English Version خريطة الموقعسجل عنوانكالجديد

المنشورات الدوريةالأبعاد
 
أبعـــــــاد
العدد الخامس: حزيران/ يونيو 1996

أنطوان حداد: الفقر في لبنان (ص 168 - 174)

1 - قياس الفقر
بلغ خط الفقر المدقع (الخط الأدنى الذي لا يشمل سوى تغطية حاجات الغذاء) في نهاية عام 1993 لأسرة لبنانية متوسطة الحجم مؤلفة من خمسة أفراد، 306 دولارات. أما خط الفقر المطلق (الخط الأعلى الذي يشمل نفقات الغذاء والحاجات الأساسية الأخرى من صحة وتعليم وسكن وملابس) فقد بلغ 618 دولاراً للأسرة نفسها وفي الفترة نفسها.
ويقدر عدد الأسر اللبنانية التي تعيش تحت خط الفقر المطلق بنسبة 28 في المئة، ومن ضمنها 7 في المئة يعيشون تحت خط الفقر المدقع. ويعني هذا أن عدد الفقراء في لبنان هو نحو مليون شخص منهم نحو 250000 فرد من الفقراء المعدمين.
في الأرياف تعد نسبة 75 في المئة من الأسر التي يعمل معيلها الأول في الزراعة من الفقراء، ومن ضمنها 40 في المئة من الفقراء المعدمين (دخلهم تحت خط الفقر الأدنى). ويعيش ثلثا الفقراء المعدمين (نحو 180000 نسمة) في المناطق الريفية ويمثلون أكثر من ربع سكان هذه المناطق.
وفي البيئة المدينية (بيروت وطرابلس وصيدا وصور وزحلة وضواحيها) يعيش نحو 750000 من الفقراء منهم نحو 100000 من الفقراء المعدمين. وينتمي فقراء البيئة المدينية إلى أسر يعمل معيلها الأول في الإدارة الحكومية (31 في المئة من هذه الأسر تعيش تحت خط الفقر المطلق) أو في الصناعة (26 في المئة). حتى إن عدداً من هذه الأسر يعيش تحت خط الفقر المدقع (5 في المئة من مجموع الأسر التي يعمل معيلها في الإدارة و3 في المئة من الأسر التي يعمل معيلها في الصناعة).

2 - خصائص الفقراء
في تقدير أولي يستند إلى استطلاع ميداني غير إحصائي قمنا به وتضمن مقابلات معمقة مع نحو 30 أسرة فقيرة تقيم في ستة أحياء مختلفة من بيروت وضواحيها، يمكن الاستنتاج أن حجم الأسرة الفقيرة في لبنان يراوح بين 5 و7 أفراد، وهو أعلى من المعدل الوطني الذي يُعتقد أنه يبلغ اليوم 5 أفراد. ومعدل الإعالة لدى هذه الأسر (عدد أفراد الأسرة/ عدد العاملين في الأسرة) مرتفع هو أيضاً، وقد يصل إلى 4 فيما هو 3.3 على المستوى الوطني.
لكن يلاحظ أيضاً أن حجم الأسرة الفقيرة آخذ في الانخفاض تمشياً مع الاتجاه الوطني العام، وأن الأسرة الفقيرة الريفية أو الأسر المدينية ذات الأصول الريفية هي أكبر حجماً من الأسر المدينية.
ويلقي الفقراء أعباء إضافية على النساء ويضاعف التمييز ضدهن، حيث إن أجور دخول النساء الفقيرات هي أدنى من أجور الرجال الفقراء، كذلك نوعية الوظائف ورتبتها. والنساء اللواتي يرئسن أسراً فقيرة يتعرضن للإرهاق المتواصل بسبب تراكم العمل الخارجي على الأعباء المنزلية. وتتعرض النساء والفتيات الفقيرات للتمييز ضدهن في فرص الحصول على العناية الصحية وفي التغذية.
وينخفض مستوى التعليم لدى الفقراء، دون تمييز بين النساء والرجال، حيث إن قلة من أرباب الأسر الفقيرة قد تلقت تعليماً ثانوياً وما فوق (باستثناء موظفي الإدارة العامة) أو تعليماً مهنياً مناسباً.وعلى صعيد أولاد الأسر الفقيرة، يلاحظ أن نسبة الالتحاق بالمدرسة مرتفعة ويقابلها ارتفاع في نسبة التسرب، لأسباب عدة منها: (أ) عدم وجود عدد كافٍ من المدارس الحكومية في الأحياء الفقيرة؛ (ب) تدنّي مستوى المدارس الحكومية والخاصة على السواء؛ (ج) تدني العائد العملي والمهني والاقتصادي للتعليم؛ (د) ارتفاع تكلفة التعليم بالنسبة إلى موازنة الأسرة الفقيرة.
وتنخفض قدرة الفقراء على الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية الأولية والثانوية لارتفاع تكلفتها، إذ إن معظم الأسر الفقيرة لا يتمتع بالتغطية الصحية الفاعلة. وتكثر الأمراض المزمنة أو المتكررة لدى الفقراء، ويرتفع معدل حالات الإعاقة الجسدية والتخلف العقلي وحالات الوفاة بسبب المرض بينهم عن المعدل الوطني، وذلك بسبب العجز عن تحمل أعباء العلاج من ناحية والإهمال والجهل من ناحية أخرى.
وتعاني الأحياء التي يقطنها الفقراء، بخاصة في المدينة، من الإكتظاظ والعمران العشوائي وندرة المساحات الخضر وغياب أنظمة الصرف الصحي أو تداخلها مع شبكة توزيع المياه التي، إن وجدت، لا تصل على نحو كافٍ إلى المنازل. وتعاني كذلك غياب الكهرباء أو انقطاعها، وتراكم النفايات وسط الشوارع وبين الأبنية. أما المساكن في هذه الأحياء، فقسم منها مدمر جزئياً نتيجة الحرب أو بسبب الإهمال. والمساحة المخصصة للفرد تقل عن 10م2 وهي ما دون 14م2 المقبولة عالمياً لصحة الفرد وتوازنه الجسدي والنفسي.

3 -محددات الفقر ومسبباته
تظهر التجربة اللبنانية في العقود الثلاثة الأخيرة أن هناك علاقة تناسب طردي بين النمو الاقتصادي من جهة وبين تحسن مستوى المعيشة وتقلص نسبة الفقر من جهة أخرى. لكن النمو، وإن كان ضرورياً، فهو وحده ليس شرطاً كافياً لتقلص الفقر. ويظهر ذلك بوضوح في الفترة 1971 - 1974 والفترة 1992 - 1994، اللتين تميزتا بمعدلات نمو مرتفعة، ولكن لم يرافق ارتفاع معدلات النمو انحسار لرقعة الفقر، الأمر الذي يدعو إلى دراسة التوزيع المتفاوت لعائد النمو في ما بين المناطق والقطاعات.
كذلك يمكن ملاحظة وجود علاقة وثيقة بين الفقر والبطالة التي تعني فقدان مورد المعيشة الأساسي، وأحياناً كثيرة، الوحيد، في بلد يمثل العاملون بأجر فيه نحو ثلثي إجمالي القوة العاملة ولا وجود فيه لتعويض البطالة. ويرافق توسع الفقر تغير في بنية سوق العمل، مثل تزايد حجم الأعمال الهامشية، وتغلّب البطالة المقنعة على البطالة السافرة، وتغلّب تبديل الوظائف على العمل المستقر والتطور المهني. وتراوح نسبة البطالة السافرة وفقاً للتقديرات بين 12 و16 في المئة. ويمكن النظر إلى الفقر كمولّد للبطالة وليس كنتيجة لها فقط: فغياب الأصول الإنتاجية لدى الفقراء يحول غالباً دون تمكنهم من إطلاق المشاريع الصغيرة والمتوسطة المولدة للدخل والتي هي اليوم المجال الوحيد القادر على خلق فرص عمل جديدة بعد حالة التشبع التي تعيشها القطاعات التقليدية.
فالفئات المحرومة الأصول المالية السائلة ووسائل الإنتاج (الأرض الزراعية والآلات وما إلى ذلك…) تجد صعوبة فائقة لا بل استحالة في الحصول على تسهيلات مصرفية أو مالية. حتى إن الحيازات الزراعية ليست بالضرورة مخرجاً من الفقر، ما لم يكن حجم الأرض وإنتاجية التربة وأسواق التصريف جميعها كافية لتكوين قيمة مضافة. ويقدر عدد الحيازات الزراعية في لبنان بنحو مليون حيازة، فيما لا يعمل في الزراعة فعلياً سوى 90000 شخص. حتى إن الحيازات العقارية فقد معظمها من مردوده بعدما استهلك التضخم قيمة إيجاراته التي أخضعت للتجميد طوال فترة الحرب. وقد أدى تقلص ريع العقارات القديمة نسبياً إلى وضع أغلبية صغار المالكين ومتوسطيهم ما دون خط الفقر المطلق.
وتعد الحرب في لبنان من أهم الأسباب المولدة للفقر في السنوات العشرين الأخيرة. فقد أدت أعمال العنف وما رافقها من أعمال أخرى إلى تراجع الناتج المحلي الإجمالي إلى 40 في المئة مما كان يجب أن يكون عليه لولا الحرب، وإلى خسائر مادية في البنى التحتية ووسائل الإنتاج تزيد على 25 مليار دولار من دولارات الولايات المتحدة الأميركية، ودمار مئات الوحدات الإنتاجية، وتدني الإنتاجية والتخلف عن مواكبة التطورات الإدارية والنقابية، وتعطل الوظائف الإقليمية للاقتصاد اللبناني. والأهم من ذلك كله، أدّت الحرب إلى مقتل أكثر من 65000 شخص وإصابة 84000 وإعاقة بضعة آلاف وتفاقم حركة الهجرة إلى الخارج والتهجير القسري لنحو 800000 مواطن، أي نحو ثلث اللبنانيين المقيمين في لبنان. والعلاقة واضحة بين كل هذه النتائج وبين توسع رقعة الفقر.
والتضخم الجامح هو من أهم نتائج الحرب المتصلة بتوسع الفقر. فقد عرف التضخم معدلات قياسية في مرحلة ما بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، وبخاصة في الفترة 1986 - 1992، حيث بقي عموماً فوق 100 في المئة سنوياً مع تخطيه عتبة 500 في المئة عام 1987. وإن كانت عوامل أخرى تكمن وراء التضخم، فقد كانت الحرب العنصر الحاسم في تفاقمه مع ما رافقها من تجزئة للسوق الداخلية وصعوبة التصدير وتشتيت لسوق العمل وهجرة للكفاءات وتبديد لموارد الدولة وتقليص في دورها الرقابي.
ولعل التهجير هو أخطر نتائج الحرب، فقد رافقه تدمير، أو تضرر، عدد هائل من الوحدات السكنية (نحو 100000 وحدة)، وتدمير المؤسسات الإنتاجية، وفقدان فرص العمل، والانتقال إلى الإقامة في أماكن غير مخصصة أصلاً للسكن، وتشتيت العائلات وتباعد أفرادها، ووفاة أو فقدان (اختفاء أو اختطاف) بعضهم ومعظمهم من الذكور العاملين، وتدهور المستوى التعليمي، وتدهور التأهيل المهني وتدهور العناية الصحية الأولية والثانوية. لذلك يمكن اعتبار جمهور المهجرين مكوناً من نسبة عالية جداً من الفقراء قد تزيد على 75 في المئة من الفقراء تحت خط الفقر المطلق، ونحو 50 في المئة من الفقراء تحت خط الفقر المدقع، وفقاً للتقديرات المتوافرة.

4 - تحليل السياسات المتعلقة بالفقر
لا توجد في لبنان سياسة خاصة بمكافحة الفقر أو سياسة اجتماعية عامة تتضمن الحد من الفقر. وتقتصر مقاربة الحكومة على اعتبار علاج المشاكل الاجتماعية نتاجاً فرعياً وحصيلة آلية للتدابير المتخذة لمعالجة المشاكل الاقتصادية، والقائمة حالياً بوجه أساسي على التثبيت النقدي وإعادة اعمار البنية التحتية المادية. وتعطي سياسة الحكومة الأولوية للقضايا الاقتصادية على القضايا الاجتماعية، بحيث إن التعامل مع الفقر لا يتم على قاعدة كبح الأسباب والآليات المولدة له، بل على قاعدة معالجة النتائج أو خفض الفقر بوصفه حالة قائمة ينبغي التخفيف من سلبياتها.
ويتجلى هذا الأمر أولاً في غياب أي نص مرجعي للسياسة الاجتماعية وفي غياب إطار مرجعي واحد للسياسة الاقتصادية. وذلك في ظل تجاذب الخطاب الرسمي بين التقاليد السياسية اللبنانية التي ترفض فكرة التخطيط والالتزام المسبق، والمعززة اليوم بالاتجاه النيوليبرالي السائد عالمياً من جهة، وبين رغبتها في الظهور بمظهر مختلف عما سبق، يستند إلى الفاعلية والعلم والدارسات من جهة أخرى. لذلك، فان تحليل السياسات الاقتصادية والاجتماعية - الحكومية يعتمد على إعادة تركيب المنطق الضمني من خلال بعض الوثائق الرسمية وشبه الرسمية ومن خلال المواقف والتصريحات والتدابير.
وتمثل سياسة الأجور عنصراً رئيسياً في مكافحة الفقر بحيث إن العاملين بأجر يمثلون بين 55 و60 في المئة من إجمالي القوى العاملة في لبنان، وحيث إن الأجور تعرضت للتآكل بفعل التضخم الجامح خلال العقدين الأخيرين بلغ معدله السنوي 110 في المئة في الفترة 1984 - 1992. وتحدد أجور القطاع الخاص عموماً بالتراضي وفقاً للعرض والطلب، باستثناء الحد الأدنى للأجور ونسبة التصحيح السنوية اللذين تحددهما الحكومة. والتدابير والقرارات الحكومية لا تشير إلى إتباع سياسة للحد من الفقر يكون أحد عناصرها رفع مستوى الأجور، بل ان النظرية الاقتصادية المتبعة حالياً تعطي الأولوية لضبط الكتلة النقدية لكونها مسؤولة عن التضخم، وتقوم على أن تحسين مستوى المعيشة ينبغي أن يتم من خلال وسائل غير مباشرة لا تشمل رفع الأجور، وخصوصاً في قطاع الإدارة العامة حيث عدد الموظفين كبير والإنتاجية منخفضة.
وقد تكون هذه السياسة ملائمة من حيث خفض العجز في الميزانية وخفض الدين العام، ولكنها تلقي بثقل الأزمة بطريقة غير عادلة على كاهل العاملين بأجر. فخلال السنوات العشرين الماضية، تناقصت حصتهم من الناتج المحلي من 58 في المئة إلى أقل من 40 في المئة. وفي الفترة نفسها تقريباً فقد الحد الأدنى للأجور بالليرة الثابتة 70 في المئة من قيمته. وزاد معدل انهيار الأجر المتوسط عن معدل انهيار الحد الأدنى للأجر بسبب نسبة تصحيح الأجور التي تنخفض مع ارتفاع الأجر. وقد أدى تراكم ذلك إلى انتشار الفقر على نطاق واسع بين العاملين بأجر، وبوجه خاص في الإدارة العامة بكل فئاتها.
أما إذا نظرنا إلى سياسة العمالة (خلق فرص عمل ووضع برامج للتأهيل المهني وزيادة الانتاجية) كإحدى أوجه سياسة مكافحة الفقر، لوجدنا أنها عفوية وخاضعة لآليات السوق إلى حد كبير. فالنصوص الرسمية (ولا سيما خطة النهوض العشرية بصيغها المختلفة) لا تتضمن أي إشارة إلى سياسة معينة للعمالة تعتمدها الحكومة. وسوق العمل اللبنانية مفتوحة ودون ضوابط فعلية، أمام العمال غير اللبنانيين، وبخاصة في قطاعات البناء والخدمات الفندقية والخدمات الهامشية. وفي الوقت نفسه، نما حجم القوى العاملة في لبنان من نحو 900000 عامل عام 1987 إلى نحو 1.1 مليون عام 1994. وهذا النمو مستمر بوتيرة أكبر بسبب توقف الهجرة إلى الخارج وتزايد عدد طالبي العمل بمعدل 75000 عامل سنوياً. وتضاعف هذه العوامل الضغط على سوق العمل وترفع معدلات البطالة السافرة والبطالة المقنعة والبطالة الجزئية، وجميعها مظاهر مرافقة للفقر. ويتطلب ذلك مقاربة اكثر منهجية وأقل عفوية لموضوع العمالة، ووضع البرامج وإيجاد الحوافز لحماية سوق العمل ولخلق فرص عمل جديدة لإعادة توظيف العاطلين من العمل واستيعاب الوافدين الجدد من الشبان وإعادة تأهيل العاملين حالياً لرفع إنتاجيتهم. لذلك لا بد من إعادة التوازن بين القطاعات لمصلحة دعم المؤسسات الصغيرة القائمة وتشجيع قيام أخرى جديدة، لكونها أكثر قدرة على خلق وظائف جديدة على المديين المباشر والمتوسط، وإعادة الاعتبار إلى الأعمال التي تنعت بالهامشية والمتروكة اليوم للعمالة الأجنبية.
وتشير المعطيات المتوافرة حول الزراعة إلى إمكانات حقيقية للتوسع الأفقي والرأسي القادر على خلق فرص عمل جديدة، وبخاصة في المناطق الريفية التي تعاني انتشار الفقر المطلق والمدقع، والهجرة إلى المدينة أو إلى الخارج. كما أن "صمود" الصناعة اللبنانية على الرغم من الخسائر الفادحة التي لحقت بها خلال الحرب مؤشر على المزايا النسبية العديدة التي ما زالت تحافظ عليها والتي تجعل من تعزيز القطاع الصناعي خياراً ذا جدوى مرتفعة من حيث تحقيق النمو الاقتصادي وما يتواكب معه من زيادة في فرص العمل. هذا في حين سجلت حصة العاملين في قطاع الخدمات وحصة هذا القطاع من الناتج المحلي استقراراً منذ عشية الحرب، الأمر الذي يشير إلى تشبعه النسبي وإلى محدودية فرص العمل الجديدة التي يمكن أن يضيفها.
إزاء هذه الحاجات، لم تخصص الخطة العشرية سوى 4.8 في المئة للزراعة والري، و3.4 في المئة للصناعة من إجمالي الإنفاق الاستثماري البالغ 11.7 مليار دولار، مقابل 25.5 في المئة للنقل مثلاً. ويعود ذلك إلى المنطق الضمني للسياسة الحكومية التي ترى أن دور الدولة يقتصر على تأهيل البنى التحتية اللازمة للنمو الاقتصادي، الذي يفترض أن يتحقق بدوره من خلال توظيفات القطاع الخاص. وقد تبدو هذه السياسة محايدة ظاهراً بين القطاعات، إلا أنها في الحقيقة لا تساعد على تحقيق نمو زراعي صناعي يتطلبان حداً معيناً من التخطيط والتدخل والدعم من قبل الدولة. كما أن سياسة التثبيت النقدي المعتمدة أساساً على امتصاص الفوائض المالية من السوق عبر رفع سعر الفائدة، قد أدت إلى حرمان القطاعات الإنتاجية التسهيلات المصرفية الضرورية للنمو والتوسع.
أما في ما يتعلق بتشجيع قيام المؤسسات الصغيرة بهدف توسيع سوق العمل، فيمكن تلمّس بعض الخطوات المتعلقة بالدرجة الأولى بالاقراض، إلا انه لا يمكن القول إن هناك عناصر مترابطة لخطة عمل في هذا الميدان. ولا تزال التسليفات للمؤسسات الصغيرة هامشية وصادرة إما عن هيئات دولية أو عن منظمات غير حكومية أو عن وزارة الشؤون الاجتماعية، فيما يفتقر القطاع المصرفي إلى الضمانات والحوافز لإتباع سياسة تسليف لمصلحة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
وعلى صعيد التأهيل المهني (التعليم والتدريب)، كوجه من وجوه التمكين في مواجهة الفقر وزيادة قدرة الفقراء على شغل وظائف منتجة تزيد من مواردهم، تقرّ الحكومة بوجود حاجات سوق العمل وسبل ربطها بالنظام التعليمي. وأبرز مظاهر القصور هو انخفاض نسبة التلاميذ المسجلين في التعليم المهني إلى 13 في المئة من إجمالي التلاميذ، فيما ينبغي ألا تقل هذه النسبة نموذجياً عن 20 في المئة؛ وغلبة التعليم الخاص على التعليم الحكومي في هذا المجال؛ وتخلف الاختصاصات الموجودة في التعليم الحكومي عن اللحاق بالحاجات المستجدة في سوق العمل؛ وغياب البرامج الموجهة لإعادة تأهيل العمال والمهنيين العاملين حالياً وللتعرف إلى أوجه النقص في خبراتهم والتعويض منها.
وتقليص تكاليف المعيشة هو أحد خيارات سياسة مكافحة الفقر. ويلاحظ أن الفجوة قد اتسعت كثيراً بين الدخول والأسعار خلال فترة الحرب. فقد ارتفعت الأسعار بأربعة أمثال الارتفاع في الدخول في غياب شبه كامل للدولة. وبعد عام 1992، تمكنت الحكومة من تثبيت النقد، لا بل من تحسين سعر صرف الليرة قياساً على العملات الأجنبية، ومن تقليص معدل التضخم إلى نحو 12 في المئة سنوياً. ولكن الآثار الاجتماعية لهذه الإنجازات لا تزال غير محسوبة، وبخاصة أنهالم تؤد إلى انخفاض أسعار السلع الأساسية والاستهلاكية. علاوة على ذلك، فإن التدابير المحدودة التي اتخذتها الحكومة، ومن بينها فرض الرقابة على الأسعار من حين إلى آخر، في ظل خلاف بين الوزراء حول مدى تعارض ذلك مع مبدأ حرية الاقتصاد، في ظل الاحتكار وانعدام التنافس في العديد من الأحيان، إنشاء مؤسسة عامة للأسواق الشعبية؛ والتدخل لدى أصحاب الأفران المنتجة للخبز لمنعهم من زيادة أسعارهم، جميعها تدابير لم تحل دون بقاء الأسعار عند مستويات عالية تعود إلى مرحلة التضخم الجامح التي سبقت عام 1993.
وفي ما يتعلق بسياسات الضرائب والرسوم وتسعير الخدمات، من الواضح أن الحكومة لا تسعى لتضمين السياسة الضريبية أي بُعد اجتماعي، فقد صرفت النظر عن مبدأ تصاعدية الضريبة وعن ضريبة الأملاك، وقامت بتوحيد ضريبة الدخل وضريبة الأرباح وخفضها إلى ما دون 10 في المئة وزيادة الاعتماد على الضرائب غير المباشرة والرسوم التي ارتفعت بمعدلات كبيرة جداً في بعض الحالات. فتسعير بعض الخدمات يتجاوز كثيراً تكلفة إنتاجها (الكهرباء مثلاً) ويهدف إلى تحقيق فائض تمويلي هناك خلاف حول صحته.
ويبدو مما سبق أن السياسة الضريبية تسعى لزيادة حصة عموم المواطنين، دون تمييز، في تمويل خطة الإعمار وتمويل الخزينة، وخفض الأعباء عن أصحاب الأرباح والدخول المرتفعة، ومنح إعفاءات ضريبية كبيرة جداً للشركات العملاقة ولقطاع التجهيز السياحي. الأمر الذي سيؤدي عملياً إلى اتساع الفجوة بين الدخول والإنفاق بالنسبة إلى أغلبية المواطنين.
وتؤدي شبكات الأمان دوراً مهماً في الحد من انتشار الفقر وفي معالجة نتائجه. ويلاحظ أن أداء الحكومة في هذا المجال ينحو إلى التخلي عن مفهوم دولة الرعاية وتفضيل اللجوء إلى التحويلات الفورية والموضعية والموقتة، النقدية أو العينية، على إقامة آليات دائمة تؤدي دوراً "تمكينياً" و"تنموياً حقيقياً". فقد انخفض عدد المؤسسات المسجلة في الضمان الاجتماعي من 32000 مؤسسة عام 1974 إلى 26000 مؤسسة عام 1992، وبقي عدد العاملين بأجر المسجلين في الضمان الاجتماعي دون تغيير، على الرغم من تضاعف حجم القوى العاملة تقريباً في الفترة نفسها. أما التعويضات الإضافية على الراتب، فقد انخفضت قيمتها الفعلية بنسبة 50 في المئة بين عامي 1984 و1992، وتآكلت ودائع نهاية الخدمة وانخفضت قيمتها في المتوسط من 17000 دولار إلى 4700 دولار بالأسعار الحالية. وارتفعت تكاليف الخدمات الطبية الأساسية المشمولة بشبكات الأمان بنسبة تعادل مرتين الزيادة التي طرأت على المؤشر العام للأسعار بين 1988 و1992. وانخفضت الطاقة الفعلية للمستشفيات الحكومية إلى أقل من 20 في المئة من طاقتها الإسمية.
ونجد اتجاهات مشابهة في التعليم الحكومي الذي تقلصت حصته وتدنت نوعيته وتزايدت فيه نسب الرسوب والتسرب وانخفضت نسبة الالتحاق به.
يستنتج من ذلك كله نزعة إلى تقليص دور الدولة في تأمين العناية الصحية الأولية والتربية الأساسية والتحويلات والضمانات الضرورية لتوفير الحد الأدنى من الرعاية للمواطنين. وتستند هذه النزعة إلى أن تعزيز النمو الاقتصادي يؤدي تلقائياً إلى تحسين مستوى المعيشة دون حاجة إلى تحويلات وتعويضات وضمانات وتدخلات. وهذه فكرة لم تثبت صحتها حتى الآن في أي من البلدان التي اتبعت سياسات مشابهة.


حول المركز

محاور
					
					
					
					
					 الابحاث

الأنشطة

المنشورات

الدراسات

مصادر

مقالات
					
					
					
					
					 الموقع