العدد
السادس: أيار/ مايو 1997
فارس أبي صعب: دولة الفوارق
الطبقية ومستقبل لبنان (ص 10 - 16)
حين وضع أفلاطون
مشهداً لمدينته الفاضلة إنما جعل الناس في مدينته تلك طبقات. ولم
يجد أفلاطون صعوبة في التوفيق بين وضع حدود صارمة بين طبقات
المجتمع وبين الحديث عن العدالة المكرّسة لذلك التقسيم.
وحين
جاءت الديانات السماوية لم تجد صعوبة بدورها في الحديث عن العدل
الإلهي وعن قدر الإنسان في أن يكون فقيراً أو غنياً.
وهكذا
حكم الأسياد والنبلاء اقنانهم في العصور الوسطى على قاعدة العدل
الإلهي نفسه. إلى أن جاء عصر التنوير الأوروبي وفلسفته الوضعية
لتنتزع مصدر العدالة من السماء وتضعها على الأرض فتُرجمت تلك
العدالة بقوانين وضعية أسست لقيام الدولة الحديثة. فارتكزت هذه
الدولة على حكم سلطات الشعب مصدرها والحرية والعدالة والمساواة
والديمقراطية أسُسُها. فانتظمت هذه الأسس في عقد اجتماعي يحدد
العلاقة بين أبناء المجتمع وبين الدولة بوصفها تلك الشخصية
المعنوية المتجسدة في مجموعة أنظمة ومؤسسات تعبر عن الإرادة
العامة بدورها.
غير أن القوانين الوضعية وقيم العدالة
والمساواة والديمقراطية التي أتت بها الدولة الحديثة لم تأتِ
لتلغي الاستغلال الطبقي الذي كان سائداً منذ عهود مضت بقدر ما
كانت تعبيراً عن اضمحلال طبقات قديمة كانت سائدة في النظام
الإقطاعي وولادة طبقات جديدة عنونت لبزوغ المرحلة
الرأسمالية.
وعلى الرغم مما جاءت به الفلسفات الوضعية من نزعة
تفاؤلية حيال العدالة والمساواة وغيرهما من مبادئ الدولة
الحديثة، فقد كان على الفكر السياسي أن ينتظر الفلسفة الماركسية
لكي تنزع عن هذه الدولة صفة سلطة الشعب والإرادة العامة والحرية
والمساواة ولتقول إن هذه الدولة، بتنظيماتها وتشريعاتها، ليست
إلاّ الصورة الأيديولوجية لسيطرة طبقة اجتماعية على غيرها من
الطبقات الاجتماعية الأخرى ... حيث تجري هذه السيطرة عبر التحكم
بوسائل الإنتاج، وعبر فرض الإطار القانوني الذي يضمن الحفاظ على
روابط الإنتاج على النحو الذي يمكّن الطبقة المسيطرة من إدامة
سيطرتها.
وترى هذه الفلسفة أن الحديث عن "دولة القانون" وعن
الدولة التي تقوم بدور "الحارس الليلي" ليست إلاّ حديثاً عن
سيطرة اجتماعية تكون هي المعنية وهي المستفيدة. فالدولة "ليست
شيئاً آخر سوى آلة قمع من قبل طبقة لطبقة أخرى".
غير أن
المدرسة التي يطلقون عليها الماركسية المعاصرة ترى أن الدولة لا
تمثل أداة في يد طبقة بعينها، ولا تعبيراً عن إرادتها في ممارسة
السلطة، وإنما هي تعبر عن توازن عام بين قوى المجتمع، وتحمل هذا
التوازن وتعكسه في أنظمتها ومؤسساتها وتشريعاتها.
أما نيكوس بولانتزاس، وهو أحد
أبرز رواد المدرسة البنيوية، فيرى أن السمة الأساسية المميزة
للدولة الحديثة هي أن الأشخاص لا يظهرون فيها بوصفهم عوامل إنتاج
بل أفراداً أو مواطنين، أي أشخاصاً سياسيين. وهو يرى أن هذه
الدولة تتميز بعدم ظهور السيطرة الطبقية في مؤسساتها، فتبدو دولة
شعبية لا طبقية تقوم مؤسساتها على مبادئ الحرية والمساواة. ولا
تستمد هذه الدولة شرعيتها من المشيئة الإلهية وإنما من إرادة
مجموعة الأفراد بوصفهم مواطنين أحراراً متساوين من الناحية
الشكلية، أي أن شرعيتها تستند إلى سيادة الشعب، بحيث يبدو هذا
الشعب حاكماً الدولة لا بوصفه مؤلفاً من عوامل الإنتاج الموزعة
بين الطبقات الاجتماعية المختلفة وإنما بوصفه جمعاً من الأفراد -
المواطنين الذين يساهمون في الحياة السياسية القومية المشتركة عن
طريق الاقتراع العام الذي يعبر عن الإرادة العامة. وتتسم
العلاقات الإجتماعية الإقتصادية في هذه الدولة بسمة أساسية هي
الأثر العازل للبنى القانونية والأيديولوجية التي يحكمها هيكل
عملية العمل. وهذا الأثر العازل له دور أساسي في إخفاء العلاقات
الطبقية... لذا تبدو الدولة الرأسمالية تعبيراً عن الوحدة
السياسية في صراع إقتصادي يتميز بطبيعته بالتفتت والإنعزال. فهي
تدعي تمثيل المصلحة العامة لجميع المصالح الإقتصادية المتباينة
والمتنافسة التي تحول دون وعي عوامل الإنتاج بطبيعتها الطبقية.
وهكذا تخفي الدولة الرأسمالية الطبيعة لسياسية الطبقية لمؤسساتها
السياسية. وهذا يتحقق أيضاً من خلال العامل الأيديولوجي في هذا
المجال.
بغض النظر إذن عن مدى تمثيل الدولة الحديثة مصلحة
طبقية محددة فإن هذه الدولة قد تطورت عبر نماذجها وتجاربها
المختلفة في التاريخ المعاصر في اتجاهات متمايزة في جوانب عدة،
وخصوصاً على مستوى حدة الفوارق الطبقية داخل كل تجربة. إذ شهدت
هذه التجارب تناقضات وصراعات طبقية كانت تؤدي في معظم الأحيان
إلى فرض تشريعات وقوانين جديدة توفر بعض الشروط الفضلى لمصلحة
الطبقات الدنيا. هكذا تطورت النظم الضريبية وسياسات التأمينات
الاجتماعية ونظم التعليم وسياسات الدعم التي عملت على إعادة
التوازن النسبي في توزيع الثروة الوطنية داخل المجتمعات
الرأسمالية نفسها.
حتى إن أدبيات التنمية الرسمية راحت تركز
أكثر فأكثر على البعد البشري للتنمية وعلى ضرورة تخفيف حدة
الفوارق الطبقية. لكن دون أن يلغي ذلك أو يتجاوز الآليات
الأساسية التي تقوم عليها الدولة الحديثة والتي تؤدي إلى استمرار
الفوارق الطبقية، وخصوصاً في المرحلة التاريخية الرأسمالية. غير
أن هذا السياق في تطور مفاهيم التنمية يواجه من جهة أخرى بنزعة
عالمية نحو تهميش دور الدولة، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى إلغاء
أو تراجع دورها كناظم للتوازن الاجتماعي النسبي. وإذا ما أخذنا
في أحد المؤشرات المادية للفوارق الطبقية نرى انه بين عامي 1960
و1990 ارتفعت حصة أغنى 20 في المئة في العالم من 70 في المئة من
الدخل العالمي إلى 85 في المئة من هذا الدخل، مقابل انخفاض حصة
أفقر 20 في المئة في العالم من 2،3 في المئة من الدخل العالمي
إلى 1،4 في المئة. بمعنى أن حصة أغنى 20 في المئة كانت عام
1960تمثل 30 ضعف حصة أفقر 20 في المئة وأصبحت عام 1990 تمثل 61
ضعف حصة أفقر 20 في المئة من الدخل العالمي. وعلى الرغم من أن
هذا المؤشر مادي فهو بالضرورة ينعكس على كثير من المؤشرات
الحياتية والمعنوية كالطبابة والتعليم والسكن والمعرفة والثقافة
والرفاهية وغيرها.
تبقى مسألة الطبقات إذاً قائمة
في مجتمع الدولة الحديثة في مرحلتها الرأسمالية، ما دامت يوتوبيا
مجتمع اللادولة واللاطبقات غير وارد تحققها في المدى المنظور،
ويبقى الحديث إذا في حدود تخفيف حدة التفاوت الطبقي في المجتمع
وتوفير الحد الأدنى للحياة الكريمة لمختلف فئات الشعب. فالنمو
الاقتصادي يجب ألاّ يكون غاية في حد ذاته بل وسيلة من أجل تحقيق
حياة أفضل للإنسان. وهنا يأتي دور الخيارات التنموية الاقتصادية
والاجتماعية لكل دولة، التي تؤثر على هذا النحو أو ذاك في عملية
التوازن المجتمعي، ليس الطبقي فحسب بل القطاعي والمناطقي
كذلك.
وإذا ما اقتربنا من التجربة اللبنانية على هذا الصعيد،
نجد أن لبنان الكبير الذي تأسس على قاعدة الدولة الحديثة، نظرياً
على الأقل، كانت له خياراته الاقتصادية منذ البدء، التي ساهمت في
تحديد وجهة الحراك الاجتماعي فيه وفي تفاوت النمو بين قطاعاته
ومناطقه.
ولعل أبرز تلك الخيارات تركيزه على دور قطاع
الخدمات، وتحديداً المصرفية والسياحية منها، فضلاً عن دور الوسيط
التجاري والترانزيت.
ولعل أفكار ميشال شيحا كانت خير ما عبر
عن هذه الخيارات. فهو كان من أبرز الذين نظروا لاقتصاد لبناني
أحادي الجانب، داعياً إلى ضرورة ربط لبنان بالنظام الرأسمالي
العالمي وجعل اقتصاده حراً قائماً أساساً على الخدمات. فالنظام
الاقتصادي الحر، الوسيط غير المنتج، في فكر شيحا يكوِّن مرتكزاً
أساسياً لا يمكن أن ينفصل عن لبنان الكيان. فلبنان هكذا كان في
الماضي وهكذا سيبقى في المستقبل. و"فينيقيا هي رمز مزدوج كياني
واقتصادي. لقد كنا تجاراً وسنبقى كما كان فينيقيو الأمس". ولا
يتردد شيحا في إعطاء هذا الدور الاقتصادي التجاري طابعاً أبدياً
بقدر أبدية الموقع الجغرافي لهذا البلد، فالطبيعة في رأيه هي
التي اختارت لبنان اليوم ليكون بلداً تجارياً، لأنها اختارته
بالأمس كذلك. فهذا الاختيار دائم بديمومة الطبيعة.
انطلاقاً من هذه الخيارات قامت
أعمال بناء القاعدة المادية والتجهيزات الأساسية للبنية التحتية
في لبنان الكبير لتعزيز دوره كوسيط، وكمنطقة ذات امتياز في
التجارة والترانزيت عبر الشرق الأدنى، فتم تحسين وضع المرافئ
وشبكات الطرق ووسائل النقل تسهيلاً لتلك المهمة. وانطلاقاً من
الخيارات التي عبر عنها ميشال شيحا أيضاً كان للمدينة البحرية،
وبخاصة العاصمة بيروت، دور مركزي في النشاط الاقتصادي، الأمر
الذي همش الأرياف والمناطق ودفع أبناءها إلى الهجرة نحو بيروت
التي ما لبثت أن وجدت نفسها محاطة بأحزمة بؤس.
كل ذلك لا
ينفي حدوث "نمو" مطرد في الدخل الوطني وفي الناتج المحلي القائم
شهده لبنان منذ الاستقلال وحتى منتصف السبعينات، على الرغم من
أرجحية قطاع الخدمات على سائر القطاعات الأخرى، وبالتالي على
الرغم من التفاوت الحاصل في توزيع الدخل. غير أن هذا النمو ترافق
مع ظروف إقليمية عدة ساعدت على حدوثه. منها سقوط فلسطين، وارتفاع
عائدات النفط العربي، والتحولات والسياسية والانقلابات العسكرية
في المنطقة العربية، وهزيمة حزيران/ يونيو 1967، وإقفال قناة
السويس ... وغيرها من الأسباب.
هذا النمو الذي شهده الاقتصاد
اللبناني بين الاستقلال ومنتصف السبعينات، والذي كان مشروطاً إلى
حد بعيد بظروف المحيط، رافقته حركة مطلبية شعبية ساهمت بدورها في
تحسين بعض شروط العمل وتوفير بعض الضمانات للقوى العاملة، فضلاً
عن تطوير بعض التشريعات والقوانين التي حسنت نسبياً من ظروف
الطبقة الفقيرة. وكانت هذه الحركة المطلبية في أوجها حين اندلعت
الحرب الأهلية في منتصف السبعينات. فطغى النشاط السياسي - الأمني
طوال فترة الأحداث على غيره من أنشطة مطلبية
وتنموية.
وها هو لبنان يغلق ملف الحروب
بعد مضي خمسة عشر عاماً على اندلاعها، وليدخل في بداية التسعينات
في مرحلة من السلام، على الرغم من بقاء جزء من أرضه محتلاً من
قبل إسرائيل على الأقل. وراحت تطغى على هذه المرحلة أنشطة من نوع
آخر، احتل النشاط السياسي - الاقتصادي أو النشاط السياسي -
الإصلاحي أو الاعماري حيزاً مهماً منه.
في الوقت نفسه راحت
تتراجع لدى الناس الهموم الأمنية المباشرة التي طغت خلال الحرب
لتظهر من جديد همومهم المعيشية التي جاء التضخم وانهيار سعر صرف
الليرة منذ منتصف الثمانينات وما رافقهما من انهيار في مستوى
المعيشة ومن تفاوت في توزيع الثروة ...ليجعلها من أولوياتهم
الحياتية.
ولم تتضح السياسات الاقتصادية للبنان بعد الحرب
إلاّ مع وصول دولة الرئيس الحريري إلى رئاسة الحكومة، تحت شعار
الإنماء وإعادة الإعمار، بحيث حددت هذه الحكومة أولويات المشاريع
الإعمارية والإنمائية التي تحتل مشاريع البنية التحتية وتطوير
مرافق النقل الجوية والبحرية فضلاً عن المواصلات البرية، حيزاً
مهماً منها. بحيث تذكرنا هذه الأولويات بالخيارات الاقتصادية
التي نظَّر لها ميشال شيحا منذ ما يزيد على السبعين عاماً على
الرغم من كل التحولات الجذرية التي شهدتها المنطقة والعالم على
مختلف الصعد الاقتصادية والسياسية والتقنية وغيرها. حيث تبدو
الأولويات ما زالت تتجه إلى دور لبنان على صعيد القطاع المصرفي
وقطاع السياحة والخدمات وحركة الترانزيت. مع العلم ان الشروط
الإقليمية التي وفرت فرص النمو للاقتصاد اللبناني على هذه
القاعدة في الفترة السابقة على الحرب لم يعد ممكناً توفيرها
مجدداً.
فضلاً عن ذلك لم تظهر في هذه السياسة الإنمائية عناصر
التوازن المناطقي والقطاعي، وخصوصاً بين القطاعات الاقتصادية
المنتجة التي لا تزال تحتل حيزاً هامشياً في الموازنة العامة.
ناهيك عن سياسة تمويل الاعمار التي تحمّل الطبقة الفقيرة حيزاً
كبيراً من أعباء تمويلها من خلال تحمل هذه الطبقة أعباء الفوائد
المرتفعة للديون الداخلية عبر النظام الضريبي المعمول به في
لبنان.
لقد توخينا من هذا العدد أن نقدم قراءة موضوعية لأهم
الموضوعات الاقتصادية - الاجتماعية التي يتوقف عليها مستقبل
التنمية المتوازنة والعدالة الاجتماعية والديمقراطية في لبنان،
عسى أن تساهم الأوراق التي يتضمنها محوره الخاص بالفوارق الطبقية
في بلورة رؤية تساهم بدورها في بلورة سياسة اقتصادية - اجتماعية
أكثر عدالة. فالنمو الاقتصادي ليس غاية في حد ذاته بل هو وسيلة
لتحقيق حياة أفضل وهامش من السعادة أوسع
للإنسان.