أبعـــــــاد
العدد
السادس: أيار/ مايو 1997
أنطوان حداد: الفوارق الطبيقة:
القياس والآثار السياسية والاجتماعية (ص 18 -
24) مدخل منهجي ومفهومي إن أي محاولة قياس للتوزع
الطبقي تصطدم، أولاً، بتبني تعريف موضوعي للطبقات، وخصوصاً في
بلد مثل لبنان تتداخل فيه الإنتماءات وتتراكم بعضها فوق البعض؛
وثانياً، بغياب الإحصاءات والبيانات الإجتماعية والإقتصادية منذ
ما قبل الحرب، وفي خلالها طبعاً، وحتى بعد انتهائها. في ظل هذه
الشروط، يرتدي القياس طابع التمرين التركيبي غير المباشر، وتأتي
النتائج تقريبية لا بل "نوعية" مع هامش دقة واسع نسبياً. غير أن
ذلك لا يقلل من فائدتها، وخصوصاً إذا ما نظر إليها ليس بدلالاتها
الذاتية والمطلقة بل كمصدر للمقارنة ولسير الاتجاهات. بين
المقاربة الماركسية الكلاسيكية التي تحدد الإنتماء الطبقي وفقاً
للموقع من علاقات الإنتاج والتي تفترض وجود قاعدة بيانات منهجية
ومركبة تتضمن مداخل عدة؛ وبين المقاربة البراغماتية التي تستند
إلى مستوى الدخل، اعتمدنا في ما يلي المقاربة الثانية حيث وجدنا
في الدراسات المتوافرة معطيات كافية تساعد على تركيب لوحة أولية
للتوزع الطبقي في لبنان، مع تطور هذا التوزع منذ نهاية الخمسينات
حتى منتصف التسعينات. هذه الدراسات متفاوتة من حيث الإتساع
والمنهج والأهداف. الدراسة الواسعة النطاق الوحيدة التي تتضمن
عرضاً لتوزع الدخل تعود إلى عام 1959 - 1960 وقد أجرتها بعثة
"ايرفد" في مطلع عهد الرئيس فؤاد شهاب. والبيانات المتعلقة
بمداخيل عام 1994 تم احتسابها من دراسة حديثة لنا حول الفقر
بتكليف من الأمم المتحدة مستندة بدورها إلى تحقيق بالعينة عن
مداخيل ألف أسرة. بالنسبة إلى مرحلة السبعينات فقد اعتمدنا
المعطيات الواردة في دراسة سليم نصر وكلود دوبار حول الطبقات
الإجتماعية في لبنان (على الرغم من تشديد مؤلفي الدراسة على
الطابع النوعي وغير الإحصائي للعينة الصغيرة المنتقاة).
1 - مداخيل الأسر
اللبنانية تشير المعطيات المتوافرة حول مداخيل
اللبنانيين إلى أن متوسط الدخل الشهري للأسرة في منتصف عام 1994
كان يراوح بين 660 دولاراً في القطاع الزراعي و1684 دولاراً في
قطاع الخدمات غير التجارية. وهو يساوي 839 دولاراً في الشهر في
الإدارة العامة، و1316 دولاراً في الصناعة، و1448 دولاراً في
التجارة. وفي محاولة لتقدير المتوسط العام للدخل الشهري للأسرة
إستناداً إلى ما سبق وإلى حصة كل قطاع من إجمالي القوى العاملة،
نجد أنه يساوي 1283 دولاراً في الشهر تقريباً. بعد تقسيم فئات
الدخل إلى ثلاثة: الدخل المنخفض (أقل من 1000 دولار في الشهر)،
الدخل المتوسط (بين 1000 و5000 دولار في الشهر - يمكن قسمة هذه
الفئة إلى فئتين فرعيتين: فئة الدخل المتوسط الدنيا بين 1000
و3000 دولار، وفئة الدخل المتوسط العليا بين 3000 و5000 دولار)،
والدخل المرتفع (أكثر من 5000 دولار في الشهر)، نستنتج أن
الأغلبية العظمى من الأسر اللبنانية (60 في المئة) تنتمي إلى فئة
الدخل المنخفض، في مقابل 5 في المئة فقط لفئة الدخل المرتفع،
وتتوزع الـ 35 في المئة المتبقية بين فئة الدخل المتوسط الدنيا
(30 في المئة) وفئة الدخل المتوسط العليا (5 في المئة). كما
يستدل أن الأغلبية العظمى من الأسر الزراعية (86 في المئة) تنتمي
إلى فئة الدخل المنخفض، مع 12 في المئة ذات مداخيل متوسطة و2 في
المئة فقط ذات مداخيل مرتفعة. كذلك في الإدارة العامة، حيث
تصل نسبة المداخيل المنخفضة إلى 79 في المئة، مع 20 في المئة
للمداخيل المتوسطة و1 في المئة فقط للمداخيل المرتفعة. في
القطاع الصناعي، تبقى الأغلبية للمداخيل المنخفضة (58 في المئة)
إنما مع اتساع نسبي لفئة المداخيل المتوسطة (37 في المئة) وفئة
المداخيل المرتفعة (5 في المئة). فئة الدخل المتوسط تمثل
تقريباً نصف الأسر التي يعمل معيلها الأول في التجارة (51 في
المئة) أو في الخدمات (47 في المئة)، مع انحسار نسبي لفئة الدخل
المنخفض (46 في المئة في كلا القطاعين) وتوسع ملحوظ لفئة الدخل
المرتفع في الخدمات (7 في المئة). ثمة علاقة تناسب طردي واضحة
بين مستوى الدخل والمستوى التعليمي لرب الأسرة. فالأغلبية العظمى
(86 في المئة) ممن لم يتموا المستوى الابتدائي ينتمون إلى فئة
الدخل المنخفض، في مقابل 78 في المئة لمستوى التعليم المتوسط،
و59 في المئة للثانوي، و42 في المئة للجامعي. وفي العلاقة بين
فئات الدخل والفئة العمرية، يستدل أن مداخيل الفئة العمرية
الصغرى (20 - 30 سنة) هي الأكثر انخفاضاً (88 في المئة ما دون
1000 دولار، و1 في المئة فقط فوق 5000 دولار)، تليها الفئة
العمرية الثانية بين 30 و40 سنة (84 في المئة ما دون 1000 دولار،
و1 في المئة فوق 5000 دولار)، ثم الفئة العمرية العليا بين 50
و60 سنة (66 في المئة ما دون 1000 دولار و2 في المئة فوق 5000
دولار). أما المداخيل الأكثر ارتفاعاً فتتركز لدى الفئة العمرية
الوسطى بين 40 و50 سنة (52 في المئة ما دون 1000 دولار، و38 في
المئة بين 1000 و5000 دولار، و10 في المئة فوق 5000 دولار).
2 - التطور الزمني لتوزع
المداخيل في مطلع الستينات، كان ذوو الدخل المنخفض
ممن يصفهم تقرير بعثة "ايرفد" بفئتي "البؤساء" و "الفقراء"
يمثلون 50 في المئة من إجمالي السكان، في مقابل 4 في المئة فقط
من ذوي الدخول المرتفعة (أو "أغنياء" وفقاً للتقرير). وكان الـ
46 في المئة الباقون من ذوي الدخل المتوسط يتوزعون بين طمتوسطين"
(32 في المئة) "وميسورين" (14 في المئة). واستناداً إلى ما هو
متوافر من تقديرات وترجيحات، فإن فئة الدخل المنخفض انحسرت
تدريجاً في الستينات وفي النصف الأول من السبعينات بالترافق مع
توسع ملحوظ لفئة الدخل المتوسط بشقيها الأدنى والأعلى، ومع توسع
أقل أهمية لفئة الدخل المرتفع. ويمكن بدرجة مقبولة من المجازفة
تقديم النسب المئوية الآتية لتوزع فئة الدخل عام 1973: -
فئة الدخل المنخفض 22 في
المئة. - فئة الدخل
المتوسط الدنيا 50 في المئة. - فئة الدخل المتوسط العليا 18
في المئة. - فئة
الدخل المرتفع 10 في المئة. مهما يبلغ التوزع المذكور من دقة،
لا ريب أن فئة الدخل المنخفض عادت إلى الاتساع في السنوات
العشرين الماضية لتمثل 60 في المئة من السكان عام ،1994 وذلك على
حساب الفئة الوسطى أساساً التي تقلصت إلى نسبة 35 في المئة،
وربما أيضاً على حساب بعض شرائح فئة الدخل المرتفع.
3 - الحرب والحراك الاجتماعي يعبر تطور
توزع المداخيل في العقود الثلاثة الأخيرة عن اتجاهين مختلفين
وحقبتين مختلفتين من الحراك الاجتماعي يفصل بينهما بدء الحرب في
منتصف السبعينات. فقد تميزت الحقبة الأولى بغلبة الترقي
الاجتماعي الذي يمكن أن نعزوه إلى تضافر النمو الاقتصادي مع نشوء
آليات توزيع وتحويل اجتماعي لم تكتمل طبعاً إنما أدت، عبر الضمان
الصحي والضمان الإجتماعي وتعيين الحد الأدنى للأجور وتعويض نهاية
الخدمة، فضلاً عن توسع التعليم الحكومي (بشقيه المدرسي والجامعي)
وغيرها، إلى توسيع قاعدة المستفيدين من النمو ونقل عدد كبير من
العمال والأجراء من حال الفقر إلى الشريحة الدنيا من الطبقة
الوسطى، وقد تمكّن للأسباب نفسها عدد مهم من أفراد هذه الشريحة
من الانتقال إلى الشريحة العليا من الطبقة الوسطى. مع الحرب،
توقف المصعد الإجتماعي، إلا بالنسبة إلى قلة من أفراد الميليشيات
أو المرتبطين بها الذين احتلوا مواقع تتيح لهم الإفادة من عائدات
المخدرات، تجارة وزراعة، والمرافئ غير الشرعية، واستباحة موارد
الدولة وجباية الرسوم والخوات من أصحاب الأعمال وسائر المواطنين.
وتفاقمت الأمور بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 والتدمير
الهائل الذي ألحقه بالبنية التحتية وبوسائل الإنتاج، والذي تلاه
تحول عبء تمويل الحرب من الخارج إلى الداخل، ثم تقلص تحويلات
اللبنانيين العاملين في الخليج نتيجة انخفاض أسعار النفط. وتوقف
النمو، لا بل سجل في العديد من السنوات معدلات نمو سلبية مع تجدد
جولات العنف والدمار ومع فقدان لبنان لبعض وظائفه الإقتصادية.
نتيجة لذلك، ارتفع التضخم إلى معدلات قياسية فاقت 500 في المئة
عام 1987 مثلاً، الأمر الذي أدى، في ظل غياب الدولة ومؤسساتها
الرقابية، إلى شل فاعلية آليات التحويل الإجتماعي المذكورة
أعلاه. ولم تكف تصحيحات الأجور لتعويض التضخم الجامح والغلاء،
الأمر الذي دفع بالعديد من أصحاب الدخل المحدود، وأغلبيتهم من
الأجراء، إلى ما دون خط الفقر. وشمل الإفقار بوجه خاص الشريحة
الدنيا من الطبقة الوسطى الناشئة، وحد من توسع الطبقة الوسطى
عموماً، لا بل قلص رقعة انتشارها الإجتماعية والمهنية
والجغرافية. ولعل الكتلة الإجتماعية الأكثر عدداً بين ضحايا
الحرب هم المهجرون الذين وصل تعدادهم إلى 800 ألف أو ما يمثل ربع
الشعب اللبناني، فضلاً عن آلاف المعوقين وعشرات الآلاف من
الأيتام والأرامل، ونحو 150 ألف عاطل من العمل.4 -
المحددات البنيوية للحراك
الإجتماعي فضلاً عن الحرب، التي تعد عموماً من
الآليات الطارئة، ثمة محددات بنيوية للتوزع الطبقي والحراك
الإجتماعي، منها ما هو إقتصادي - إجتماعي، ومنها ما هو سياسي -
ثقافي. من المحددات الإقتصادية - الإجتماعية، نذكر بوجه خاص:
النمو، نظام التحويلات والرعاية الإجتماعية، إشكالية الريف -
المدينة، سوق العمل، والنظام التعليمي. النمو ضروري لتوليد
فائض قابل للتوزيع، غير أن الحراك الإجتماعي صعوداً (أو الترقي
الإجتماعي) لا يتحقق إلا حين يقترن النمو مع آليات توزيع وتحويل
إجتماعي للفائض. ومن هذه الآليات: (أ) سياسة الأجور؛ (ب) النظام
الضريبي الذي يجب ألا تقتصر وظيفته على تمويل ملكية الدولة؛ (ج)
شبكات الأمان مثل الضمان الصحي ونظام التقاعد وتعويض نهاية
الخدمة وتعويض التعطل من العمل (غير المعمول به في لبنان). في
غياب هذه الآليات، أو بعض منها، يتوقف المصعد الإجتماعي. أما إذا
تضافر غيابها مع معدلات تضخم مرتفعة، فإن المصعد الإجتماعي يأخذ
الوجهة المعاكسة، أي نزولاً. من محددات الحراك الإجتماعي كذلك
توزع النشاط الإقتصادي بين المناطق، وترتدي هذه المسألة طابعاً
مزدوجاً في لبنان، حيث إنها تنطبق على التوزع بين المدن والأرياف
من ناحية، وبين بيروت وبقية المناطق من ناحية ثانية. فالتركز
الإقتصادي في العاصمة والمناطق المحيطة أدى إلى: (أ) تهميش
المناطق البعيدة، وخصوصاً الأريـاف، وحرمـان سكانها عائدات
النمو؛ (ب) زيادة الهجرة من الريف باتجاه المدينة وتحديداً
باتجاه بيروت. وتتصل إشكالية بيروت - المناطق بإشكالية التنوع
القطاعي، حيث إن الخيار الإقتصادي السائد منذ نصف قرن مفرط في
التركيز على الخدمات من دون الزراعة والصناعة القابلتين للتوسع
في المناطق. تبقى مسألة النظام التعليمي ومدى استجابته لسوق
العمل. والعلاقة بديهية بين فاعلية هذا النظام وبين الحراك
الإجتماعي. الأبرز في المحددات السياسية - الثقافية في لبنان
هو أن النظام الطائفي قد أدى دوراً مزدوجاً يتلخص بإعاقة الحراك
الإجتماعي صعوداً، وبتشويه هذا الحراك لدى حصوله. فالطائفية في
لبنان تضرب جذورها في ما هو أعمق من السياسي، أي مستوى الأعمال
والتشكيلات الإقتصادية القاعدية في الشركات والمؤسسات، التي هي
أيضاً طائفية البنيان بحكم طابعها العائلي، التي يغلب فيها تقسيم
طائفي للعمل يحتل أبناء الطوائف أو المذاهب الأخرى فيه موقع
الخبير العارف الذي لا غنى عنه أو يشغلون الوظائف التي لا يتقدم
لملئها أفراد من الطائفة نفسها. إذا كان صحيحاً أن العمل هو
البنية الأولية للحراك الإجتماعي، فإن عوائق هذه البنية
وتشوهاتها لا بد من أن تنعكس على الحراك الإجتماعي نفسه. ويقف
وراء ذلك كله التطور اللامتكافىء بين الطوائف (كما يسميه جورج
قرم) الذي نشأ في القرن الماضي وتكرس أيام الإنتداب الفرنسي
واستمر بعد الاستقلال، وأدى إلى تكوُّن بنيات طبقية مختلفة
ومتجاورة على مساحة ضيقة. فلدى المسيحيين مثلاً، أدى نشوء أنشطة
اقتصادية حديثة عمادها الإنفتاح على الغرب إلى انهيار الإقطاع
وغلبة طبقة التجار وتوسع مبكر للطبقة الوسطى، الأمر الذي تأخر
حدوثه لدى الطوائف الأخرى وحتى لدى مسيحيي المناطق
الأخرى.5 - الطبقة الوسطى، المجتمع المدني، الاستقرار،
الديمقراطية الديمقراطية الحديثة ترتبط ارتباطاً
وثيقاً بتوسع الطبقة الوسطى وبتأليفها أغلبية المجتمع. حينها
تصبح اللاعب السياسي الأول بين الطبقات وتحول دون تفاقم الصراع
الطبقي وخروجه من دائرة التحكم والسيطرة. لذلك نرى أن
الديمقراطية مفصلة على قياس الطبقة الوسطى. فالبلدان التي تفتقر
إلى طبقة وسطى واسعة وفاعلة، تبقى الديمقراطية فيها جزئية وعرضة
للانتكاس. تمتلك الطبقة الوسطى بحكم تكوينها الديني والثقافي
قدرة هائلة على صناعة الأفكار وعلى التصرف كقوة تحديث اجتماعي
وسياسي. وحين تتوسع الطبقة الوسطى وتترسخ، تنحو إلى خلق الشروط
والبنى والآليات التي تكفل لها الاستقرار الضروري للمحافظة على
هذه الأغلبية وعلى المجتمع المدني الذي نشأ بموازاتها. هذا يعني:
(1) دولة قوية مع مؤسسات تمثيل وتشريع وحكم وعدالة وإدارة، حديثة
وعقلانية وفاعلة؛ (2) حياة سياسية ومدنية متطورة مع أحزاب وهيئات
وجمعيات قادرة على التعبير عن المصالح المتنوعة وحمايتها
والترويج لها تحت سقف القانون، بعيداً من نظام الولاءات
التقليدية والاستزلام الموروثة عن مرحلة الإقطاع؛ (3) حريات عامة
مقدسة ومصانة (حرية التفكير، حرية التعبير، حرية الحركة، حرية
التكتل... الخ)، هي الحليف الأول للطبقة الوسطى والبيئة الفضلى
لنموها واستمرار أغلبيتها. مع الاستقرار والتوسع العددي، تنحو
الطبقة الوسطى كذلك إلى التماهي مع الوطن، فيصبح الحس الوطني
والدفاع عن الوطن وسيادته ووحدته، انعكاساً للمصالح الحيوية
والعميقة للمواطنين وليس مجرد تعبير عن رابط إثني أو جغرافي أو
تاريخي أو ثقافي فحسب. من أهم إشكاليات التطور والتنمية وبناء
الديمقراطية في لبنان هو نشوء الطبقة الوسطى. المشكلة ليست في
حجم هذه الطبقة واتساعها، فقد سمحت ظروف التراكم السابقة،
وخصوصاً عشية الحرب، بتوسيع النطاق العددي للطبقة الوسطى عبر
تحسن المستوى المعيشي لعدد كبير من المواطنين. المشكلة تكمن في
آلية التطور اللامتكافىء المصاحبة للنظام الطائفي والتي ولدت
"طبقات وسطى" متنافرة إذا جاز التعبير. فالطبقة الوسطى لا يمكن
اختصارها بالمستوى المعيشي أو مستوى الدخل فحسب، بل هي أيضاً نمط
حياة ومنظومة قيم شديدة التأثر بظروف نشأتها. في لبنان، مسألة
الطبقة الوسطى لا ترتبط بآليات الحراك الإجتماعي فحسب، بل بآليات
الإندماج الاجتماعي كذلك. إن استمرار غياب طبقة وسطى واسعة
ومندمجة يترك فراغاً كبيراً في الحقل العام ويولد قصوراً هائلاً
في آلية إنتاج الأفكار السياسية وتطويرها، واستطراداً في قيام
حياة سياسية معافاة، ويؤخر نضوج المجتمع المدني المستقر ورسوخ
الديمقراطية. إن المعيار الحقيقي لأي سياسة اقتصادية واجتماعية
اليوم هو في مدى مساهمتها في بناء طبقة وسطى لبنانية واسعة
ومندمجة
|