English Version خريطة الموقعسجل عنوانكالجديد

المنشورات الدوريةالأبعاد
 
أبعـــــــاد
العدد الخامس: حزيران/ يونيو 1996

سليمان تقي الدين: التنظيم القضائي والمحاكم الاستثنائية ودورها (ص 50 - 64)
القضاء سلطة من السلطات العامة التي ينص عليها الدستور وينظم وجودها واختصاصاتها وأصول المحاكمة لديها بموجب القوانين. وتنشأ المحاكم والمجالس والهيئات واللجان والأجهزة القضائية لتطبيق القواعد النافذة والمعمول بها والتي تتميّز بصفة أساسية وجوهرية بالعمومية والمساواة.
فالدولة القائمة على الشرعية الدستورية تجعل من التشريع مصدراً واحداً موحداً لتحديد وإعلان حقوق المواطنين وواجباتهم بصورة عامة، دون أي تفرقة أو تمييز. والقضاء هو السلطة المولجة تطبيق القانون باستقلال تجاه السلطات الأخرى إلاّ بحدود ما يقيّده الدستور بوجه صريح.
والمحاكم من حيث المبدأ يجب أن تكون عادية، بحيث يتقاضى الأفراد لديها ويعرفون مسبقاً وسلفاً بوجودها ونظاميتها وأصول التقاضي لديها، وهي المرجع "الطبيعي" بحسب الدستور المصري لعام 1971، أو "النظامي" بحسب الدستور الأردني، لبت حقوقهم. وهي تتمتع بالولاية العامة والشاملة لتطبيق القوانين، وتستقل بكيانها - في تحقيق الدعاوى والحكم - عن السلطتين التشريعية والتنفيذية دون أن يعني هذا الإستقلال انعدام الصلة والتعاون والتأثير المتبادل بين السلطات.
وليس يمنع أن ينظم القانون محاكم خاصة ويوليها اختصاص النظر بمسائل معينة ومحددة بصورة حصرية، نظراً إلى طبيعة الحق أو الأشخاص أو الجرم أو إلى طائفة معينة من المسائل، ولاعتبارات وطنية أو تقنية.
فالدستور اللبناني نفسه كفل للطوائف الدينية مثلاً الاستقلال بتنظيم أحوالها الشخصية، ما يعني حقها في إنشاء محاكمها الخاصة. كما أن الدستور نص صراحة على وجوب تأليف المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، ما يعني إنشاء محكمة خاصة. وحديثاً نص على إنشاء مجلس دستوري لمراقبة دستورية القوانين.
ومن حيث المبدأ لا ضير في وجود محاكم خاصة إذا كانت تؤمن من حيث تأليفها واختصاصاتها وأصول التقاضي أو المحاكمة لديها، الحقوق التي كلفها الدستور، وفي مقدمها حق الدفاع والحق في المساواة، لذا يجب التمييز دائماً بين هذا النوع من المحاكم وبين ذاك الذي له طابع استثنائي، بمعنى أنه يفتقر إلى الضمانات الأساسية التي يكفلها الدستور وتسعى لحمايتها المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.
وفي لبنان هناك طائفة كبيرة من المحاكم الخاصة (محاكم، مجالس، هيئات، لجان) بل نكاد نقول، دون تردد، إن التنظيم القضائي في لبنان هو عبارة عن مجموعة كبيرة جداً من المحاكم الخاصة. كما أنه يوجد محاكم استثنائية، نموذجها البارز المجلس العدلي، نظـراً إلى المعايير التي سنعالجها. ولا يوجد في لبنان حتى الآن تنظيم قضائي واحد، أو بالأحرى قانون للتنظيم القضائي، بل هناك قوانين عدة، أهمها وأشملها قانون القضاء العدلي. ويقوم النظام القضائي في لبنان بوجه عام على أربع مجموعات كبرى وأساسية، ومنها تتفرع المحاكم الخاصة والاستثنائية.

أولاً: القضاء العدلي
يقوم القضاء العدلي على فرعين رئيسيين هما القضاء المدني والقضاء الجزائي.

1 -القضاء المدني
يتفرع القضاء المدني بدوره إلى عادي وعام وذي ولاية شاملة؛ ومن صلبه قضاء التنفيذ والقضاء المستعجل. ويميل البعض إلى اعتبار قاضي الأمور المستعجلة بمثابة قضاء خاص، نظراً إلى ما أولاه القانون من صلاحيات خاصة في الأمور المستعجلة المدنية والتجارية دون المسائل الجزائية والإدارية والشرعية والمذهبية. ومن هذا الرأي إدوار عيد في موسوعة أصول المحاكمات المدنية، إلاّ أننا لا نميل إلى اعتبار قاضي الأمور المستعجلة محكمة خاصة نظراً إلى اختصاصه في اتخاذ التدابير الوقتية التي لا تمس أصل الحق. إلاّ أن القضاء الخاص يتضح أكثر في صفة القاضي العقاري والقاضي العقاري الإضافي، إذ يكوّن محكمة استثنائية في القضاء المدني. فقد أنشأ هذه المحكمة القرار رقم 186 تاريخ 15 آذار/ مارس 1926 مع تعديلاته، المتعلق بتحديد العقارات والأموال المنقولة وتحريرها، ويعين بمرسوم من رئيس الدولة ويعد مماثلاً للقضاة التابعين للملاك العدلي ويحل محل حكام الصلح في التنظيم القضائي القديم ويحكم بصورة قاطعة وغير قابلة للمراجعة في كل دعوى ضمن صلاحية حاكم الصلح (القاضي المنفرد) حتى لو كان الحكم قابلاً للاستئناف، وتشمل صلاحياته دعاوى الحدود والحقوق الارتفاقية.
أما قضاء العمل فهو أيضاً محكمة خاصة، إذ ينشأ مجلس عمل تحكيمي في كل محافظة برئاسة قاضٍ يعين بمرسوم بناء على اقتراح وزير العمل وموافقة مجلس القضاء الأعلى، وتؤلف هذه المحكمة باشتراك ممثل عن أرباب العمل وممثل عن الأجراء عضوين. ويعين لديه مفوض حكومة بمرسوم. وهو يختص بالخلافات الناشئة عن تحديد الحد الأدنى للأجور وطوارئ العمل (المرسوم الاشتراعي رقم 25 تاريخ 4 أيار/ مايو 1943) والصرف من الخدمة وترك العمل وفرض الغرامات وفي جميع الخلافات بين أرباب العمل والأجراء. وهو يتبع الأصول المستعجلة ولا تقبل قراراته من طرق المراجعة، سوى الاعتراض واعتراض الغير والتمييز. أما اللجنة التحكيمية فهي تختص بعقود العمل الجماعية والوساطة والتحكيم في النزاعات الناشئة عن عقود العمل الجماعية. وقراراتها مبرمة نافذة من تاريخ صدورها وغير قابلة لأي طريق من طرق المراجعة.
إضافة إلى محكمة البداية التي تتولى النظر في الدعاوى التجارية، والإفلاس، هناك محكمة خاصة هي:
- لجنة تقسيط الديون التجارية للتجار المتضررين في الأحداث. وهي تتبع أصولاً سريعة ولا تقبل قراراتها إلاّ الاستئناف أمام محكمة الاستئناف المدنية، وتطبق لدى محكمة الاستئناف الأصول المستعجلة ويكون قرارها معجل التنفيذ ونافذاً على أصله وغير قابل لأي من طرق المراجعة العادية أو الاستثنائية.
- المحكمة الناظرة في شؤون تصفية المصارف الموضوعة اليد عليها: وتؤلف من قضاة ويمكن اشتراك خبراء مصرفيين لمعالجة شؤون المصارف الموضوع عليها اليد باستثناء الدعاوى الإدارية أو المعلقة أمام محكمة التمييز أو التي صدرت فيها أحكام استئنافية، وهي تحدد مهل المحاكمة وشكلها ولا يقبل قرارها أي طريق من طرق المراجعة سوى الاستئناف أمام محكمة الاستئناف المدنية في بيروت، ولا يكون القرار الاستئنافي قابلاً لأي طريق من طرق المراجعة ويمكن إلغاء هذه المحكمة بمرسوم.
- الهيئة المصرفية العليا: وتؤلف من حاكم مصرف لبنان وأحد نوابه ومدير المالية العام وقاض وعضو من جمعية المصارف، وتختص بفرض عقوبات على المصرف المخالف لأحكام نظامه الأساسي وأحكام قانون النقد والتسليف أو تدابير المصرف المركزي، ولا تقبل قراراتها أي طريق من طرق المراجعة العادية وغير العادية الإدارية والقضائية. وهناك هيئات ولجان أخرى عديدة منها نذكر لجنة القيد في القوائم الانتخابية (قانون 26 نيسان/ أبريل 1960) ولجنة فصل الخلافات بين الحكومة والمدارس الخاصة (قانون 15 حزيران/ يونيو 1956) ولجنة التعويض عن نزع الحقوق الفردية عن الأملاك العمومية (القرار 144 تاريخ 10 حزيران/ يونيو 1925) ولجنة تخمين مصادرات الجيش ولجنة الإثراء غير المشروع (المرسوم الاشتراعي رقم 38 تاريخ 28 شباط/ فبراير 1953) وهي لم تؤلف أبداً ...الخ. وأهم هذه اللجان ذات الصفة القضائية الخاصة والاستثنائية هي اللجنة الجمركية.
- اللجنة الجمركية: هي إحدى وحدات الإدارة المركزية، وهي محكمة إدارية استثنائية تفصل بالدرجة الأولى بالقضايا المختصة بالجمارك وهي ذات طابع مختلط يجمع الصفة الإدارية والقضائية وتؤلف من موظفين وقراراتها تقبل الاعتراض أمام المحاكم العادية ولها طابع مدني وجزائي. ويتم الاعتراض على قراراتها أمام القاضي المنفرد المدني (دون عشرين مليون ليرة) والغرفة الإبتدائية (إذا تجاوزت العشرين مليوناً) وإذا تناقضت القرارات بين اللجنة والمحكمة تقبل الاستئناف والتمييز.
- قضاء الاستملاك: ينتمي قضاء الاستملاك مبدئياً إلى القضاء المدني بوصفه حامي الملكية الفردية، وكان هناك قوانين استملاك عدّة سابقاً كانت تختص باستملاكات البلديات أو لمصلحة الدفاع الوطني أو وزارة الأشغال أو مجلس تنفيذ المشاريع الكبرى لمدينة بيروت أو المصلحة الوطنية للتعمير (الغي) أو المشروع الأخضر.
وقد صدر قانون الاستملاك الجديد (رقم 58/91) فنص على قواعد عامة للاستملاك تشمل جميع الإدارات والهيئات والمؤسسات. وأنشأ القانون لجان استملاك بدائية واستئنافية يرئسها قاض وعضوية مهندس وخبير. وتمثل فيها الإدارة بموظف وتستعين بهيئة القضايا في وزارة العدل. وتطبق اللجان الأصول المستعجلة وأصول المحاكمات المدنية وتقبل قراراتها الطعن بالاعتراض واعتراض الغير وإعادة المحاكمة. وقد أعطاها القانون صلاحيات شاملة لتقدير التعويض، ولبت جميع أشكال الاستملاك والإشغال الموقت والاستملاك لمصلحة الدفاع الوطني وضريبة التحسين وحقوق الانتفاع، وهي تطبق أصولها على استملاكات الدولة والمؤسسات والبلديات والأشخاص. ويتابع مجلس شورى الدولة بت الطعون ضد قرارات لجان الاستملاك الاستئنافية المعلقة.
- شكل خاص من الاستملاك ومحاكم خاصة: انشأ قانون مجلس الإنماء والاعمار (المرسوم الإشتراعي رقم 5 تاريخ 31 كانون الثاني/ يناير 1977) وتعديلاته، ولا سيما المرسوم رقم 16 تاريخ 23 آذار/ مارس ،1985 وأولاه مهمة إنشاء شركات عقارية لتنفيذ مهام المجلس، وذلك بمرسوم يصدر عن مجلس الوزراء. ثم صدر القانون 117/91 الذي عدل قانون مجلس الإنماء والأعمار وأنشأ الشركة العقارية لإعمار وإنماء وسط بيروت التجاري. وأعطى القانون الشركة حق استملاك العقارات والحقوق في الوسط التجاري حيث تقوم بتخمينها لجان بدائية ومن ثم استئنافية برئاسة قاض وعضوية مهندسين وخبراء اقتصاديين، وتكون قرارات اللجان خاضعة لطرق المراجعة وفقاً لقانون الاستملاك (58/91). ولحظ القانون إمكان استحداث محاكم إضافية متفرغة للنظر في النزاعات المتوجبة لأصحاب الحقوق أو في ما بينهم من مالكين ومستأجرين. وبهذا يكون القانون قد أنشأ قضاء خاصاً بهذا النوع من الإستملاك.

2 - القضاء الجزائي: المحاكم العادية والاستثنائية
يتفرع القضاء الجزائي إلى قضاء عام عادي (قاضٍ منفرد، محكمة استئناف، محكمة تمييز) وقضاء خاص، عسكري، ومحاكم للأحداث وللمطبوعات ولجرائم الاحتكار، والمحكمة الأمنية الخاصة والمجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء.

ثانياً: القضاء الإداري
(القانون المنفذ بمرسوم رقم 10434 تاريخ 14 حزيران/ يونيو 1975) (نظام مجلس شورى الدولة) القضاء الإداري هو قضاء مستقل، وهو أقدم أشكال التقسيم القضائي ويختص بالدرجة الأولى بالعلاقات التي تقوم بين الأفراد والإدارة والتي يكون فيها للإدارة مركز متميز. ورمز هذا القضاء مجلس شورى الدولة بهيكليته المستقلة. كما أن هناك قضاء مالياً إدارياً يتمثل بديوان المحاسبة (المرسوم الاشتراعي رقم 82/83 معدلاً بالمرسوم الاشتراعي رقم 5/85 والقانون 132/92) وهناك هيئات ومجالس ولجان تأديبية. وفي ميدان التأديب هناك محاكم عدّة، كتأديب الموظفين المدنيين، الذي توحد بعدما كان مجالس عدة، والعسكريين والقضاة ونقابات المهن الحرة والمعلمين ...الخ. ويظل قانون الموظفين هو القانون العام والمرجع الأساسي للمدنيين على الرغم من وجود هيئات تأديب مستقلة.

ثالثاً: قضاء الأحوال الشخصية
إن قضاء الأحوال الشخصية هو قضاء خاص واستثنائي، ويتعلق اختصاصه المحدد في قوانين الطوائف والمذاهب بالانتظام العام ويتفرع أصلاً من القانون المدني العام، إلاّ أنه في لبنان قضاء خاص. وهو يتألف من القضاء الشرعي للطوائف الإسلامية الذي هو جزء من تنظيمات الدولة القضائية، ومن قضاء مذهبي روحي للطوائف المسيحية وللطائفة العيسوية، وهو مستقل تمام الاستقلال قانوناً وتنظيماً. وهناك قضاء خاص بالأوقاف الذرية (المحكمة الذرية قانون 10 آذار/ مارس 1947) وهناك مجالس أوقاف أو لجان منبثقة من المجالس الملية. ويبقى القضاء المدني العادي صاحب اختصاص بموضوعات الجنسية ووقوعات قيد الأحوال الشخصية وبعقود الزواج ومفاعيلها المنظمة وفقاً للحق المدني، وبقضايا الإرث للمسيحيين عدا إرث رجال الدين المسيحيين.

رابعاً: القضاء السياسي
نشأ في لبنان حديثاً نوع من القضاء السياسي الخاص (وهو قضاء جزائي في الوقت نفسه) مع وضع المادة الثمانين من الدستور موضع التطبيق بإنشاء المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء وإقرار قانون أصول المحاكمات أمام هذا المجلس بموجب قانون خاص.
كما أن تأليف المجلس الدستوري لمراقبة دستورية القوانين بموجب المادة 19 معدلة من الدستور هو الآخر قضاء سياسي من طبيعة خاصة. إن الاتجاه الحديث في الفقه يدعم فكرة التخصص في فروع القضاء، ووجود قضاء إداري مستقل عن القضاء العدلي اتجاه قديم في الدول اللاتينية منذ زمن بعيد ويجد تبريره الواسع في العديد من التنظيمات القضائية، كذلك هي الحال في لبنان منذ عهد الدولة العثمانية. كما أن القضاء الجزائي يتجه أكثر فأكثر نحو التخصص، وهناك نظريات حديثة تدعو إلى تخصص القاضي نفسه بالجزاء وبالعلم الجنائي والعقوبات، ويرى البعض أن للقضاء الجزائي مميزات في ضوء التجربة والعلوم الإنسانية الحديثة يجب الإفادة منها. ويرى هؤلاء أن من المفيد لقاضي الجزاء أن يتعمق في دراسة علم النفس وعلم نفس الجريمة والنظريات الجرمية والعقابية وان يتخصص بها. ولكن الغالب على النظم القضائية، ومنها في لبنان، عدم وجود مثل هذا التقسيم للعمل ويبقى إعداد القاضي لولاية القضاء الشاملة في جميع المحاكم.
إلاّ أن ذلك كله شأن يختلف عما يمكن وصفه وتسميته القضاء الإستثنائي. لأن الطابع الإستثنائي ينبع من شروط مختلفة ويمس عادة القواعد العامة والأصول الموحدة لتطبيق القانون. فالقضاء الإستثنائي كما يعرفه فاروق الكيلاني في محاضراته عن أصول المحاكمات الجزائية هو الذي ينقل المواطن، نظراً إلى حقوقه المعلنة في قانون، من أمام محكمته العادية ليحاكم أمام محكمة خاصة، وغالباً ما يتسم القضاء الإستثنائي بطابع سياسي كما هي الحال مع المحاكم الشورية أو العرفية أو محاكم الحرب الاستثنائية، والحالات السياسية الطارئة والمحاكم العسكرية الموقتة وكما هي الحال مع محاكم أمن الدولة الموجودة في العديد من البلدان العربية (مصر والأردن وسوريا ...).

المعيار الدولي أو شرعة حقوق الإنسان
نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 10 كانون الأول/ ديسمبر 1948 على مبادئ تتعلق بالقضاء، ويمكن عدّها معيار التمييز بين الأنظمة القضائية وبين المحاكم نفسها داخل التنظيم القضائي. يقول الإعلان العالمي، إن كل الناس سواسية أمام القانون (المادة 7) ولكل إنسان الحق على قدم المساواة أن تنظر قضيته محكمة مستقلة نزيهة (المادة 9). ونص الملحق (ب) المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية على المساواة أمام القضاء والمحاكمة العادلة والعلنية، وبواسطة محكمة مختصة ومستقلة وحيادية قائمة استناداً إلى القانون (المادة 14 فقرة 1). ولكل محكوم الحق في إعادة النظر بالحكم والعقوبة بواسطة محكمة أعلى بموجب القانون (المادة 14 فقرة 5).
وإذا أخذنا بهذه المقاييس أو المعايير فإن القوانين اللبنانية المنظمة للقضاء والمحاكم لا تخرج عنها وتوفر الضمانات بوجه عام، باستثناء المجلس العدلي لجهة كونه لا يوفر ضمانة المراجعة والطعن بقراراته أمام محكمة أعلى. وهو يتمتع بطابع استثنائي واضح لأن اختصاصه مأخوذ عن قوانين عامة كالتنظيم القضائي وأصول المحاكمات المدنية وأصول المحاكمات الجزائية، وقانون العقوبات العام والعقوبات العسكرية. والأهم من ذلك أن اختصاصه للنظر في الدعوى يتوقف على القرار السياسي الصادر عن مجلس الوزراء بمرسوم. وقد درج المجلس العدلي من خلال اجتهادات متكررة، على اعتبار نفسه مختصاً للنظر بالدعوى وذا ولاية شاملة بمجرد الإحالة عليه، دون أن ينظر في صحة اختصاصه، وذلك خلافاً لبعض الآراء الفقهية.

المجلس العدلي
إن المجلس العدلي هو محكمة عليا استئنافية، تألّف في عهد الإنتداب الفرنسي بموجب القرار رقم 1905 تاريخ 12 أيار/ مايو 1923، وأعطي الاختصاص بجنايات القتل العمد وبلا تعمد، وبالقضايا الناشئة عن إغارات بعض المتمردين، أي لمواجهة عمليات مقاومة الإنتداب وحركات العصيان والتمرد. وتعدل القرار مرات عدة أهمها عامي 1944 و1948 (قانون أصول المحاكمات الجزائية) وقانون التنظيم القضائي (7855/61) وتعديل 1972.
يتألف المجلس العدلي من هيئة للحكم من كبار القضاة العدليين، أي من الرئيس الأول لمحكمة التمييز وأربعة أعضاء من محكمة التمييز. ويمثل الادعاء العام أمامه المدعي العام التمييزي أو من يعاونه. ويتولى هيئة التحقيق محقق عدلي يعين بقرار من وزير العدل ويختص المجلس العدلي طبقاً للمواد 363 إلى 371 من أصول المحاكمات الجزائية في العقوبات المذكورة في المواد 270 إلى 336 من قانون العقوبات. وبالتالي ينظر في الجرائم الواقعة على أمن الدولة الخارجي: (خيانة - تجسس - صلات غير مشروعة بالعدو - جرائم ماسة بالقانون الدولي - النيل من هيبة الدولة والشعور القومي). وجرائم المتعهدين ولا سيما في زمن الحرب والطوارئ، والجرائم الواقعة على أمن الدولة الداخلي (الجنايات الواقعة على الدستور، اغتصاب سلطة سياسية أو مدنية أو قيادة عسكرية، الإرهاب، الجرائم التي تنال من الوحدة الوطنية أو تعكر الصفاء بين عناصر الأمة، أو النيل من مكانة الدولة المالية) والجرائم الواقعة على السلامة العامة (حمل الأسلحة والذخائر وحيازتها والتعدي على الحقوق والواجبات المدنية، وجمعيات الأشرار). كذلك الجرائم الناتجة من صفقات الأسلحة والأعتدة للقوى الأمنية. إذاً إن المجلس العدلي هو محكمة استثنائية لأنه يختص بالنظر في جرائم معينة نص عليها قانون العقوبات العام وأولى القضاء الجزائي العادي صلاحية بتها.
ينظر المجلس العدلي في القضايا التي تحال إليه بناء على مرسوم يصدر عن مجلس الوزراء يقرر إحالة القضية على المجلس العدلي. ومن ثم يصدر قرار عن وزير العدل يسمي ويعين المحقق العدلي الذي يتمتع بصلاحيات واسعة للتحقيق والظن، ثم يتم رفع مضبطة الاتهام إلى المجلس العدلي بناء على القرار الظني للمحقق العدلي ومطالعة النائب العام التمييزي الذي يمثل الحق العام والادعاء. وقرارات المحقق العدلي لا تقبل المراجعة، وهو له الصلاحية لكون القضية خارج اختصاص المجلس العدلي. أمّا قرارات المجلس العدلي فهي مبرمة ولا تقبل أي طريق من طرق المراجعة العادية وغير العادية. وهو هيئة محكمة يجري التقاضي أمامها على درجة واحدة (محكمة عليا).
لقد أكدت اجتهادات المجلس العدلي أنه ليس للمجلس أن ينظر في اختصاصه، أي مجرد الادعاء أمامه، فهو له ولاية شاملة النظر بالقضايا الأصلية والمتفرعة ولو كانت من اختصاص محكمة أخرى، كأن تكون مثلاً من اختصاص المحكمة العسكرية أو محكمة جنايات عادية أو بمحكمة جنح (القاضي المنفرد الجزائي). في حين أن هناك آراء فقهية تعارض هذا الاجتهاد وترى أن المجلس العدلي أسوة بمحكمة الجنايات يمكنه أن ينظر باختصاصه ويقرر هذا الاختصاص أو عدمه، ومن هذا الرأي الرئيس الأول عاطف النقيب.
لقد كرست محكمة النقض المصرية اجتهاداً على هذا الصعيد يعد القضاء العادي صاحب الولاية الشاملة والأساسية. وقررت المحكمة تلك في ما خص صلاحية المحاكم الاستثنائية (محاكم أمن الدولة) ما يلي: "ولما كان وفق ما استقر عليه قضاء هذه المحكمة (محكمة النقض) أن المحاكم العادية هي صاحبة الولاية العامة بالفصل في كافة الجرائم الاّ ما استثني منها بنص خاص ... في حين أن غيرها من المحاكم ليست إلاّ محاكم استثنائية، وأنه وإن أجازت القوانين في بعض الأحوال إحالة جرائم معينة إلى محاكم خاصة - كمحاكم أمن الدولة - فإن هذا لا يسلب المحاكم العادية ولايتها في تلك الجرائم ما دام أن القانون الخاص لم يرد فيه أي نص على انفراد المحكمة الخاصة بالاختصاص دون غيرها، ويستوي في ذلك أن تكون الجريمة معاقباً عليها بموجب القانون العام أو بمقتضى قانون خاص ...".
كما قررت محكمة النقض أن القاعدة العامة الأصلية من تنظيم الاختصاص هي أنه إذا ارتبطت جريمة من الجرائم العادية بجريمة من اختصاص محكمة استثنائية - كجريمة عسكرية - اختصت ينظرهما والفصل فيهما المحاكم الجنائية العادية وذلك تغليباً لاختصاص المحاكم صاحبة الولاية العامة ....
أما في لبنان فان اجتهادات المجلس قررت اتجاهاً مغايراً وأعطت الصلاحية للمجلس العدلي في حال قيام التلازم بين جرائم من اختصاص محكمتين استثنائية وعادية لكون المجلس العدلي محكمة عليا.
وفي أي حال، إن من مميزات، أو مشكلات، التقاضي أمام المجلس العدلي، ما يلي:

  

حول المركز

محاور
					
					
					
					
					 الابحاث

الأنشطة

المنشورات

الدراسات

مصادر

مقالات
					
					
					
					
					 الموقع