العدد
السادس: أيار/ مايو 1997
يوسف الخليل: تركيبة السوق
المالية وأثرها في تفاوت تنمية القطاعات الاقتصادية (ص 45 -
53)
لا يمكن تحليل البنية المالية للاقتصاد اللبناني
دون التشديد على أهمية دور الدولة في هذا المضمار. فإلى جانب
مسؤولية السلطات الرسمية في التشريع وتفعيل قوى السوق لتحقيق
النمو السليم، تحتل الدولة في لبنان مكانة خاصة في التركيبة
المالية، إذ أصبحت تجتذب جزءاً أساسياً من مقدرات الوطن
الاستثمارية وأضحى نمو دينها يؤدي دوراً رائداً في تحديد مسار
التطورات المستقبلية للأسواق المالية وللإنماء الاقتصادي بوجه
عام.
آمن لبنان الرسمي منذ الاستقلال بدوره المالي والتجاري
وبمكانته كمركز للخدمات السياحية والثقافية في الشرق الأوسط.
وتميز لبنان عن باقي الأقطار العربية بأوضاع مختلفة كتمركز
إرساليات ومؤسسات أجنبية، وانفتاح كبير على الخارج، إلى جانب
السرية المصرفية وحرية الصحافة والديمقراطية البرلمانية، الأمر
الذي سمح له بتأدية دور ريادي على صعيد الخدمات في
المنطقة.
وقد قوّت التطورات الإقليمية ونجاح لبنان في مجالات
الخدمات المصرفية والترانزيت والتجارة قناعة المسؤولين وكثير من
المفكرين بجدوى التركيز على قطاع الخدمات والمحافظة على ليبرالية
اقتصادية أقرب ما تكون من حالة التنحي الكلي عن أي دور اقتصادي
للدولة، ما عدا فترة "الشهابية" في الستينات، التي حاولت العمل
على الحد من التناقضات المناطقية وبناء المؤسسات.
فقد ركزت
الدولة تدخلها بوجه عام على تأمين البنية التحتية، وبخاصة في
العاصمة، مع المحافظة على سياسة نقدية متشددة ساهمت في جعل
العملة الوطنية من أثبت العملات في العالم حتى منتصف السبعينات.
غير أن السياسة الرسمية في هذا الإطار غيّبت القطاع العام عن
أمور استراتيجية من الناحيتين الاجتماعية والاقتصادية. وأدى
التركيز على بعض المشاريع البنيوية في المدينة ونمو فرص العمل
فيها إلى تناقضات مناطقية كبيرة وإلى تمركز الثروة الوطنية
لمصلحة الفئات الأغنى عبر الزمن. ففي حين كان مؤشر جيني للدخل
القومي يوازي 0.51 عام 1960 ارتفع إلى 0.66 عام 1974 (صفر: عدالة
تامة. 1: تمركز أقصى للثروة). وفي حين كان هذا المؤشر بالنسبة
إلى الأراضي المزروعة يوازي 0.52 عام 1951 ارتفع إلى 0.62 عام
1974. ويبلغ هذا المؤشر حده الأقصى بالنسبة إلى الودائع المصرفية
حيث يبلغ 0.85.
يتبع لبنان الرسمي منذ نهاية
العام 1992 ترجمة متشددة للسياسة المتبعة ما بين الاستقلال وحتى
العام 1975، من تصميم على الرؤية الاقتصادية إلى الوطن كبلد
للخدمات، وتقليص دور الدولة في الأمور الاجتماعية الأساسية، إلى
التركيز على أمور البنية التحتية والثبات النقدي واتباع السياسة
المالية المتبعة ما قبل الحرب، على الرغم من التطورات الأساسية
التي شهدها المجتمع اللبناني. فعلى صعيد توزيع المداخيل أتت
الحرب، وبخاصة خلال فترة التضخم في الثمانينات لتزيد من حدة
التمركز في توزيع الثروة الوطنية على حساب المدخرين في العملة
الوطنية وذوي الأجور ومداخيل التقاعد لمصلحة المضاربين. فقد
استفاد خلال هذه الفترة 6 في المئة من المستلفين بنحو 90 في
المئة من مجمل التسليفات بالليرة. كذلك تدنى مؤشر الأجر المتوسط
من 438 عام 1985 إلى 100 عام 1990 (أسعار قاعدة 1990).
وأتت
السياسة الحكومية ما بعد العام 1992 متغاضية عن حدة مشكلة
التركيز في توزيع المدخول في لبنان، فخفضت نسبة الضريبة على
الشريحة العليا من الدخل من 37 في المئة إلى 10 في المئة مع
زيادة على الرسوم والضرائب غير المباشرة (ومنها التعليم الرسمي)
بعشرات الأضعاف. وتتحمل كواهل الفئات المتوسطة والفقيرة العبء
الأساسي لهذه الضرائب التي يعاد توزيع القسم الأوفر منها لمصلحة
الطبقات الأغنى عن طريق الفوائد العالية على سندات الخزينة
الموظفة أساساً من قبل المصارف وكبار المدخرين، إذ يذهب نحو 45
في المئة من الموازنة العامة على هذه الفوائد، في حين تمتلك
المصارف نحو أربعة أخماس مجمل سندات الخزينة. ولا يمكن فصل
السياسة المالية الضريبية عن سياسة تثبيت النقد في لبنان، التي
حصلت أساساً عن طريق إصدار سندات الخزينة بفوائد مغرية لامتصاص
الجزء الأساسي، ويكاد يكون الكامل، للمدخرات بالعملة الوطنية
والتي زادت مع انخفاض نسبة الدولرة في الجهاز المصرفي
اللبناني.
وتأتي تراكمات هذه السياسة على حساب الطبقة الوسطى
بصورة أساسية، وهي الطبقة التي ساهمت أساساً في إنجاح دور لبنان
حتى السبعينات وفي خلق الموقع الثقافي المميز للوطن. أما الطبقة
الأغنى فقد تغير بعض رموزها بانضمام أمراء الحرب والمستفيدين من
المحاصصة السلطوية للمجالس والصناديق الإنمائية والمستفيدين من
المقاولات الحكومية لبناء البنية التحتية والتي كوّنت نشاطاً
اقتصادياً أساسياً خلال السنوات الماضية والتي تتمتع بنسب أرباح
مرتفعة.
يمثل تطوير الأسواق المالية إحدى
الركائز الأساسية للإنماء الاقتصادي. وتركز كل من الدول الصناعية
والدول المصنعة حديثاً، وكثير من الدول النامية، على حسن أداء
السوق المالية في مكافحة الاحتكارات والتشويهات وتأمين حق الوصول
إلى التسليف لمختلف الأفراد والفئات. فيشدد كثير من القوانين عبر
التشريعات المختلفة على الاستقراض كحق أساسي من حقوق الأفراد
معتبرة التمويل التسليفي وسيلة أساسية للانخراط الاقتصادي وبخاصة
للفئات الأفقر.
وتؤدي الأسواق المالية دوراً أساسياً كذلك في
أداء الاقتصاد الكلي، من حيث تكوين رأس المال من خلال زيادة
المدخرات واجتذاب الرساميل وتحويلها إلى استثمارات في القطاعات
الاقتصادية المختلفة وزيادة الطاقة الإنتاجية من خلال اقتناء
الآلات والتقنيات المناسبة. ومن مؤشرات ضعف الأسواق المالية
والترسملية في لبنان اعتماد المشاريع على الأموال والأرباح
الخاصة لتمويل العمليات الإنتاجية عوض الاعتماد على أسواق
البورصة والتسليف المصرفي. وتحد من فرص نجاح أسواق البورصة
والأسواق المالية بعامة في الاقتصاد اللبناني مشاكل عديدة، من
أهمها الطابع العائلي الغالب للمؤسسات العاملة وصغر حجمها، إضافة
إلى مشاكل تنظيمية أساسية كانعدام الشفافية والتشكيك في صحة
المعلومات المصرح بها من قبل المؤسسات من أرباح وميزانيات، وعدم
وجود لجان لمكافحة الاحتكارات أو أسس واضحة لحماية حقوق
المستثمرين وبخاصة صغارهم. فتجتمع كل هذه العوامل للحد من
استعداد المستثمرين للمشاركة في رساميل المؤسسات
المساهمة.
ويمثل هذا الفراغ عائقاً حقيقياً أمام فرص
الاستثمار، وبخاصة المرتبطة منها بالتمويل المتوسط والطويل
الأجل. وقد فشلت تجربة المصارف المتخصصة في تأمين التسليف
للقطاعات المنتجة. وكانت المؤسسات الأساسية التي تعاطت بالتسليف
المتوسط والطويل الأجل منذ الستينات، كالتجمع الوطني للتسليف
التعاوني وبنك التسليف الزراعي والصناعي والعقاري والمصرف الوطني
للإنماء الصناعي والسياحي، قد عانت صعوبات جمة حيث توقف بعضها عن
العمل وشهد البعض الآخر نقصاً حاداً في السيولة. وتكمن المشاكل
الأساسية التي واجهت مجمل المصارف المتخصصة في لبنان إلى جانب
مشاكلها الإدارية وتعاطي السياسيين بأمورها عدم قدرتها على
استقطاب الودائع وتأمين مصادر تمويل، إذ إن القوانين المرعية
كانت تمنعها من قبول ودائع قصيرة الأجل. أضف إلى ذلك تدهور سعر
صرف الليرة الذي قلص من قدرتها على التمويل، فكل مليون دولار
أعطي بالليرة اللبنانية عن طريق بنك متخصص عام 1986 أصبح يوازي
أقل من خمسين ألف دولار عام 1991. وقد تحولت هذه المصارف مع مرور
الزمن إلى عبء على الخزينة عوضاً من مساهمتها في تأمين الإقراض
وحل المشاكل التمويلية. وتحولت في معظمها عن التسليف القطاعي إلى
شراء سندات الخزينة، إذ تجتذب هذه السندات أكثر من 80 في المئة
من مجمل توظيفات المصارف المتخصصة في لبنان.
أما المصارف التجارية فترتبط
سيرتها بتاريخ لبنان الحديث منذ الستينات، حيث نجحت باجتذاب
الرساميل ومواكبة الطفرة النفطية، فارتفع عدد هذه المصارف من 17
مصرفاً عام 1950 إلى 74 مصرفاً عام 1975 إلى 83 مصرفاً في يومنا
هذا.
وقد سمح تدفق الرساميل بتراكم مهم للودائع في القطاع
المصرفي. ففي حين مثلت نسبة الودائع إلى الناتج المحلي 0.23 عام
1950 ارتفعت إلى 1.80 عام 1981 وإلى 2.14 عام 1987. وفي حين
يقارب حجم الودائع الإجمالي ضعفي الناتج المحلي في لبنان في
يومنا هذا فهو لا يتعدى الـ70 في المئة في بلدان أوروبا
الصناعية، وهذا الحجم الكبير للودائع لم يوظف تاريخياً لمصلحة
القطاعات المنتجة. فقد أدت المصارف في لبنان، إلى حد كبير، دوراً
وسيطاً قامت خلاله بإعادة توظيف الودائع في الخارج منذ فترة ما
قبل الحرب. ووظفت هذه المصارف العاملة في لبنان 46 في المئة من
ودائعها في الخارج بين عامي 1971 و1974، ونحو 40 في المئة بين
عامي 1975 و1982، وما يزيد على 47 في المئة بين عامي 1983 و1992.
أما الباقي فذهب بمعظمه إلى قطاع الخدمات الذي حصل على أكثر من
48 في المئة من مجمل التوظيفات بين عامي 1971 و1982 وعلى 31 في
المئة من التوظيفات بين عامي 1983 و1993 وعلى 35 في المئة في
نهاية العام 1995.
وقد حصلت الدولة من خلال بيعها سندات
الخزينة على 6 في المئة من التوظيفات المصرفية بين عامي 1975
و1982 وعلى 17 في المئة بين عامي 1983 و1993 لتبلغ نسبة قياسية
عام 1995 حيث اجتذبت سندات الخزينة نحو ثلث مجمل موجودات
المصارف، بينما اجتذبت ودائع مصرف لبنان نحو 12 في المئة من هذه
الموجودات. وقد حققت تلك الزيادة على حساب التوظيفات الخارجية
للمصارف التي تدنت إلى نحو 22 في المئة من مجمل توظيفاتها، وهي
النسبة الأدنى منذ الستينات. ويشير هذا التطور إلى ظاهرة مهمة
تكمن في إمكان تجيير قسم من توظيفات المصارف العاملة في لبنان
لمصلحة الإقتصاد المحلي إذا ما تأمنت التوقعات الإيجابية وفرص
الربح الملائمة. أما الصناعة والزراعة مجتمعتان فلا تتعدى حصتهما
6 في المئة من مجمل التوظيفات المصرفية المباشرة منذ العالم 1971
وحتى يومنا هذا. وحصلت الصناعة على3.8 في المئة من مجمل
التوظيفات عام 1995 في حين لم تحصل الزراعة على أكثر من 0.51 في
المئة.
ويعاني مسؤولو المشاريع الإنتاجية في لبنان عوامل
أساسية تتعلق بالتسليف، وهي، إلى جانب عدم رغبة المصارف في تسليف
القطاع، كبر حجم التأمينات المطلوبة ومعدلات الفوائد الباهظة، إذ
ارتفعت نسبة متوسط الفائدة الدائنة على الفائدة المدينة في لبنان
على الدولار 1.6 ضعف (الفائدة الدائنة في حدود 5 في المئة
والفائدة المدينة في حدود 12 في المئة) و0.9 ضعف بالنسبة إلى
الليرة اللبنانية (فائدة مدينة 29 في المئة في ختام عام 1995)
علماً أن التسليف للقطاع الخاص يتم بوجه أساسي عن طريق الدولار
الأميركي.
وتزداد شروط التسليف قسوة بالنسبة إلى صغار
المستلفين من حيث الضمانات والفوائد وآجال الدين، الأمر الذي
يزيد من نسبة التمركز لمصلحة المؤسسات الأكبر. وتتفاقم المشكلة
بالنسبة إلى القطاع الزراعي حيث مثلت شركات تسويق المدخلات
الزراعية (مبيدات، أدوية، معدات وتجهيزات زراعية) المصدر الأساسي
للتسليف الزراعي في غياب مصادر التسليف الأخرى. ويأخذ هذا
التسليف الطابع العيني تضاف فوائده إلى ثمن البضائع الذي يسدد
عند انتهاء الموسم أو السنة. وإذا احتسبت هذه الزيادات في هذه
الأسعار كفائدة سنوية تبين أنها توازي فعلياً فائدة قدرها 100 في
المئة على أقل تقدير بالنسبة إلى المزارع المتوسط. وقد مثلت
شركات المدخلات الزراعية، إضافة إلى دورها التسليفي، المصدر
الرئيسي للمعلومات في غياب الدولة عن الإرشاد الزراعي وعبر توزيع
خبراء هذه الشركات في المناطق المختلفة.
وتؤثر في مستويات
الرهونات والفوائد المطلوبة من قبل المصارف عوامل مختلفة، من
أهمها: كلفة الأموال على المصارف، والتكاليف الإدارية لمتابعة
القروض، ودرجة المخاطر المواجهة عند التسليف. وإن كانت تتعلق
كلفة الرساميل بأمور أخرى على مستوى الاقتصاد الشامل، تتطلب
زيادة التسليف المصرفي التركيز على العوامل المذكورة بتفعيل
التنافس المصرفي وتحسين أدائه لزيادة الإنتاجية وخفض الكلفة
الإدارية فيه.
وتعيق فرص التمويل المتوسط والطويل الأجل بوجه
عام، والتسليف القطاعي بوجه خاص، عوامل سيولة مختلفة منها: (1)
قصر آجال الودائع المصرفية (يقدر متوسط عمر الوديعة 45 يوماً)؛
(2) النقص في السيولة في السوق المالية، ويزيد من حدة هذا النقص
قلة النشاط في السوق الثانوية لسندات الخزينة؛ (3) الكلفة
الباهظة على المصارف للإستدانة من مصرف لبنان (30 في المئة على
عمليات التسليف القصير الأجل كحد أدنى)؛ (4) الإفتقار إلى سوق
فاعلة لسندات الدين على القطاع الخاص. وينبغي التذكير في هذا
المجال في بعض التدابير التي اتخذت أخيراً لجهة منح تسهيلات من
قبل السلطات النقدية لجهة تحرير جزء من الاحتياطي لمصلحة التسليف
القطاعي أو لجهة تسييل سندات الدين الخاص لدى مصرف لبنان أو لجهة
تشجيع عمليات التأجير في القطاع الخاص.
ويزداد اجتذاب
المصارف التجارية للتسليف القطاعي في ظل الاستقرار النقدي
والمالي وقلة الربحية في مجالات المضاربة على العملية وزيادة فرص
الربح وخفض درجات المخاطر في الاستثمار في المجالات المنتجة.
وتتطلب زيادة توجه المصارف نحو التسليف الإنتاجي تحسين الأداء
السوقي والتخفيف من حدة المشاكل البنيوية في القطاعات
المختلفة.
ويمكن تحقيق زيادة الربحية في الزراعة وخفض مستوى
المخاطر فيها عن طريق معالجة المشاكل المزمنة للزراعة في لبنان،
ومنها: (1) مشاكل المياه والري بوجه عام؛ (2) انعدام البرامج
التثقيفية وقلة المعلومات الزراعية والاقتصادية المتوافرة
للمزارع؛ (3) التقلبات الحادة في أسعار السلع الزراعية التي يزيد
من حدتها عدم ازدهار الصناعات الغذائية التي تستطيع امتصاص جزء
كبير من المحاصيل؛ (4) عدم اتباع طرائق تسويق تعاقدي يخفض من
أخطار تقلبات الأسعار؛ (5) النقص الحاد في خدمات التخزين
والتبريد الذي يدفع المزارع إلى التخلص من محصوله بسرعة، الأمر
الذي يضعف من قدرته على التأثير في الأسعار لمصلحته؛ (6) الأسعار
المرتفعة للمدخلات من أدوية وأسمدة وأدوات تجهيز زراعية مقابلة
بالأسعار في الأسواق العالمية؛ (7) الاحتكارات على صعيد تسويق
المنتوج الزراعي التي تؤدي إلى تحكم قلة بأسعار السوق؛ (8) إغراق
الأسواق المحلية بمنتوجات مدعومة في بلد المنشأ؛ (9) عدم تأمين
الخدمات الضرورية من رقابة صحية ونوعية للمنتوجات والصادرات
الزراعية وعدم تأمين عمليات التوضيب؛ (10) ضعف التعاونيات
الزراعية التي لو فُعِّلت لأمنت خدمات مختلفة من تسويق وإرشادات
وإدارة تجهيزات أو ضمانة قروض خاصة في ظل تشرذم الملكية
الزراعية.
أما المخاطر التي تواجهها جهات
الإقراض الصناعي في لبنان فهي عديدة ويمكن الإفادة في هذا
المضمار من خدمات وتجارب عديدة عن طريق التفاعل مع الـ "ميغا"
لإعادة التأمين ضد المخاطر والتعاطي بطريقة أفضل مع مؤسسات ضمان
الصادرات والمخاطر مثل الـ "أو سي جي دي" في بريطانيا ومؤسسة
"كوفاس" الفرنسية. وتبقى مخاطر السيولة وتقلب سعر العملة وعدم
التوازن بين آجال الودائع القصيرة وآجال التسليفات المطلوبة،
وبخاصة بالنسبة إلى الصناعة، من المخاطر الأهم التي تواجهها
المصارف في لبنان. وتقتضي مواجهة هذه المخاطر اتخاذ خطوات مختلفة
لتعزيز البنية المصرفية وسلامة القطاع واتباع النظام السليم
للتصنيف التسليفي واعتماد المراقبة المحاسبية المتشددة على صعيد
المصارف والمؤسسات المنتجة لتسهيل عمليات التأمين ضد المخاطر
للمؤسسات السليمة. ويجب أن تتماشى هذه الخطوات مع عمليات تفعيل
الأسواق المالية الثانوية للتمكن من مواجهة أزمات السيولة من
خلال التداول بسندات الخزينة وسندات الدين الخاص.
ويمكن زيادة
جاذبية التسليف الصناعي من خلال زيادة التفاعل مع هذا القطاع، إذ
تعيق ربحية المصانع في لبنان أمور عديدة يمكن مواجهتها من خلال
وضع خطة شاملة لخفض التكاليف وزيادة المنافسة ومكافحة الاحتكار
ووضع أهداف واضحة وآلية فاعلة للسياسة الضريبية. إن وضع سياسة
إنماء صناعي واضحة وبرنامج حكومي دقيق للإنفاق يسمح للصناعيين
ومؤسسات التسليف والمستثمرين باتخاذ القرارات الأسلم والتخطيط
على الآجال المتوسطة والبعيدة بتخفيف المخاطر ليصار عندئذ إلى
زيادة الأقنية التمويلية وإلى خفض كلفة الديون. ويجب على الخطة
المنشورة أن تهدف إلى زيادة التفاعل مع القطاعات الأخرى من
جامعات ومؤسسات معلومات ومدارس ومعاهد فنية ومهنية وقطاعات أخرى،
من زراعة وقطاع عام لما يمكن الصناعة أن تؤمنه من مستلزمات بناء
وتجهيز في هذه الفترة.
ومن المفيد التشديد أخيراً على أنه لا
يمكن الركون إلى التشريعات المصرفية أو الأدوات النقدية دون
غيرها لتحسين تركيبة السوق المالية اللبنانية لمصلحة زيادة
التسليف القطاعي. بل تكمن الطريقة الأجدى في إدراج سياسة تطوير
الأسواق المالية ضمن خطة شاملة تفعّل التغيير البنيوي والمؤسسي
على الصعد المختلفة لتأمين المناخ الاقتصادي الأنسب بتحسين فرص
العيش للقطاعات
الواعدة.