القانون المنفذ بمرسوم رقم 10434 تاريخ 14 حزيران/ يونيو
1975) (نظام مجلس شورى الدولة) القضاء الإداري هو قضاء مستقل،
وهو أقدم أشكال التقسيم القضائي ويختص بالدرجة الأولى بالعلاقات
التي تقوم بين الأفراد والإدارة والتي يكون فيها للإدارة مركز
متميز. ورمز هذا القضاء مجلس شورى الدولة بهيكليته المستقلة. كما
أن هناك قضاء مالياً إدارياً يتمثل بديوان المحاسبة (المرسوم
الاشتراعي رقم 82/83 معدلاً بالمرسوم الاشتراعي رقم 5/85
والقانون 132/92) وهناك هيئات ومجالس ولجان تأديبية. وفي ميدان
التأديب هناك محاكم عدّة، كتأديب الموظفين المدنيين، الذي توحد
بعدما كان مجالس عدة، والعسكريين والقضاة ونقابات المهن الحرة
والمعلمين ...الخ. ويظل قانون الموظفين هو القانون العام والمرجع
الأساسي للمدنيين على الرغم من وجود هيئات تأديب مستقلة.
ثالثاً: قضاء الأحوال
الشخصية
إن قضاء الأحوال الشخصية هو قضاء خاص
واستثنائي، ويتعلق اختصاصه المحدد في قوانين الطوائف والمذاهب
بالانتظام العام ويتفرع أصلاً من القانون المدني العام، إلاّ أنه
في لبنان قضاء خاص. وهو يتألف من القضاء الشرعي للطوائف
الإسلامية الذي هو جزء من تنظيمات الدولة القضائية، ومن قضاء
مذهبي روحي للطوائف المسيحية وللطائفة العيسوية، وهو مستقل تمام
الاستقلال قانوناً وتنظيماً. وهناك قضاء خاص بالأوقاف الذرية
(المحكمة الذرية قانون 10 آذار/ مارس 1947) وهناك مجالس أوقاف أو
لجان منبثقة من المجالس الملية. ويبقى القضاء المدني العادي صاحب
اختصاص بموضوعات الجنسية ووقوعات قيد الأحوال الشخصية وبعقود
الزواج ومفاعيلها المنظمة وفقاً للحق المدني، وبقضايا الإرث
للمسيحيين عدا إرث رجال الدين المسيحيين.
رابعاً: القضاء
السياسي
نشأ في لبنان حديثاً نوع من القضاء السياسي
الخاص (وهو قضاء جزائي في الوقت نفسه) مع وضع المادة الثمانين من
الدستور موضع التطبيق بإنشاء المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء
والوزراء وإقرار قانون أصول المحاكمات أمام هذا المجلس بموجب
قانون خاص.
كما أن تأليف المجلس الدستوري لمراقبة دستورية
القوانين بموجب المادة 19 معدلة من الدستور هو الآخر قضاء سياسي
من طبيعة خاصة. إن الاتجاه الحديث في الفقه يدعم فكرة التخصص في
فروع القضاء، ووجود قضاء إداري مستقل عن القضاء العدلي اتجاه
قديم في الدول اللاتينية منذ زمن بعيد ويجد تبريره الواسع في
العديد من التنظيمات القضائية، كذلك هي الحال في لبنان منذ عهد
الدولة العثمانية. كما أن القضاء الجزائي يتجه أكثر فأكثر نحو
التخصص، وهناك نظريات حديثة تدعو إلى تخصص القاضي نفسه بالجزاء
وبالعلم الجنائي والعقوبات، ويرى البعض أن للقضاء الجزائي مميزات
في ضوء التجربة والعلوم الإنسانية الحديثة يجب الإفادة منها.
ويرى هؤلاء أن من المفيد لقاضي الجزاء أن يتعمق في دراسة علم
النفس وعلم نفس الجريمة والنظريات الجرمية والعقابية وان يتخصص
بها. ولكن الغالب على النظم القضائية، ومنها في لبنان، عدم وجود
مثل هذا التقسيم للعمل ويبقى إعداد القاضي لولاية القضاء الشاملة
في جميع المحاكم.
إلاّ أن ذلك كله شأن يختلف عما يمكن وصفه
وتسميته القضاء الإستثنائي. لأن الطابع الإستثنائي ينبع من شروط
مختلفة ويمس عادة القواعد العامة والأصول الموحدة لتطبيق
القانون. فالقضاء الإستثنائي كما يعرفه فاروق الكيلاني في
محاضراته عن أصول المحاكمات الجزائية هو الذي ينقل المواطن،
نظراً إلى حقوقه المعلنة في قانون، من أمام محكمته العادية
ليحاكم أمام محكمة خاصة، وغالباً ما يتسم القضاء الإستثنائي
بطابع سياسي كما هي الحال مع المحاكم الشورية أو العرفية أو
محاكم الحرب الاستثنائية، والحالات السياسية الطارئة والمحاكم
العسكرية الموقتة وكما هي الحال مع محاكم أمن الدولة الموجودة في
العديد من البلدان العربية (مصر والأردن وسوريا ...).
المعيار الدولي أو شرعة حقوق
الإنسان
نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في
10 كانون الأول/ ديسمبر 1948 على مبادئ تتعلق بالقضاء، ويمكن
عدّها معيار التمييز بين الأنظمة القضائية وبين المحاكم نفسها
داخل التنظيم القضائي. يقول الإعلان العالمي، إن كل الناس سواسية
أمام القانون (المادة 7) ولكل إنسان الحق على قدم المساواة أن
تنظر قضيته محكمة مستقلة نزيهة (المادة 9). ونص الملحق (ب)
المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية على المساواة أمام القضاء
والمحاكمة العادلة والعلنية، وبواسطة محكمة مختصة ومستقلة
وحيادية قائمة استناداً إلى القانون (المادة 14 فقرة 1). ولكل
محكوم الحق في إعادة النظر بالحكم والعقوبة بواسطة محكمة أعلى
بموجب القانون (المادة 14 فقرة 5).
وإذا أخذنا بهذه المقاييس
أو المعايير فإن القوانين اللبنانية المنظمة للقضاء والمحاكم لا
تخرج عنها وتوفر الضمانات بوجه عام، باستثناء المجلس العدلي لجهة
كونه لا يوفر ضمانة المراجعة والطعن بقراراته أمام محكمة أعلى.
وهو يتمتع بطابع استثنائي واضح لأن اختصاصه مأخوذ عن قوانين عامة
كالتنظيم القضائي وأصول المحاكمات المدنية وأصول المحاكمات
الجزائية، وقانون العقوبات العام والعقوبات العسكرية. والأهم من
ذلك أن اختصاصه للنظر في الدعوى يتوقف على القرار السياسي الصادر
عن مجلس الوزراء بمرسوم. وقد درج المجلس العدلي من خلال اجتهادات
متكررة، على اعتبار نفسه مختصاً للنظر بالدعوى وذا ولاية شاملة
بمجرد الإحالة عليه، دون أن ينظر في صحة اختصاصه، وذلك خلافاً
لبعض الآراء الفقهية.
المجلس العدلي
إن
المجلس العدلي هو محكمة عليا استئنافية، تألّف في عهد الإنتداب
الفرنسي بموجب القرار رقم 1905 تاريخ 12 أيار/ مايو 1923، وأعطي
الاختصاص بجنايات القتل العمد وبلا تعمد، وبالقضايا الناشئة عن
إغارات بعض المتمردين، أي لمواجهة عمليات مقاومة الإنتداب وحركات
العصيان والتمرد. وتعدل القرار مرات عدة أهمها عامي 1944 و1948
(قانون أصول المحاكمات الجزائية) وقانون التنظيم القضائي
(7855/61) وتعديل 1972.
يتألف المجلس العدلي من هيئة للحكم من
كبار القضاة العدليين، أي من الرئيس الأول لمحكمة التمييز وأربعة
أعضاء من محكمة التمييز. ويمثل الادعاء العام أمامه المدعي العام
التمييزي أو من يعاونه. ويتولى هيئة التحقيق محقق عدلي يعين
بقرار من وزير العدل ويختص المجلس العدلي طبقاً للمواد 363 إلى
371 من أصول المحاكمات الجزائية في العقوبات المذكورة في المواد
270 إلى 336 من قانون العقوبات. وبالتالي ينظر في الجرائم
الواقعة على أمن الدولة الخارجي: (خيانة - تجسس - صلات غير
مشروعة بالعدو - جرائم ماسة بالقانون الدولي - النيل من هيبة
الدولة والشعور القومي). وجرائم المتعهدين ولا سيما في زمن الحرب
والطوارئ، والجرائم الواقعة على أمن الدولة الداخلي (الجنايات
الواقعة على الدستور، اغتصاب سلطة سياسية أو مدنية أو قيادة
عسكرية، الإرهاب، الجرائم التي تنال من الوحدة الوطنية أو تعكر
الصفاء بين عناصر الأمة، أو النيل من مكانة الدولة المالية)
والجرائم الواقعة على السلامة العامة (حمل الأسلحة والذخائر
وحيازتها والتعدي على الحقوق والواجبات المدنية، وجمعيات
الأشرار). كذلك الجرائم الناتجة من صفقات الأسلحة والأعتدة للقوى
الأمنية. إذاً إن المجلس العدلي هو محكمة استثنائية لأنه يختص
بالنظر في جرائم معينة نص عليها قانون العقوبات العام وأولى
القضاء الجزائي العادي صلاحية بتها.
ينظر المجلس العدلي في
القضايا التي تحال إليه بناء على مرسوم يصدر عن مجلس الوزراء
يقرر إحالة القضية على المجلس العدلي. ومن ثم يصدر قرار عن وزير
العدل يسمي ويعين المحقق العدلي الذي يتمتع بصلاحيات واسعة
للتحقيق والظن، ثم يتم رفع مضبطة الاتهام إلى المجلس العدلي بناء
على القرار الظني للمحقق العدلي ومطالعة النائب العام التمييزي
الذي يمثل الحق العام والادعاء. وقرارات المحقق العدلي لا تقبل
المراجعة، وهو له الصلاحية لكون القضية خارج اختصاص المجلس
العدلي. أمّا قرارات المجلس العدلي فهي مبرمة ولا تقبل أي طريق
من طرق المراجعة العادية وغير العادية. وهو هيئة محكمة يجري
التقاضي أمامها على درجة واحدة (محكمة عليا).
لقد أكدت
اجتهادات المجلس العدلي أنه ليس للمجلس أن ينظر في اختصاصه، أي
مجرد الادعاء أمامه، فهو له ولاية شاملة النظر بالقضايا الأصلية
والمتفرعة ولو كانت من اختصاص محكمة أخرى، كأن تكون مثلاً من
اختصاص المحكمة العسكرية أو محكمة جنايات عادية أو بمحكمة جنح
(القاضي المنفرد الجزائي). في حين أن هناك آراء فقهية تعارض هذا
الاجتهاد وترى أن المجلس العدلي أسوة بمحكمة الجنايات يمكنه أن
ينظر باختصاصه ويقرر هذا الاختصاص أو عدمه، ومن هذا الرأي الرئيس
الأول عاطف النقيب.
لقد كرست محكمة النقض المصرية اجتهاداً
على هذا الصعيد يعد القضاء العادي صاحب الولاية الشاملة
والأساسية. وقررت المحكمة تلك في ما خص صلاحية المحاكم
الاستثنائية (محاكم أمن الدولة) ما يلي: "ولما كان وفق ما استقر
عليه قضاء هذه المحكمة (محكمة النقض) أن المحاكم العادية هي
صاحبة الولاية العامة بالفصل في كافة الجرائم الاّ ما استثني
منها بنص خاص ... في حين أن غيرها من المحاكم ليست إلاّ محاكم
استثنائية، وأنه وإن أجازت القوانين في بعض الأحوال إحالة جرائم
معينة إلى محاكم خاصة - كمحاكم أمن الدولة - فإن هذا لا يسلب
المحاكم العادية ولايتها في تلك الجرائم ما دام أن القانون الخاص
لم يرد فيه أي نص على انفراد المحكمة الخاصة بالاختصاص دون
غيرها، ويستوي في ذلك أن تكون الجريمة معاقباً عليها بموجب
القانون العام أو بمقتضى قانون خاص ...".
كما قررت محكمة
النقض أن القاعدة العامة الأصلية من تنظيم الاختصاص هي أنه إذا
ارتبطت جريمة من الجرائم العادية بجريمة من اختصاص محكمة
استثنائية - كجريمة عسكرية - اختصت ينظرهما والفصل فيهما المحاكم
الجنائية العادية وذلك تغليباً لاختصاص المحاكم صاحبة الولاية
العامة ....
أما في لبنان فان اجتهادات المجلس قررت اتجاهاً
مغايراً وأعطت الصلاحية للمجلس العدلي في حال قيام التلازم بين
جرائم من اختصاص محكمتين استثنائية وعادية لكون المجلس العدلي
محكمة عليا.
وفي أي حال، إن من مميزات، أو مشكلات، التقاضي
أمام المجلس العدلي، ما
يلي: