلق بالمبالغ التي يتقاضاها القاضي، ذلك كان في الماضي أما في الحاضر، فقد سمع بعضنا إن لم يكن كلنا أنه منذ 4 سنوات أو 5 سنوات أو أكثر قليلاً، نوى القضاة الإنكليز أن يضربوا عن ممارسة وظيفتهم لأن رواتبهم كما قالوا لم تكن كافية لحياتهم الكريمة. وفي ما يتعلق بالقضاء الإيطالي، يعلم بعضنا إن لم يكن كلّنا، ما جرى للقاضي الشهير "دي بياترو"، الذي حقق معه في نهاية المطاف وكاد يحال إلى المحاكمة. فعلينا، نحن في لبنان، على ما أعتقد، أن نحمل مشعل القضاء المستقل تماماً ونعتبر أن القضاء لا يمكن أن يستقل إلاّ إذا كان مرتبطاً بهيئة مستقلة هي بذاتها عن الجسم السياسي. هذا كل ما أرغب في قوله في هذا الموضوع مع تهنئتي لرئيس الندوة عندما جاهر بموقف صديقي الوزير طبارة للإحجام عن حضور هذه الندوة لأنه كان يرغب في أن يملي إرادته في أمر معين يتعلق في هذه الندوة وقد دفع بعض القضاء المدعوين الذين كان سبق لهم أن قبلوا الاشتراك إلى عدم اشتراكهم فيها في نهاية المطاف، وهذا دليل على أن الندوة مستقلة جريئة في تصرفاتها، وهي يمكن في نهاية الأمر أن تخدم المجتمع اللبناني وهي يمكنها تحديداً أن تخدم القضاء اللبناني


حول المركز

محاور
					
					
					
					 الابحاث

الأنشطة

المنشورات

الدراسات

مصادر

مقالات
					
					
					
					 الموقع