العدد
الخامس: حزيران/ يونيو 1996
نواف سلام: إستقلالية القضاء
اللبناني بين النص والواقع (ص 90 - 94)
أدّى تعاظم
الشكوى في البلاد من التشابك في عمل السلطات، والخلط بين العام
والخاص وتفشي الفساد والافساد، ومن طريقة تعامل المسؤولين مع
قضايا بخطورة موضوعي المخدرات والنفايات السامة، إلى تزايد
الاهتمام في الأشهر الأخيرة بموقع القضاء في بنية الدولة وبمسألة
استقلاليته وبالدور الذي يمكن أن يضطلع به في التصدي لهذه
الحال.
والأرجح أن ما أظهره عدد من القضاة في الخارج، ولا
سيّما في إيطاليا وفرنسا، إن من تصميم في التحقيق في ملفات
الفساد أو من جرأة في معاقبة مرتكبيه من السياسيين، قد عزّز هذا
التوجه في أوساط قسم كبير من الرأي العام اللبناني بعدما بات
يشكك في مصداقية الكثير من رجال السياسة من أهل الحكم وفي جدِّ
إرادتهم لمواجهة هذه القضايا ومعالجة أسبابها.
ومع قصور أجهزة
الرقابة الإدارية في وضعها الراهن عن القيام بمهامها كاملة (إن
نتيجة نزع الحصانة عن أعضائها أو بسبب ضعف إمكاناتها) إضافة إلى
الثغرات الموجودة في قوانيننا المرعية الإجراء (بالنسبة إلى
تحديد الموانع والضوابط الضرورية بين تولي المناصب العامة
ومزاولة الأعمال الخاصة مثلاً) أو التقاعس عن وضع الآليات
الضرورية لتطبيق الموجود منها (كتأليف الهيئات القضائية المنصوص
عليها في القانونين المتعلقين بالتصاريح عن الثروة المطلوبة من
الموظفين وكل القائمين بخدمة عامة وبالإثراء غير المشروع مثلاً)،
أضحى القضاء هنا أيضاً كأنه مطالب بمهام لا تتعدى إمكاناته فحسب،
بل تتجاوز وظيفته أساساً، وإن كان له دور أكيد في عملية بناء
دولة القانون.
وأمام هذا الخلط في المفاهيم قد يفيد التذكير أولاً ببعض
المبادئ العامة، بهدف التأكيد أنه وان كانت سيادة القانون لا
تتحقق إلا عن طريق حسن سير القضاء، فإن مبدأ فصل السلطات لا يسمح
للقضاء بإنشاء القواعد القانونية لتغطية قصور التشريعات الحالية
في ضبط العلاقة بين الخدمة العامة والأعمال الخاصة، أو للحد من
الصلاحيات الاستنسابية للإدارة في عقد الصفقات ومنح التلزيمات
مثلاً، وهي كلها من أسباب الفساد والهدر التي لا جدال فيها.
وعملاً بالمبدأ نفسه، لا يجوز كذلك أن يحل القضاء محل أجهزة
الرقابة الإدارية من تفتيش مركزي ومجلس تأديبي عام، وإن كان
دورها بات يحتاج إلى تفعيل أكيد. ولا يمكن القضاء أيضاً أن يقوم
بدور المحاسبة السياسية للمسؤولين، وإن كانت أصول المحاسبة
البرلمانية معطلة اليوم في العديد من أوجهها من جرّاء ما نشهده
من تشابك بين صلاحيات السلطتين التشريعية والتنفيذية، أو حتى إن
كانت شروط المحاسبة الشعبية مشكوكاً بتوافرها أصلاً، بسبب كل ما
عرفته الانتخابات النيابية الأخيرة من شوائب.
وبمقتضى مبدأ
فصل السلطات فان عدم صلاحية السلطتين التشريعية والتنفيذية
بالفصل في الدعاوى وعدم جواز امتناع السلطة التنفيذية عن تنفيذ
الأحكام القضائية أو قيام السلطة التشريعية بإصدار قوانين
تفسيريةLois interpretativesبغية تقرير الحلول للنزاعات
المعلقة أمام المحاكم، يقابله عدم جواز امتناع المحاكم عن تطبيق
القانون أو إصدار أحكامها في صيغة "الأنظمة"règlements أو
"القرارات" الإدارية Actes
d'administration.
وتأكيد حدود دور القضاء
من ضمن نظرية فصل السلطات يجب ألاّ يعني أنه ليس لعمل القضاء
أبعاد سياسية أكيدة. ففي توافر شروط حياد المحاكم المدنية تجسيد
لمبدأ المساواة بين المواطنين، وفي وجود أصول للمحاكمات الجزائية
حماية للحريات، كما أن في الرقابة القضائية على قرارات الإدارة
ضمان لعدم تجاوز المسؤولين فيها حد السلطة.
أما النتائج السياسية لحسن عمل القضاء فتتمثل بما
لسيادة القانون وحماية الحريات وضمان الحقوق العامة والخاصة من
تأثير مباشر في الاستقرار الاجتماعي والنشاط الاقتصادي في البلاد
وفي مصداقية الدولة في الداخل كما في الخارج.
والواقع أن من
أهم متطلبات إصلاح الحياة العامة في لبنان اليوم هو تعزيز القضاء
ليصير سلطة فعلية موازية للسلطتين التشريعية والتنفيذية، وذلك من
خلال توفير شروط استقلاله وحمايته من إمكان التدخل في شؤونه أو
ممارسة الضغوط على أعضائه. فالخطر اليوم لا يكمن في ما يسقطه بعض
فئات الرأي العام من رغبات على القضاء تتجاوز وظيفته - وان كانت
رغبات مشروعة - ولا هو في إمكان جنوح القضاء إلى ما قد يتعدّى
دوره، بل إن الخطر الأكبر يكمن في استمرار اختلال التوازن القائم
بين القضاء وكل من السلطتين التشريعية والتنفيذية وما يعنيه ذلك
من تأثير في نتائج عمله والثقة به.
فلجهة السلطة التشريعية،
نرى أن الدستور، وإن نص في مادته العشرين على أن "السلطة
القضائية تتولاها المحاكم على اختلاف درجاتها واختصاصها" فإن ذلك
أتى من ضمن الفصل الأول حول "الأحكام العامة" للباب المتعلق
بالسلطات. فلا فصل يحدد قواعد عمل "السلطة القضائية" أو ينظم
كيانها على غرار ما يخص به الدستور كل من السلطتين التشريعية
والتنفيذية، بل إن هذه المادة الوحيدة المتعلقة بالقضاء في
الدستور إنما نصت على ترك كل هذه الأمور إلى القوانين العادية.
وهذا يعني أن الدستور اللبناني لم يجعل من السلطة القضائية سلطة
قائمة ومحصنة بضمانات دستورية مثل السلطتين التشريعية
والتنفيذية، بل ان السلطة التشريعية احتفظت لنفسها بحرية أكبر في
تحديد شروط تولية القضاة وإدارة شؤونهم حين تركت ذلك للقانون
العادي بدل النص على قواعده في الدستور.
صحيح أن الدستور ينص أيضاً، وفي المادة نفسها،
على أن "القضاة مستقلون فـي إجراء وظيفتهم"، لكـن الصحيح أيضاً
أن الفرق مهم بين استقلالية القاضي في أثناء قيـامه بـ "وظيفته"
وبين استـقلالية القـضاء كـ "سلطة". فإستقلالية القاضي في مجال
إصدار أحكامه تعني أن أي مسؤول، مهما علا مركزه، لا يمكن أن يملي
عليه قراراه. فالقاضي يبقى في هذا المجال مستقلاً بينه وبين
نفسه، الأمر الذي يمنحه حرية الاحتكام إلى علمه والى ضميره، ولكن
في غياب استقلال القضاء كسلطة ليس هنالك ما يحمي القاضي من رجال
السياسة لو أرادوا معاقبته على ممارسته استقلاله - "الذاتي"
طبعاً - وذلك عن طريق ما يعود للحكومة من صلاحية في إجراء
التشكيلات القضائية.
أما السلطة التنفيذية، فإن المرسوم
الاشتراعي رقم 150/83 المعدل بالمرسوم الاشتراعي رقم 22/85
المتعلق بتنظيم القضاء العدلي، يعطيها في مادته الثانية صلاحية
تعيين كامل أعضاء مجلس القضاء الأعلى. وهو المجلس المناطة به،
بحسب المادة الخامسة من المرسوم نفسه، الصلاحيات
التالية:
"أ - وضع مشروع المناقلات والإلحاقات والانتدابات
القضائية الفردية أو الجماعية وعرضها على وزير العدل للموافقة
عليه".
"ب - الموافقة على مشاريع وزير العدل بإجراء
المناقلات والإلحاقات الفردية أو الجماعية والانتدابات القضائية
ما لم يرد نص خلاف ذلك".
كما تنص المادة نفسها على
انه:
"لا تصبح التشكيلات نافذة إلا بعد موافقة وزير
العدل ومجلس القضاء الأعلى سواء ورد المشروع من وزير العدل أو من
المجلس".
غير أنه في حال الاختلاف في وجهات النظر بين وزير
العدل ومجلس القضاء الأعلى، فالحل الذي تضعه هذه المادة هو بأن:
"يعرض الأمر على مجلس الوزراء خلال مهلة شهر واحد
على الأكثر للبت به. ويبت به مجلس الوزراء بعد الاستماع إلى رئيس
مجلس القضاء الأعلى الذي يعرض وجهة نظر المجلس.
السلطة
التنفيذية هي إذاً التي تعين مجلس القضاء الأعلى بكامل أعضائه،
وفي حال الخلاف بينه وبين وزير العدل على التشكيلات، فيعود إليها
بت الأمر. والقضاة العدليون، المتدرجون منهم كما الأصليون،
والناجحون منهم في المبارات لدخول معهد الدروس القضائية كما
المعقبون من إجرائها، والمتخرجون من المعهد المذكور كما الآتون
من خارجه، يتطلب تعيينهم جميعاً مرسوماً "يتخذ بناء على اقتراح
وزير العدل وبعد موافقة مجلس القضاء الأعلى" (المواد 64 و68 و77
من قانون القضاء العدلي).
ويظهر جلياً من كل ذلك أن التوازن
بين السلطتين التنفيذية والقضائية مفقود، وان "الأرجحية" - بحسب
تعبير القاضي طارق زيادة - في العلاقة بينهما هي لمصلحة الأولى.
وربما لا يكون مبالغاً القول ان هذه الأولى (أي السلطة
التنفيذية) تمارس "وصاية" على الثانية (أي السلطة
القضائية).
والاختلال في السلطات على حساب السلطة القضائية هو
الذي يسمح للمسؤولين السياسيين بالتدخل في شؤون القضاء وعمله،
غير عابئين أمام مصالحهم بما يجب أن يتمتع به من استقلال. ولنا
على ذلك شهادتان نادرتان:
الأولى: يقول الرئيس سليمان
فرنجية، في كتابه المفتوح إلى الرئيس شارل حلو، تاريخ
24/11/1968:
"في بلد صغير كلبنان، حيث جرت العادة أن تقوم
الحياة السياسية على خدمة الأفراد أكثر من تعلقها بالمؤسسات، كان
الإعتقاد السائد أنه من الصعب إبقاء السلطة القضائية في معزل تام
عن التدخل السياسي بمختلف وجوهه.
وأود أن اعترف، وفي الاعتراف بالخطأ فضيلة، بأنني
كرجل سياسة حاولت في مناسبة ماضية، كنت أنت شخصياً شاهداً عليها،
أن يكون لي تدخل في مساعدة قاضٍ عين لمنصب أعلى، وقَفَت في وجهه
اعتبارات عدة منها كفاءته وحقه في الترقية".
الثانية: بعدما
صرح الوزير وليد جنبلاط في 1/3/1995 أن "القاضي في النهاية، في
لبنان، هو موظف عند السلطة السياسية"، قال في حديث إذاعي بتاريخ
1/7/1995 إن القضاء يتعرض لضغوط سياسية، مضيفاً ما حرفيته: "أنا
سياسي وأمارسها، والسياسي الذي يقول غير ذلك يكون
كاذباً".
ويستنتج من كل ما تقدم أن "رسالة القضاء" في تأمين
سيادة القانون والحكم بالعدل بين الناس لا تتحقق عملياً إلاّ
بالقدر الذي تكون عليه السلطة القضائية مستقلة، فعلاً لا قولاً.
والمطلوب أيضاً في لبنان اليوم هو أن يصبح القضاء سلطة من سلطات
الدولة، لا أن يبقى وظيفة من وظائفها.
والمدخل الممكن إلى ذلك
اليوم هو تطبيق ما نص عليه اتفاق الطائف لجهة انتخاب "عدد معين
من أعضاء مجلس القضاء الأعلى من قبل الجسم القضائي". وقيمة هذه
الصيغة أنها لا تزال تمثل موضع توافقبين اللبنانيين وأن لم تحدد
فيها آليتها التنفيذية. وفي رأينا أن عدد القضاة المنتخبين يجب
ان يمثل نصف أعضاء مجلس القضاء الأعلى، وأن تقوم الحكومة بتعيين
النصف الآخر بمن فيهم المدّعي العام لدى محكمة التمييز ورئيس
هيئة التفتيش القضائي، وذلك تأميناً للتعاون المطلوب بين
السلطتين القضائية والتنفيذية. أمّا انتخاب القضاة، فمن الأفضل
أن يتم على أساس اختيار كل من محاكم الدرجة الأولى ومحاكم
الاستئناف ومحكمة التمييز لممثليهم على حدى، تجنباً لإمكان حدوث
استقطابات سياسية، حزبية أو طائفية، داخل الجسم القضائي، الأمر
الذي قد يقود عند الاقتراع إلى تغليب هكذا اعتبارات على متطلبات
العلم والنـزاهة. وبديهي أن غاية تعزيز استقلالية القضاء لن
تتحقق بمجرد إعادة تأليف مجلس القضاء الأعلى على هكذا نحو إن لم
يتلازم ذلك مع العمل على حصر كل ما يتعلق بالتعيينات والتشكيلات
بهذا المجلس دون سواه.
ما تقدم من إصلاح ممكن على صعيد تكوين
مجلس القضاء الأعلى وصلاحياته يساهم دون شك في تحصين القضاة ضد
إمكانات الترغيب والترهيب، كما أنه يعزز من استقلالية
القضاء.
إلا أنه يبقى أن تحويل القضاء اللبناني إلى سلطة
على قدم المساواة مع السلطتين التشريعية والتنفيذية يتطلب إنشاء
مجلس موحد للسلطة القضائية تتمثل به كل الهيئات القضائية، من
عدلية وإدارية ومالية، كما أنه يتطلب أن يجري النص في الدستور
على الحصانات والصلاحيات العائدة لهذه السلطة أسوة بالسلطتين
التشريعية والتنفيذية. فهذا هو الإصلاح المنشود، ومن دونه لا
توازن بين السلطات، إذ إنه "لا يحد السلطة إلا السلطة" كما جاء
في القول الشهير
لمونتسكيو.