English Version خريطة الموقعسجل عنوانكالجديد

المنشورات الدوريةالأبعاد
 
أبعـــــــاد
العدد الخامس: حزيران/ يونيو 1996

بطرس حرب: المجلس الدستوري ودوره في الرقابة على دستورية القوانين (ص 104 - 107)
تعقيب على محاضرة البرفسور أنطوان خيـر

تختصر ورقة خير بعناوين عدة أهمها:
- عرض تاريخي لمرحلة إنشاء المجلس الدستوري.
- عرض لوضع المجلس الدستوري.
- عرض لاختصاصاته وحتى المراجعة أمامه ومفاعيل التوازن الصادرة عنه.
- غمز لطيف حول سبل تعاطي السلطة السياسية معه لجهة نظامه الداخلي وتعويضات أعضائه.
- عرض للقرارين اللذين أصدرهما المجلس الدستوري في ممارسة صلاحياته.
- طرح لبعض الإشكاليات حول دور المجلس وصلاحياته.

وبذلك تكون هذه الورقة القيّمة قد حققت الهدف العام المطلوب، وذلك من منظار الكاتب ومن موقعه الأكاديمي عضواً فاعلاً في المجلس الدستوري.
إن هذا الالتزام شبه الطوباوي يدفعني إلى تعقيب تكميلي لورقة خير الذي قصد طرح حل الإشكاليات المواكبة لإنشاء المجلس الدستوري والنتائج المترتبة على ذلك.
قد يكون إنشاء المجلس الدستوري الخطوة الأولى الجدية على طريق بناء دولة القانون والمؤسسات وضمان الحريات العامة والمبادئ الديمقراطية التي ترعى نظامنا السياسي .
فالمجلس الدستوري يكوِّن في نظري الرقيب الساهر على احترام الدستور اللبناني والمبادئ القانونية التي يستند إليها، وهو القادر بالتالي، إذا أطلقت صلاحياته، على حماية الدستور من عبث أي سلطة به.
ومن أجل ذلك أرى في المادة التاسعة عشرة أهم تعديل طرأ على الدستور اللبناني. فالدستور هو القانون الأساسي للدولة وهو رأس الهرم في الانتظام الحقوقي ويمثل مصدر شرعية كل السلطات والمؤسسات وما يصدر عنها من أعمال وقرارات. وبسبب ذلك، وبغية صيانة البنيان، يكون للدستور صفة الإلزام للهيئات الحاكمة ونشاطها القانوني، وتكون هذه الهيئات خاضعة لأحكامه في ممارسة صلاحياتها. فالسلطة التي لا تخضع لأحكام الدستور تهدم السند القانوني لوجودها وأساس شرعية تصرفاتها. ومن هنا سيادة مبدأ وجوب اتفاق القوانين العادية مع أحكام الدستور تحت طائلة اعتبار القانون المخالف غير دستوري وغير ممكن التطبيق.
لقد توجه الفقه الدستوري منذ زمن نحو وجوب إخضاع القوانين لرقابة تضمن عدم تناقضه مع الدساتير التي تصدر في ظلها، إلاّ أن أنواع هذه الرقابة وأشكالها تعدّدت. فمن الرقابة المبدئية التي تلتزمها السلطة في عدم مخالفة الدستور والتي ثبت عدم فاعليتها بسبب انحيازها للسلطة، إلى الرقابة السياسية التي تجري عبر إنشاء هيئة سياسية بتكوينها ذات صلاحيات قضائية مستقلة عن الجسم القضائي، وهو ما يشبه المجلس الدستوري الفرنسي المنشأ عام 1958 والمستوحى منه المجلس الدستوري اللبناني، إلى الرقابة القضائية أما بواسطة الدعوى الأصلية التي يتقدم بها أي مواطن له مصلحة ببطلان قانون لمخالفته الدستور، وهو النظام المعتمد في ألمانيا وإيطاليا، أو بواسطة الدفع حيث تنحصر إثارة عدم دستورية قانون ما بمناسبة قضية معروضة أمام القضاء، بحيث يمتنع القاضي عن تطبيق النص القانوني في الموضوع إذا عدَّه مخالفاً لأحكام الدستور دون أن يؤدي ذلك إلى إعلان بطلانه، وبحيث يبقى هذا النص ساري المفعول على الغير. ويعتمد هذا النظام في الولايات المتحدة الأميركية.
فنظرية أن القانون الصادر عن المجلس النيابي هو تعبير عن الإرادة الشعبية، ولا يجوز أن تعلوها أي سلطة، هي نظرية قد تعداها الزمن، وأصبحت الرقابة على انطباق القوانين على أحكام الدستور حاجة لا بد من تلبيتها.
وفي لبنان، وبعدما ثبت عدم فاعلية الرقابة التي منحها الدستور لرئيس الجمهورية عبر طلب إعادة النظر في أحد القوانين من قبل مجلس النواب، باتت القوانين اللبنانية دون أي رقابة سياسية أو قضائية.
وعلى الرغم من ان المادة الثانية من قانون أصول المحاكمات المدنية المعدلة عام 1982 قد سمحت بإمكان إجراء هذه الرقابة بواسطة الدفع، قصّر معظم المحاكم عن هذه الرقابة واقتصر دور القضاء على مراقبة اكتمال شكليات النص القانوني وانطباق النص المنشور في الجريدة الرسمية على النص الذي أقرّه المجلس.
فلقد جاء إقرار المجلس الدستوري يمثّل حدثاً سياسياً ودستورياً كبيراً ومنعطفاً في مسار الحياة الديمقراطية في لبنان، وجاء ليسدّ ثغرة كبيرة في حياتنا التشريعية بحيث يستطيع، إذا ما أطلقت صلاحياته، تأمين انطباق القوانين على أحكام الدستور وضمانة الديمقراطية والحرية التي يكرِّسها الدستور اللبناني.
وقد يتساءل البعض حول سبب تحفظي الدائم حول إطلاق صلاحياته. وهم على حق في التساؤل، الأمر الذي يضطرني إلى إيضاح سبب هذا التحفظ الذي سبقني إليه بلطف طوباوي (كما سبق وأسلفت) الصديق أنطوان خير ساعة تساءل عن سبب التأخير في إقرار النظام الداخلي للمجلس من قبل السلطة التنفيذية وحرمان هذا المجلس نظامه، إضافة إلى حرمان أعضائه تعويضاتهم.
خوفي أن يكون هذا الموقف ترجمةً لغضب السلطة على تجاسر المجلس الدستوري على إبطال قانون ما ومعاقبة لأعضائه. وهذا ما يدفعني إلى تبني قول البعض إن الحماسة إلى إنشاء المجلس الدستوري ليست شديدة، نظراً إلى القيود التي قد يفرضها على نزوع السلطتين التشريعية والتنفيذية إلى مخالفة الدستور في ظل ظروف معينة.
من هنا طرحي لأهمية هذا المجلس وخطورة إنشائه في الوقت عينه، إذ إن ورود نصوص مخالفة لأحكام الدستور قبل إنشائه له ما يبرره، أما إقرار نص قانوني مخالف للدستور بعد إقراره وعدم إبطاله يُحدث صدمة للمراهنين على دور هذا المجلس وتعطيلاً لنظامه الديمقراطي وضرباً لحرياتنا، ولا سيما متى راجعنا صلاحيات هذا المجلس التي تتعدى رقابة دستورية القوانين إلى رقابة صحة انتخابات رئيس الجمهورية ورئيس المجلس النيابي ومجلس النواب لما لهذه الانتخابات من أهمية في نظامنا الديمقراطي.
من هذه الزاوية أرى أهمية المجلس الدستوري وخطورة المهمة الموكولة إليه التي تضعه أمام تحدّي إثبات الوجود والتجرد ومدى مناعته أمام إغراءات السلطة أو أمام تهويلها. ولنا والحمد لله، في باكورة قراراته ما يدفعني إلى الاطمئنان إلى مستقبل المجلس الدستوري وإلى حسن أداء دوره.
إلاّ أن أمانة البحث تدعوني الى طرح بعض الإشكاليات الخارجة عن إرادة المجلس وأعضائه على الرغم من ضيق الوقت والمجال لتفصيلها، وهي:

- إن تقليد الرقابة على دستورية القوانين حديث العهد في لبنان، ولا بد من العمل على تطور هذه الرقابة على نحو تتحول معه إلى ضمانة جدية ثابتة لحماية حقوق المواطنين وحرياتهم ولتحصين نظامنا الديمقراطي. والعمل يبدأ بتحصين أعضاء المجلس في وجه السلطتين التنفيذية والتشريعية.
- فالملاحظات التي لنا على قانون إنشائه وطريقة تأليفه (الانتخاب من المجلس، إقصاء دور رئيس الجمهورية عن تأليفه، طريقة مراجعته، نصابه، كون كل أعضائه من الحقوقيين، مراعاة الطائفية وحتى المحسوبية السياسية في تأليفه)، إن هذه الملاحظات، لا يمكن ان تدفعنا إلى إهمال حدث إنشائه، بل، على العكس من ذلك، يجب أن تدفعنا الى المطالبة بتحصينه من خلال تعزيز وجوده وإخراج اختيار أعضائه من دائرة التجاذبات السياسية والنظامية، ليصبح المؤسسة الساهرة الدائمة على حسن سير نظامنا السياسي ومؤسساتنا الدستورية.
- إن حصر مهام المجلس الدستوري في القوانين التي تتم فيها المراجعة أو الطعن لن يحقق الأهداف التي نتمناها، إذ في بلد كلبنان يمكن ان تلتقي القوى السياسية على مخالفة الدستور ولا تتوافر الأكثرية المطلوبة للطعن بنص قانوني ويصبح قانوناً مخالفاً للدستور ساري المفعول.
- إن نشر القوانين قبل عرضها على المجلس الدستوري يخلق إشكالات يمكن تفاديها عبر منح حق الطعن قبل النشر وعدم جواز النشر قبل انقضاء المهل.
- إن الصلاحية الخطيرة الممنوحة للمجلس الدستوري في مراقبته صحة الانتخابات تضع هذا المجلس أمام الاختيار العسير الذي تتوقف عليه مصداقيته، ولا سيّما أن البلاد مشرفة على استحقاقات مهمة على هذا الصعيد من انتخابات نيابية وغيرها.
فاللبنانيون قد يكونون غير مدركين، حتى الآن، جد دور المجلس وأهمية صلاحياته في ضمان إقرار قانون انتخابي لا تتعارض أحكامه مع الدستور، وفي إبطال كل انتخاب يشوبه التزوير أو الضغط. وفي هذا الاستحقاق المحطة التاريخية لمسار المجلس الدستوري. فإما أن ينجح المجلس في أداء رقابته في حماية حقوق المواطنين الديمقراطية وحرياتهم أو أنه يفشل، لا سمح الله، ونكون بذلك خلقنا مجلساً ليكمل ديكور نظام أريد ديمقراطياً برلمانياً فأصبح فاسداً مفسداً قائماً على حساب حقوق المواطنين وحرياتهم.
وإني انتهز مناسبة هذا المحور الذي يساهم فيه نخبة من رجال العلم والثقافة لأتوجه إلى الحكومة مطالباً إياها بإقرار النظام الداخلي للمجلس الدستوري وإحالته إلى مجلس النواب لإقراره أيضاً، محملاً إياها مسؤولية هذا التأخير بما يتضمن من معانٍ وأبعاد، أقلّها إسقاط دور المجلس الدستوري في رقابة أعمال السلطتين من خلال ترويض أعضاء المجلس ومحاولة إخضاعهم لرغبتها، ولا سيّما ان البلاد على مشارف استحقاقات خطيرة. وإلى أعضاء المجلس الدستوري نتوجه مطالبين إياهم بالصمود في وجه الضغوط لأن تضحياتهم وتعويضاتهم سترفع من ثقة المواطنين وآمالهم وطموحاتهم في بناء دولة المؤسسات والقانون.
 


حول المركز

محاور
					
					
					
					
					 الابحاث

الأنشطة

المنشورات

الدراسات

مصادر

مقالات
					
					
					
					
					 الموقع