English Version خريطة الموقعسجل عنوانكالجديد

المنشورات الدوريةالأبعاد
 
أبعـــــــاد
العدد السادس: أيار/ مايو 1997

بول سالم: أبعاد الفقر والسياسات الاقتصادية والاجتماعية (ص 4 - 9)
عادت قضية الفقر القضية الرئيسية التي هيمنت على المناقشات السياسية عام 1996 في لبنان، أي بعد ست سنوات على نهاية الحرب وأربع سنوات على تأليف حكومة الحريري الأولى. ويعود ذلك جزئياً إلى نشر إحصاءات جديدة حول الفقر في لبنان، أشارت إلى ان مليون لبناني يعيشون تحت خط الفقر المطلق ونحو 250 ألفاً يعيشون تحت خط الفقر المدقع. أما السبب الأول لعودة هذه المناقشات إلى البروز فيتمثل بفقدان الثقة في السياسات المعتمدة في السنوات الأربع السابقة. فقد تساءل الكثيرون حول السبب الذي حال دون إيجاد حل للمأزق الاجتماعي في لبنان، على الرغم من مرور ست سنوات على نهاية الحرب وأربع سنوات على تأليف حكومة لها رؤيتها في الأولويات الإقتصادية. إن أهمية هذا السؤال لا تعود إلى أهمية الشؤون الإنسانية ومسائل العدالة الاجتماعية والمساواة فحسب، بل إنها تتخطى ذلك إلى الأسئلة المصيرية المتعلقة بالاستقرار البعيد المدى للنظام السياسي الذي يسمح بوجود مثل هذا التفاوت في الدخل ومثل هذا العدد الكبير من السكان الفقراء. إضافة إلى الأسئلة المتعلقة بمدى قدرة سياسة اقتصادية تستبعد مثل هذا القطاع الواسع من السكان على الاستمرار والاستدامة.

ليس ثمة شك في أن هناك أسباباً عدة لتفاوت الدخل والفقر في لبنان. فمنذ ما قبل الحرب كان لنمط التمدن السريع، والسياسة الاجتماعية الضعيفة وهيمنة قطاع الخدمات على قطاعي الزراعة والصناعة، والمواجهات مع إسرائيل في الجنوب، تأثير قوي في تكوين الهرم الاجتماعي في لبنان، وإفقار قطاعات واسعة من سكان الريف، ودفع آخرين الى أحزمة البؤس النامية في داخل المدن الرئيسية ومن حولها. وقد تفاقمت هذه المشاكل خلال الحرب، عبر النمو السلبي للناتج المحلي الإجمالي، وعقب التضخم الهائل والإنهيار الكبير في سعر صرف الليرة اللبنانية، ونمو البطالة، وموت أو إصابة عشرات الألوف من أرباب الأسر، وتهجير ما يقارب ثلث السكان. كما وجه تمزق الأسواق والحياة الاقتصادية الطبيعية ضربة شديدة إلى كل القطاعات في المناطق المدينية والريفية على السواء. ولم تشهد السنتان التاليتان للحرب أي توقف للانحدار، فيما استمر التضخم الجامح حتى عام 1992.
وولد مجيء حكومة الحريري في خريف عام 1992 أمالاً جديدة في تغيير المسار الاقتصادي بعد عقد ونصف العقد من التدهور. وعلقت الآمال على قدرة الحريري على حث النمو الاقتصادي المحلي وحشد الدعم العالمي؛ كذلك علقت الآمال على العملية السلمية الإقليمية التي كانت قد أطلقت في مدريد في آخر العام 1991. التي كان يبدو في ذلك الوقت انها تعد بتسوية إقليمية شاملة في حلول منتصف هذا العقد، إذ أمل الكثيرون من المراقبين ان مثل هذا التسوية التي رافقها وجود الحريري في قيادة عملية إعادة بناء البنية التحتية وتمهيد الطريق أمام النمو الداخلي والاستثمار الدولي، ستمكن لبنان من أن يستعيد صحته الاقتصادية بدءاً من النصف الثاني من التسعينات. أما بالنسبة إلى السياسة الاجتماعية فإن حكومة الحريري، ووفقاً لهذا السيناريو، رأت أنه نظراً إلى قلة عائدات الحكومة، والكلفة المرتفعة للتأهيل وإعادة البناء والحاجة إلى تمويل جزئي من إعادة البناء والتأهيل من أموال القطاع الخاص، وفرص النمو المرتفع التي يوفرها النظام الإقليمي الناشئ. رأت أن الحكومة لن تكون قادرة على التركيز على الشؤون الاجتماعية في المرحلة الأولى من إعادة البناء، ولكنها ستركز عوضاً من ذلك على إعادة البناء والتأهيل وإعادة إدماج لبنان في الاقتصاد الإقليمي والدولي، على أن تؤدي نسب النمو المرتفعة الناتجة من هذه السياسة، التي كان من المتوقع أن تراوح بين 10 و15 في المئة بدءاً من عام 1995، إلى الزيادة السريعة للعمالة والدخل والى توفير منافع حقيقية ومتنامية للطبقات المحرومة في لبنان. إلى ذلك فإن الحكومة ستتمكن من خلال نسب النمو المرتفعة هذه من أن تبدأ بجني ثمار الفوائض في الموازنة، التي يمكن أن يعاد استخدام قسم منها في برامج الرخاء الاجتماعي.
إلا ان حساب الحقل لم ينطبق على حساب البيدر، وبالتالي فإن ما حدث على الصعيدين السياسي والاقتصادي جاء مختلفاً عما كانت الحكوكة قد توقعته. فالعملية السلمية التي كان يتوقع أن يحقق خطوات مهمة عام 1992 حققت بعض الاختراقات على الجبهتين الأردنية والفلسطينية إلا أنها لم تحقق أي تقدم على الجبهتين اللبنانية والسورية، وما لبثت العملية بمجملها أن توقفت عقب انتخاب نتنياهو عام 1996، بل انها أخذت تتراجع عما سبق لها أن حققته من خطوات.

أما على الصعيد الداخلي، فعلى الرغم من النمو الملحوظ بين عامي 1991 و1996 الذي راوح بين 6 أو 8 في المئة، فإن معدلات النمو عادت إلى الانخفاض عامي 1995 و1996، وسجلت في بعض الفصول مؤشرات نمو سلبية. وبقي عجز الموازنة، الذي كان من المفترض أن يتحول إلى فائض، على ما هو عليه من حجم كبير راوح بين 50 و60 في المئة، الأمر الذي أضاف عشرات الملايين من الدولارات الى الدين العام الذي تخطى حاجز المليار دولار، مقترباً إلى نسبة 100 في المئة من الناتج القومي الإجمالي. ولقد عنت هذه الحقائق، النمو البطيء جداً ونمو الدين العام وانخفاض مستوى الاستثمار الدولي، بطأً كبيراً في نمو العمالة. هذا إذا افترضنا ان هناك زيادة في فرص العمل وركوداً أو تدهوراً في القوة الشرائية للطبقات الوسطى والفقيرة وعدم تحسن الأزمة الاجتماعية الحادة.
إلى ذلك فإن سياسة الدولة الضريبية لم تضطلع بأي دور مساعد، فلقد خفض سقف الضريبة التصاعدية السابقة إلى 10 في المئة، الأمر الذي ألقى بعبء ضريبة الدخل على الفئات الدنيا وزاد من الاعتماد على الضريبة غير المباشرة التي تؤثر على نحو أكبر نسبياً في الفئات ذات الدخل المتوسط والمحدود. كذلك فإن تمويل العجز بواسطة نسب الفوائد المرتفعة إنما صب في مصلحة الذين يملكون رأسمالاً كبيراً يمكن أن يحصلوا على أرباح كبيرة لدى شرائهم سندات الخزينة. كما أعاد توجيه الرأسمال في اتجاه الابتعاد من الاستثمارات المنتجة التي يمكن أن تخلق فرصاً ووظائف والتوجه إلى الاستثمار في سندات الخزينة.

إن الانحياز العام لإعادة البناء والتأهيل الماديتين كان له أيضاً تأثيره السلبي في الاستثمار في رأس المال البشري. وبما أن لبنان الذي لا يملك أياً من المواد الأولية الثمينة فإن رأسماله الوحيد هو شعبه - قوته العاملة. وفي هذا المجال، فعلى الرغم من انه تم تحقيق بعض التقدم في برامج تعزيز التعليم المهني وإعادة النظر في نظام التعليم الرسمي وإعادة ضخ بعض الحياة في شرايين الجامعة اللبنانية، فإن التقدم في هذه المجالات كان معدوماً عملياً، أو حتى سلبياً في بعض الحالات. فإذا كان التعليم المهني هو القطاع الذي شهد التغيير الأوسع، فإن نظام التعليم الرسمي لا يزال مشيناً على المستوى الوطني. والتدخل السياسي في شؤون الجامعة اللبنانية قد جعل الوضع في هذه الجامعة أكثر سوءاً. كذلك فإن بعض الضروريات لبناء قوة عاملة قوية ومستدامة، مثل الصحة العامة والاسكان، قد وضعت في أسفل قائمة الأولويات. والسياسة العمالية الرسمية بوجه عام لم تقف إلى جانب الطبقات العاملة، بحيث لم تضع أي حدود تحول دون تدفق اليد العاملة الأجنبية الرخيصة جداً التي ضربت أجور العمال المحليين. كما بذلت الحكومة الجهود الفعالة لشق الاتحادات العمالية، وحظرت كل التظاهرات العمالية وسيطرت على هذه الاتحادات العمالية. ان سياسة تقليص أجور العمل اللبنانية على عكس مسار عقود من التقدم والرجوع إلى مستوى الأجور السائد في سوريا أو مصر أو باكستان هو اتجاه خطير.
ومنظومة الضمانات الاجتماعية التي يفترض بها ان توفر شبكة الأمان للفقراء هي نفسها في حال يرثى لها. فالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وتعاونية موظفي الدولة ومؤسسات الرعاية الصحية العسكرية والتأمين الخاص التي عانت ويلات الحرب وعواقبها، لا تغطي إلا نحو 50 في المئة من السكان. وتوفر وزارة الصحة ووزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة المهجرين ومجلس الجنوب قسطاً من الخدمات والمساعدات الإضافية. لكن نظراً إلى حجم المشكلة وحدتها ونظراً إلى الفساد وعدم الكفاية التي يعانيها عدد من هذه الهيئات، فإن كثيراً من المواطنين في لبنان لا يزالون في صراع مرير ومحفوف بالمخاطر الشديدة ضد الفقر المدقع والمسكن غير الملائم والتعليم السيئ والصحة السيئة والبطالة.

إن قائمة وحجم المشاكل الاجتماعية التي تواجه لبنان في السنوات الأخيرة من القرن العشرين خطيرة بالفعل.
يجمع هذا العدد من أبعاد عدداً من الدراسات التي أعدها كبار المحللين الاقتصاديين والاجتماعيين في لبنان كي نتمكن من اكتساب فهم أفضل للمشكلة الاجتماعية ولنحدد العناصر الاستراتيجية توصلاً لإخراج الطبقات المحرومة على نحو تدريجي من الهوة التي يقعون فيها. وليس ثمة شك انه في ظل وضع إقليمي متوتر وفي ظل المستوى المنخفض من المساعدات الدولية وكبر حجم الدين، فإن المهمة ليست سهلة، ولكن على أي استراتيجية أن تأخذ في الحسبان بعض العناصر التالية:
- نظام ضريبة دخل أكثر تصاعدية كي يحمل الأغنياء قسطاً أكبر من العبء.
- ذراع جباية ضرائب حيوي ونشط يجبي الضرائب على نحو فاعل من كل المكلفين وليس فقط من الذين لا يملكون القدرة على إخفاء مداخيلهم.
- القيام بحملة على الفساد في المستويات العليا الذي يستنزف ملايين الدولارات من صناديق الدولة.
- إنجاز تقدم فعلي في الإصلاح الإداري لزيادة الكفاية وتخفيف الهدر الحكومي.
- قيادة واهتمام جديين بتنمية الموارد البشرية في قطاعات العلم والصحة والإسكان.
- سياسة عمالية عقلانية ينتظم عبرها تدفق العمالة الأجنبية وتسمح للعمالة المحلية بتنظيم وحماية المصالح العمالية المحلية.
- سياسة اقتصادية تولي اهتماماً كافياً بالزراعة والصناعة القطاعين اللذين لديهما القدرة على خلق فرص عمل كبيرة الحجم.
- تعزيز وتنشيط منظومة الضمانات الاجتماعية حتى تتمكن من حماية مصالح الفقراء والمحرومين.
- انفتاح وديمقراطية النظام السياسي لضمان التمثيل الصحيح لمصالح الناس وخياراتهم في مواقع السلطة.
- إنشاء المجلس الاقتصادي والاجتماعي بحيث يتمكن من أداء دوره كاملاً

 


حول المركز

محاور
					
					
					
					
					 الابحاث

الأنشطة

المنشورات

الدراسات

مصادر

مقالات
					
					
					
					
					 الموقع