English Version خريطة الموقعسجل عنوانكالجديد

المنشورات الدوريةالأبعاد
 
أبعـــــــاد
العدد الخامس: حزيران/ يونيو 1996

أنطوان خير: المجلس الدستوري ودوره في الرقابة على دستورية القوانين (ص 97 - 103)
في إثر الاتفاق الذي جرى في الطائف سنة 1989 على إنشاء مجلس دستوري يتولّى الرقابة على دستورية القوانين وتفسير الدستور والفصل في الطعون الانتخابية، كما ورد في ما سميّ وثيقة الوفاق الوطني، جاء القانون الدستوري الصادر بتاريخ 21 أيلول/ سبتمبر ،1990 الذي يعد تجسيداً لذلك الاتفاق، يعدّل المادة 19 من الدستور اللبناني منشئاً بالفعل مجلساً دستورياً مهمّته الرقابة على دستورية القوانين والنظر في الطعون الانتخابية بالنسبة إلى انتخاب رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب وأعضاء هذا المجلس.
كما جاء في نص المادة نفسها ان من حق رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس النواب، أو رئيس مجلس الوزراء، أو عشرة نواب على الأقل، أن يراجعوا المجلس المذكور لإجراء رقابته على دستورية القوانين، إضافة إلى رؤساء الطوائف في ما خص القوانين التي تتعلق بالأحوال الشخصية وحرية المعتقد وحرية إقامة الشعائر الدينية وحرية التعليم الديني.
وترك النص الدستوري للقانون أن ينظّم قواعد العمل الباقية لهذا المجلس، فلم يتحدث عن طريقة تأليفه ولا عن أصول المراجعة أمامه، بما فيها المهل التي يمكن أن يراجع خلالها أو الطرائق التي يعتمدها مثلاً في المحاكمة وإصدار القرار.
وبالفعل دعا وزير العدل في حكومة الرئيس عمر كرامي خاتشيك بابيكيان لجنةً ألّفها برئاسته في نيسان/ أبريل 1991 إلى وضع مشروع القانون الذي أشارت إليه المادة 19، فانكبت تلك اللجنة على وضعه وعقدت لذلك اجتماعات متلاحقة دامت حتى شهر تموز/ يوليو من تلك السنة أودعت بعدها وزير العدل نص المشروع المطلوب بناء على إلحاح من الحكومة نقله إليها بوجوب الفراغ من العمل في أسرع وقت ممكن.
إلاّ أن الحكومة لم ترسل المشروع المذكور إلى مجلس النواب إلاّ بعد أشهر عدة، حين دعا رئيس المجلس لجنة من النواب الحقوقيين وبعض الاختصاصيين إلى جلسة عَقَدت بتاريخ 12 كانون الأول/ ديسمبر 1991 اجتماعاً يتيماً أرجئ إلى وقت لاحق لم يحدّد في ما بعد.
واستقالت حكومة عمر كرامي في أيار/ مايو 1992 كما نعلم، وتألفت حكومة جديدة برئاسة الرئيس الصلح صرفها هم اجراء الانتخابات، على ما يظهر، عن كل هم آخر، فلم تتعرض لمشروع قانون تنظيم المجلس الدستوري من قريب أو من بعيد.
وأقر المجلس النيابي في إثر ذلك قانوناً أنهى بموجبه ولايته بتاريخ 15 تشرين الأول/ أكتوبر 1992 وعدّل قانون الانتخاب لتجري على أساسه الانتخابات النيابية في صيف تلك السنة.
وجاء مجلس نيابي جديد وتألفت حكومة جديدة برئاسة رفيق الحريري في أواخر تشرين الأول/ أكتوبر 1992. وكان من بواكير أعمالها أن استردّت من المجلس مشروع قانون تنظيم المجلس الدستوري فدعا وزير العدل الجديد بهيج طبّارة لجنة جديدة إلى إعادة صوغ المشروع، وهي كانت لجنة مختصرة ضمت إلى الوزير رئيس مجلس شورى الدولة وأحد رؤساء الغرف فيه (وهو كاتب هذه السطور) ورئيس معهد الدروس القضائية آنذاك.
وطرحت تلك اللجنة على مجلس الوزراء مشروعاً جديداً ردّه هذا الأخير مبدياً ملاحظات أساسية عليه، طالباً الأخذ فيها عند صوغ مشروع بديل ما لبث أن وافق عليه في ربيع سنة 1993 وأحاله على مجلس النواب فانتهى به المطاف ليصدر قانوناً بتاريخ 14 تموز/ يوليو ،1994 بعد إدخال بعض التعديلات عليه في اللجان النيابية وفي الهيئة العامة.
وبعدما أصبح ذلك المشروع قانوناً ينص على طريقة تأليف المجلس وأصول المحاكمة لديه انتظر ليبدأ تنفيذ مواده نحو ستة أشهر حين دعا رئيس مجلس النواب إلى جلسة نيابية تعقد في 23 كانون الأول/ ديسمبر 1993 لانتخاب خمسة أعضاء في المجلس الدستوري نص القانون رقم 250 تاريخ 14 تموز/ يوليو 1993 على وجوب انتخابهم من قبل المجلس بالأكثرية المطلقة من عدد أعضائه. وقد تمّ ذلك بالفعل في تلك الجلسة التي انعقدت ظهر اليوم المشار إليه، وعمد مجلس الوزراء بأكثرية الثلثين إلى اختيار الأعضاء الخمسة الباقين تنفيذاً لنص القانون آنف الذكر مساء اليوم نفسه.

إلاّ أن المراسيم التي تجسّد الاختيار الذي تولاّه مجلس الوزراء لم تصدر إلاّ بتاريخ السابع من نيسان/ أبريل 1994، ودعي أعضاء المجلس الدستوري إلى أداء القسم أمام رئيس الجمهورية بتاريخ الرابع عشر منه، فحضروا وأدوا القسم المفروض، ما عدا واحداً منهم أقعده المرض فلم يتمكن من أداء قسمه إلاّ بعد نحو ثلاثة أشهر، وهو أكبر أعضاء المجلس سناً، أمدّ الله بعمره، وهو الذي له بحسب القانون أن يدعو الأعضاء إلى انتخاب رئيس ونائب للرئيس.
وقد دعا كبير السن بالفعل أعضاء المجلس إلى انتخاب رئيس ونائب للرئيس بتاريخ 30 تموز/ يوليو1994 فتألف المجلس بالتالي رسمياً في هذا التاريخ.
هكذا تكون رحلة المجلس الدستوري قد استغرقت نحو أربع سنوات... الأمر الذي يصح التوقف عنده ولو قليلاً لاستخلاص يعطي العبر دون الاغراق في سوء الظن الذي حمل بعضهم إلى القول إن إنشاء هذا المجلس بعد مخاض عسير يدعو إلى الاعتقاد بان الحماسة في إيجاده لم تكن شديدة الإلحاح.
جاء القانون إذاً يؤلف المجلس من عشرة أعضاء متفرغين، يختار المجلس النيابي نصفهم ومجلس الوزراء نصفهم الآخر ويتولّون هم انتخاب رئيس لهم ونائب رئيس.
وحصر القانون اختيار الأعضاء بالحقوقيين، فاشترط أن يكون عضو المجلس الدستوري قاضياً أو محامياً أو أستاذاً في كليات الحقوق منذ مدة من الزمن لا تقل عن عشرين عاماً.
وجعل ولايتهم تمتد إلى ست سنوات غير قابلة للتجديد، على أن تجري القرعة بعد ثلاث سنوات من تعيين أعضاء الهيئة الأولى للمجلس، وذلك على نصفهم ليجدّد نصف الأعضاء آلياً بعد ذلك كل ثلاث سنوات.
اختصاصات المجلس الدستوري وطريقة تأليفه تجعله يشابه إلى حد بعيد نظيره الفرنسي من حيث اختيار الأعضاء من قبل السلطات السياسية (تعييناً هناك وانتخاباً هنا) ماعدا الرئيس الذي يعيّنه رئيس الجمهورية في فرنسا وينتخبه عندنا أعضاء المجلس بالأكثرية المطلقة.
كذلك يمكن اعتبار الرقابة الدستورية أمام المجلس الدستوري اللبناني، كما هي الحال في فرنسا، رقابة بواسطة الدعوى (
Control paraction) تحتم بالتالي أن تكون القرارات الصادرة عنه ملزمة للجميع وذات آثار كاملة تجعل الإبطال الناشئ عنها إبطالاً شاملاً متمتعاً بقوة القضية المحكمة تجاه جميع المراجع الإدارية والقضائية.
وبالنسبة إلى المراجع التي من حقّها ان تطلب اجراء الرقابة راعى المشترع اللبناني الحالة الراهنة للتشريع الفرنسي عقب تطوّرها بعد تعديل سنة 1974، فقصر المراجعة على الرؤساء وعلى عدد من النواب، وأضاف رؤساء الطوائف في بعض الحالات، مراعياً الأوضاع الطائفية في لبنان على الرغم من كون التعديلات الصادرة بعد الطائف قد رمت إلى إلغاء الطائفية السياسية.
أمّا بالنسبة إلى زمان المراجعة وتفادياً، لربما، لبعض الإشكالات التي عرفتها فرنسا بسبب حق رئيس الجمهورية في إصدار القانون حينما يريد، وفي اقفاله بالتالي مهلة المراجعة، فقد جعلت هذه المهلة عندنا خمسة عشر يوماً تلي نشر القانون في الجريدة الرسمية، الأمر الذي أثار أيضاً تحفظات قد يكون بعضها في محلّه.
فكيف يطعن رئيس الجمهورية مثلاً في قانون يكون قد أصدره هو وكأنه بذلك يعود عن توقيعه؟

أمّا بالنسبة إلى مراحل المحاكمة وإصدار القرار، فلقد حرص المشترع على أن تكون مختصرة لكي لا يطول اللغط حول الموضوع، وذلك أمر أكثر من طبيعي.
فلقد نصّ القانون رقم 250، الذي أشرنا إليه، على أن يدعو رئيس المجلس الدستوري أعضاء المجلس فور تقديم المراجعة إلى جلسة ينظرون فيها بموضوع تعليق مفعول القانون قبل النظر في إبطاله، ويعيّن الرئيس بعدها مقرراً من بين الأعضاء عليه أن يضع تقريره خلال عشرة أيام من تبلّغه مهمته، على أن تبقى للمجلس مهلة خمسة عشر يوماً لإصدار قراره.
أمّا إذا انقضت تلك المهل ولم يصدر قرار من المجلس يُعد القانون المطعون فيه ساري المفعول.
وقد أثارت هذه الناحية الأخيرة أكثر من سؤال واستفهام، وفسّرها المفسرون تبعاً لحسن ظنّهم أو سوئه وهو حقهم على أي حال.
كذلك أوجب القانون ألاّ ينعقد المجلس بوجه قانوني إلاّ بحضور ثمانية من أعضائه العشرة، وألاّ تصدر القرارات إلاّ بأكثرية سبعة منهم على الأقل، وهو أمر يضيّق لربما سبل المراقبة في بعض الأحيان، وإن كان يتفادى بعض الإشكالات التي لا بدّ من حصولها في مجتمع تعددي مثل المجتمع الذي نعيش فيه.
ونصّ قانون تنظيم المجلس الدستوري كذلك على أن يضع هذا المجلس نظامه الداخلي ويحيله إلى مجلس الوزراء للموافقة، على أن يصدر عن مجلس النواب بقانون.
وبالفعل، فلقد أودع المجلس الدستوري نظامه الداخلي مقام رئاسة مجلس الوزراء في 19 كانون الأول/ ديسمبر1994، وهو ينتظر حتى الآن إقراره وإحالته إلى المجلس النيابي ليصدر بقانون.
لقائل أن يقول ان ذلك يدخل في تقليد التأخير الذي تعودّه المجلس الدستوري منذ بدأ الكلام عليه حتى أنشئ وألّف واستأنف العمل.
إلاّ أنه قد يكون من المفيد لفت النظر إلى أن قانون تنظيم المجلس الدستوري لم ينص على نظام هذا المجلس الإداري والمالي بعد شطب إحدى المواد التي كانت تتحدث عن تعويضات الأعضاء في مرحلة من مراحل التشريع دون استبدالها بنص آخر، وهذا ما جعل أعضاء المجلس محرجين جداً عند وضعهم نظامهم الداخلي، فإن تطرقوا إلى هذه الناحية بدوا وكأنهم يستجدون تعويضاً وإذا لم يتطرقوا تعرضوا للعمل دون مقابل، بعد ما فرض عليهم التفرغ لعملهم ومنعوا من الترشُّح لرئاسة الجمهورية وللنيابة، ومن تولِّي الوزارة أو الوظيفة العامة طوال مدة ولايتهم
وفي الواقع يحز في نفسي أن أصرّح، وأنا من أعضاء هذا المجلس، أني وزملائي بعد نحو سنتين من العمل لا نعرف ما هو التعويض الذي يمكن أن نتقاضاه، وأننا نعمل دون أن يكون لنا مكتب أو هاتف أو حاجب، كما أننا نكتفي بموظف واحد لمعاونتنا في الشؤون الإدارية والقضائية وهو غير متفرغ، ونتوسّل بعض المكاتب الخاصة لطبع القرارات واستنساخها وإيداعها المراجع المختصة التي يفرض علينا القانون إبلاغها وتوزيعها على وسائل الإعلام عند الاقتضاء.
على الرغم من كل ذلك، واكتفاء بما ورد في القانون رقم 250 تاريخ 14 تموز/ يوليو 1993، بادر المجلس الدستوري إلى العمل معتبراً ان النصوص الواردة في القانون المذكور تسمح له بذلك وتسمح بتقبُّل المراجعات وإصدار القرارات بانتظار ما سيأتي في النظام الداخلي من تفصيل لمواد القانون المشار إليه.
وقد صدر عن المجلس حتى الآن قراران في الأساس مؤرخان في 25 شباط/ فبراير و18 أيلول/ سبتمبر 1995 وقرار واحد علّق فيه مفعول أحد القوانين المطعون فيها أمامه.
ومن غريب الصدف أن تكون كل هذه القرارات تتعلق بضمان حقوق القضاة والمتقاضين وإعلان الحدود التي على السلطات التزامها حيال مبدأ استقلال السلطة القضائية.
في حين جاء القرار المتضمن تعليق مفعول أحد القوانين يضع حداً لموضوع جواز الانسحاب من المراجعة بعد تقديمها بالنسبة إلى الموقعين.

من المعلوم أن عشرة نواب على الأقل في إمكانهم مراجعة المجلس الدستوري استناداً إلى أحكام المادة 19 من الدستور. وعلى هذا الأساس تقدّم إثنا عشر نائباً بمراجعة إلى المجلس بتاريخ 6 شباط/ فبراير 1995، إلاّ أن ثلاثة منهم حاولوا الإنسحاب لاحقاً، وأن نائباً جديداً حاول الانضمام في ما بعد إلى زملائه النواب المراجعين في الأصل، الأمر الذي أحدث بلبلة في الموضوع حسمها المجلس الدستوري بالقرار رقم 1/95 تاريخ 11 شباط/ فبراير 1995، ومن ثم أوضح الأمر بالقرار الأساسي اللاحق قائلاً:
"حيث إن أصحاب الحق في المراجعة أمام المجلس الدستوري المذكورين حصراً في المادة 19 من الدستور، عندما يستدعون إبطال أحد القوانين بسبب عدم دستوريته، يقومون بممارسة حق دستوري ممنوح لهم بصفتهم العامة.
وحيث انه ليس لمثل هذه المراجعة طبيعة الخصومة الشخصية.
وحيث إن هذه المداعاة الناشئة عن تكليف دستوري غير قابلة للرجوع عنها بعد تسجيلها القانوني لدى المجلس الدستوري".
الأمر الذي وضع حداً نهائياً لكل تردّد في الموضوع ووفّر لربما على النواب الذين سيراجعون في المستقبل عناء الإحراج والضغط لتبديل مواقف تكون منطلقة في الأصل من قناعاتهم.
أمّا بالنسبة إلى استقلال السلطة القضائية ووجوب توفير الضمانات اللازمة للقضاة والمتقاضين، فقد جاء القرار رقم 2/95 تاريخ 25 شباط/ فبراير1995 يقول:
"حيث إنه يستفاد من نص (المادة 20 من الدستور) إن ثمة ضمانات يجب حفظها للقضاة والمتقاضين من أجل تأمين متطلبات استقلال القضاء وصون حقوق الدفاع.
وحيث إن الانتقاص من هذه الضمانات يؤدي إلى مخالفة المادة الدستورية التي نصّت صراحة على وجوب توافرها...
... وحيث إن القانون موضوع هذه المراجعة قد أعطى رئيس مجلس الوزراء منفرداً حق نقل رئيس المحكمة الشرعية الجعفرية العليا من مركزه أو وضعه بالتصرف دون موافقة مجلس القضاء الشرعي الأعلى خلافاً لأحكام الدستور ...
وحيث ان نصّ هذا القانون ينطوي على انتقاص من استقلال القضاء ومن الضمانات التي أعطاها الدستور في مادته العشرين للقضاة وللمتقاضين...
... وحيث ان القانون موضوع المراجعة يكون، والحالة هذه، قد خالف أحكام المادة 20 من الدستور والمبادئ الدستورية العامة المقرّرة بالنسبة إلى استقلال القضاء وتوفير الضمانات للقضاة وللمتقاضين...".
الأمر الذي يعني أن المجلس الدستوري اعتبر ان الضمانات التي توفرها القوانين المتخذة تنفيذاً لأحكام المادة 20 من الدستور (التي تقول في فقرتها الثانية: "أما شروط الضمانة القضائية وحدودها فيعيّنها القانون") ... ان هذه الضمانات لا يمكن الانتقاص منها بأي حال وإلاّ تضمن القانون الذي ينص على مثل ذلك مخالفة دستورية تعرضه للإبطال.
وقد أكّد المجلس الدستوري موقفه هذا في قراره الأخير رقم 3/95 الصادر بتاريخ 18 أيلول/ سبتمبر 1995 الذي جاء في إحدى حيثياته: "وحيث ان النظام الدستوري المقرّر للسلطة القضائية والمشار إليه في البند "هاء" من مقدمة الدستور يتكامل مع نص المادة 20 من الدستور التي تدعو المشترع إلى سن التشريع الذي يحفظ بموجبه للقضاة وللمتقاضين الضمانات اللازمة".
كما خلص القرار المذكور إلى إلغاء فقرة في المادة 2 من القانون المطلوب إبطاله لإخلالها بحق الدفاع.

وهكذا يكون المجلس الدستوري، وهو لا يزال يخطو خطواته الأولى في هذا الميدان، قد قرّر الحدود التي لا يمكن لأية سلطة تجاوزها تحقيقاً لاستقلال القضاء، كما كرّس حق الدفاع دستورياً، الأمر الذي يجعله يؤسس لنظرية متكاملة في المستقبل، إن شاء الله، حول الحقوق والحريات العامة.
كما انه في تأكيده ما ورد في مقدمة الدستور، يمهّد لإعطاء هذه المقدمة قيمة قانونية موازية لقيمة النصوص الوضعية التي تكرسها مواد الدستور صراحة.
كذلك إشارته إلى المبادئ العامة في قراره رقم 2/95 تاريخ 25 شباط/ فبراير 1995، تجعله ينظر إلى تكريس نظرية مفادها أن مراقبة دستورية القوانين تتجاوز النصوص الوضعية إلى المبادئ العامة للحقوق، وان لم ينص عليها، كحق الدفاع مثلاً أو نظرية المساواة أمام القانون أو أمام الأعباء العامة أو غيرها ممّا حفل به اجتهاد القضاء الإداري في لبنان وفرنسا منذ زمن بعيد وتطور إلى مراحل متقدمة يشعر معها المواطنون إلى أقصى حد بأنهم في دولة قانون.
وقد سبقنا في هذا المضمار المجلس الدستوري الفرنسي في قراره الشهير الصادر في 16 تموز/ يوليو 1971، والذي كرّس مبدأً قانونياً عاماً هو مبدأ حرية تأليف الجمعيات وفتح الباب على مصراعيه لتطبيق أحكام مقدمة الدستور الفرنسي، التي تحيل إلى إعلان حقوق الإنسان والمواطن الصادر سنة ،1789 وهو من النصوص التاريخية المعروفة المكرسة للحريات الشخصية على ما نعلم؛ وكذلك إلى مقدمة الدستور الفرنسي للجمهورية الرابعة الصادر سنة 1946، التي جاءت تكرّس الحريات العامة التي انبثقت من تطوّر المجتمع الصناعي وبروز الطبقات العمالية في القرنين التاسع عشر والعشرين متحدثة، على سبيل المثال، عن المساواة بين الرجل والمرأة وعن حق الإضراب وعن الحقوق النقابية.

وإزاء المقدمة الطويلة التي أضيفت إلى الدستور اللبناني بعد تعديلات سنة 1960 ينفتح المجال فسيحاً أمام المجلس الدستوري اللبناني، إذا أراد، للسير على طريق التطور الشجاع، محققاً احترام نصوص الدستور، وهو أضعف الإيمان، وممهداً للعودة إلى تلك المقدمة والى نظرية يستنبطها من المبادئ العامة تؤمن صيانة الحقوق والحريات على أكمل وجه، إن شاء الله.
وبالنتيجة، إن مجرد إنشاء المجلس الدستوري هو خطوة أكيدة على طريق ترسيخ دولة القانون وإكمال المراحل التي تؤدي إليها.
فبعدما كان الأمر مقتصراً في السابق على مراقبة الأعمال الإدارية من قبل القضاء الإداري توخياً لإبطال ما يتنافى منها مع القوانين والمبادئ الحقوقية العامة، لم يعد القانون نفسه اليوم بمنأى عن الإبطال إذا ما جاء مجافياً لأحكام الدستور ولمقدمته وللمبادئ الدستورية العامة التي يتولّى المجلس الدستوري تحديدها.
طبعاً تبقى هنالك هنات وشوائب ...
فمن منتقدٍ لحصر حق المراجعة بالجهات التي نصّت عليها المادة 19.
إلى مريدٍ ان يؤلف المجلس الدستوري بطريقة مختلفة ...
إلى ناعٍ عليه تفرغّه ... (كما كان يسر إلي أحياناً المعقب الصديق بطرس حرب وهو أمر لا أقرّه عليه حفاظاً على استقلالية هذا المجلس ومكانته وحصانته).
إلى غير ذلك ...
 


حول المركز

محاور
					
					
					
					
					 الابحاث

الأنشطة

المنشورات

الدراسات

مصادر

مقالات
					
					
					
					
					 الموقع