English Version خريطة الموقعسجل عنوانكالجديد

المنشورات الدوريةالأبعاد
 
أبعـــــــاد
العدد السادس: أيار/ مايو 1997

فواز طرابلسي: التكون الطبقي للسلطة السياسية بعد الحرب (ص 79 - 92)
لم يحظ التركيب الطبقي للسلطة السياسية بكبير اهتمام لدى الباحثين. الأمر نفسه يقال عن التركيب الطبقي للمجتمع اللبناني عموماً، وعلى الأخص الطبقة التجارية المالية فيه. فدراسة سليم نصر وكلود دوبار الرائدة عن الطبقات الاجتماعية التي صدرت عشية الحرب لم يكن لها تالٍ ولا تتمة. ومع أن الطبقة العاملة حظيت بعدد لا بأس به من الدراسات، فإن معظمها، إن لم يكن كلها، عالجها كظاهرة اقتصادية أكثر منها اجتماعية. باختصار، لسنا نملك الكثير ننطلق منه للبحث في التركيب الطبقي للسلطة السياسية في لبنان، قبل الحرب أو بعدها.
في الأربعينات ومطلع الخمسينات، درج الحديث في الصحافة المعارضة عن "كونسورسيوم" من الأسر التجارية والصناعية والمالية التي دعمت بشارة الخوري للوصول إلى السلطة وموّلت انتخابات حزبه الدستوري وفازت بحصة الأسد من الامتيازات والإعفاءات الاقتصادية وتنفيعات الدولة والتزاماتها و"كوتا" الاستيراد في عهده. وقد وجهت المعارضة لعهد بشارة الخوري، إلى مجموعة العائلات تلك، أصابع الاتهام وحمّلتها المسؤولية عن انحراف العهد والإثراء غير المشروع وتهريب أموالها إلى الخارج والفساد والإفساد.
وفي الستينات، كان الحديث عن مؤسسة حاكمة من "خمسين أسرة". يكتب عنها مايكل هادسون: "إن السلطة في لبنان تستحوذ عليها مؤسسة من رجال الدين والزعماء السياسيين شبه الإقطاعيين والمصرفيين ورجال الأعمال والمحامين. وينتمي أعضاء تلك المؤسسة إلى أقل من خمسين من الأسر الوجيهة".
أما في السبعينات، فسوف يسود الحديث عن "المئة أسرة" التي تحكمنا. إلا أن هذا التعيين ظل سياسياً وتقريبياً أكثر مما كان تعييناً اقتصادياً - اجتماعياً. والقليل الذي نملك من أبحاث في تركيب السلطة ركّز على توارث السلطة العائلي من خلال المجلس النيابي بخاصة. وفي محاولات تبيّن الفئات الاجتماعية الأكثر حضوراً في التأثير السياسي، جرى تصنيف النواب بحسب انتماءاتهم المهنية. وهذا ما يوقع البحث أصلاً في إشكالات عدة: فأولاً، ليس يقتصر التأثير السياسي للمصالح الاقتصادية على مجلس النواب؛ ثانياً، لا يعبّر الإنتماء المهني للنائب دوماً عن نوع المصالح الاقتصادية التي يمثل (وهذا ينطبق بنوع خاص على فئة المحامين بينهم)؛ ثالثاً، يختلط في مثل هذا التصنيف التأثير السياسي بالموقع الاقتصادي - الاجتماعي؛ رابعاً، تصطدم محاولات التصنيف المهنية هذه بتعدد المهن التي يشغلها النواب، ما يشوّش محاولات تعيين موقعهم الاجتماعي والمصالح التي يمثلون؛ خامساً وأخيراً، إذ يركز هذا المنهج في التقصي والتحليل على توارث العائلات السياسية للسلطة من خلال توارث المقاعد في المجلس النيابي، يغفل توارث العائلات الاقتصادية السلطة الاقتصادية من خلال إعادة إنتاج سيطرتها على الاقتصاد.
هكذا، يخلص إيليا حريق، في بحثه من يحكم لبنان، إلى خلاصة مضطربة، فيرى أن "أهل الحل والربط" ينتمون إلى "المهنيين ورجال الأعمال" أو إلى "الطبقة الوسطى فالعليا"، ما يشوّش الصلة بين السلطة الاقتصادية والسلطة السياسية، بحيث تبدو الطبقة الحاكمة وكأنها الطبقة الوسطى أكثر منها رجال الأعمال أو الطبقة العليا.
لا يزال السؤال عمن يحكم لبنان مطروحاً وبخاصة في عهد الجمهورية الثانية. وقد طرأ على السلطة ومكوناتها الاقتصادية الاجتماعية تحولات أساسية من جراء الحرب.
لسنا ندّعي طبعاً تقديم جواب متكامل عن التركيب الطبقي للسلطة السياسية في لبنان. نطمح على الأقل إلى إضاءة بعض أوجه ومميزات الارتباط بين المصالح الاقتصادية والاجتماعية من جهة وبين السلطة السياسية من جهة أخرى. ونتناول السلطة السياسية هنا بمعناها الأوسع، أي بما يشمل أجهزتها التشريعية والتنفيذية، ورئاسة الجمهورية والوزارة.
ثم إن هذا البحث متفاوت. إنه يرتكز على نتائج بحثين، تناول الأول تكوين برجوازية عهد الاستقلال وتناول الثاني الاقتصاد السياسي الميليشياوي خلال الحرب. ما يعني أننا سوف نقتصر على عدد من الملاحظات العامة لفترة الستينات وعشية الحرب ولتركيب الطبقة الحاكمة للجمهورية الثانية.

1 - السلطة الاقتصادية في العهد الاستقلالي
حين نتحدث عن فترة الاستقلال، غالباً ما نتحدث عن الفئة السياسية التي تسلّمت الحكم، أو عن الشراكة بين بشارة الخوري ورياض الصلح وميثاقهما الوطني والخلافات في تفسيره. ولكن نادراً ما نتحدث عن الفئة الاجتماعية التي نمت في ظل الانتداب وأمسكت بزمام السلطة الاقتصادية في عهد الاستقلال وما تلاه من العهود.
البحث الذي ترتكز عليه المعلومات التالية أجريته على عيّنة من ثلاثين أسرة تتربع في قمة البرجوازية التجارية المالية الصناعية في عهد الاستقلال الأول. ونواتها الصلبة ست من الأسر الملقبة بالـ"كونسورسيوم"، كما أسلفنا، المتحلقة حول رئيس الجمهورية، الشيخ بشارة الخوري.
وأول ما يلفت النظر في تلك الشريحة العليا من البرجوازية ثلاث مميزات:
أولها، طابعها العائلي. وذلك بمعنيين: سيادة البنية العائلية على المؤسسات التي تديرها من جهة، والتزاوج في ما بينها، من جهة ثانية، بحيث المصاهرة بين الأسر المعنية توثق عرى الشراكة في الأعمال وتمنع تبدد الثروات العائلية. ففي جيل واحد، كانت عشر من تلك الأسر الثلاثين مرتبطاً بعضها ببعض بعلاقات مصاهرة. كذلك ارتبطت في ما بينها في شراكات تجارية متمركزة في قطاع الخدمات والمال والصناعة ووثيقة الارتباط برأس المال الأجنبي على اختلاف أنواعه.
ثانيها، الطابع الاحتكاري للاقتصاد اللبناني، وتالياً لسيطرة البرجوازية على مرافقه المختلفة.
ثالثها، الدور الرئيس الذي أدته وتؤديه السلطة السياسية كمصدر لتلك الامتيازات الاحتكارية.
من حيث التركيب الطائفي، تضم الشريحة العليا من البرجوازية 24 أسرة مسيحية (9 مارونية و7 كاثوليكية و4 أورثوذكسية وواحدة لاتينية وواحدة بروتستانتية وواحدة أرمنية) و6 أسر مسلمة (أربع منها سنّية وواحدة شيعية وواحدة درزية). واللافت للنظر أن أكثرية الأسر المسيحية من الموارنة، ما يعدّل بعض الشيء من الاعتقاد الشائع عن غلبة الطابع الكاثوليكي والأورثوذكسي على البرجوازية الكبرى.
من حيث حجم تلك المصالح وموقعها الاقتصاد، كانت الأسر الثلاثون تسيطر على المرافق التالية:
- أكبر المصارف العاملة في البلد، ومنها بنك سوريا ولبنان، الذي كان لا يزال يتحكم بقمم الاقتصاد اللبناني (والسوري)، وبنك طراد (الكريدي ليونيه)، وبنك صبّاغ (الأندوشين)، والبنك التجاري الإيطالي، إضافة إلى المصرفين الأهليين، بنك فرعون - شيحا والبنك الأهلي (وهذا الأخير تسيطر عليه شراكة من ست من أسر "الكونسورسيوم").
- أكبر شركة تأمين وطنية، الاتحاد الوطني، وهي شراكة بين أربع أسر من أسر "الكونسورسيوم".
- في التجارة، كانت تلك الأسر تضم كبار مستوردي المنتوجات المصنّعة، يسيطرون على الحصة الكبرى من سوق المواد الغذائية والأسلحة والذخائر والآلات الزراعية والصناعية ومواد البناء والسيارات والأدوات المنزلية والنسيج والخشب والأدوية والمواد الصحية وقطع الغيار.
- كانت تلك الأسر تحتكر في ما بينها وكالات الشركات الأجنبية المهمة الممثلة في لبنان. وكانت أسرة واحدة منها تمثل 25 من أصل 50 شركة هي مجموع الشركات الأميركية الممثلة في لبنان في أواخر الأربعينات، فيما تتقاسم ثلاث أسر، تنتمي هي أيضاً إلى كتلة الثلاثين أسرة، تمثيل النصف الباقي من تلك الشركات.
- في قطاع السياحة، تميّزت الأسرة المعنية بالمبادرة إلى بناء وتملّك المنشآت السياحية الحديثة: فنادق الدورة الأولى في بيروت ومراكز الاصطياف (عاليه، بحمدون، صوفر
الخ)، ومشاريع التزلج وملحقاتها من منتجعات الاشتاء في فاريا والأرز.
-
في قطاع النقل والمواصلات، كانت الأسر الثلاثون تملك المصالح الراجحة في مجالس إدارة شركتي النقل الجوي "آر ليبان" و"طيران الشرق الأوسط" (الميدل إيست)، بالشراكة مع رأس المال الفرنسي والبريطاني وتالياً الأميركي. وكانت واحدة من تلك الاسر تملك بمفردها أكبر شركة للنقل البري في الشرق الأوسط.
- في المقاولات، كانت خمس من تلك الأسر تملك شراكة في ما بينها أكبر شركة للمقاولات "لا ريجي دي ترافو". وكانت أسرة واحدة تملك الحصة الراجحة في واحدة من كبريات شركات المقاولات العاملة في المشرق العربي والخليج.
- تشاركت تلك المصالح مع رأس المال الأجنبي (الفرنسي والبريطاني) في السيطرة على الشركات ذات الامتياز وشركات الخدمات العامة: مرفأ بيروت، شركة الجر والتنوير في بيروت، وشركات المياه والكهرباء في بيروت والمناطق، إضافة إلى احتكار التبغ "الريجي".
- كان الصناعيون من تلك الكتلة، يحتلون موقعاً احتكارياً في الصناعات الرئيسية - الإسمنت والنسيج والمواد الغذائية - ويزاوجون فيها بين أدوار الإنتاج وأدوار الاستيراد. إلى هذا، فالأسر المعنية كانت طاغية الحضور في العديد غيرها من الصناعات، مثل مواد البناء والبيرة والكبريت والمنتوجات الزراعية والزيوت النباتية والدهان والزجاج
الخ.
- أخيراً، كانت كتلة الثلاثين أسرة تضم كبار مالكي العقارات في المدينة والأرياف، وهي المبادرة إلى تأسيس أولى المزارع الحديثة (في البقاع) وشركات التوظيف العقاري في بيروت، بالشراكة مع رأس المال السعودي.
لثروات تلك الأسر ثلاثة مصادر رئيسية هي:
أولها، الأرباح المتراكمة والمتوارثة من التجارة الدولية، واقتصاد الحرير بخاصة، منذ أيام المتصرفية. فالأسر المعنية تضم، على سبيل المثال لا الحصر، أكبر بيوتات تصدير الحرير الخام، وأسرتان تسيطران على أكثر من ثلاثة أرباع مجموع أحواض حل الشرانق في ولاية بيروت العثمانية وأكبر الأسر المالكة لمعامل حل الشرانق في جبل لبنان وأكبر بيوتات تجارة المانيفاتورة والمصارف ووكالات الشركات الأجنبية، ومنها شركات النقل البحري والشحن والتأمين.
ثانيها، أرباح الحرب، التجارية منها والصناعية والمالية. ويمكن تفريع هذه إلى المصادر الفرعية التالية: (1) تموين الجيوش الحليفة المتمركزة في سوريا ولبنان. ويقدّر أن ما أنفقته القوات الحليفة بين عامي 1940 و1944 في سوريا ولبنان بـ67 مليون جنيه استرليني؛ (2) حصص استيراد المواد الغذائية الممنوحة من قبل "مكتب الحبوب"؛ (3) المضاربة على الذهب، وقد انتعشت انتعاشاً كبيراً في فترة الحرب؛ (4) الأرباح التجارية المباشرة المتأتية من التخزين؛ (5) الإفادة من ندرة السلع المطلوبة وما شابه. ويمكن أخذ فكرة تقريبية عن تلك الأرباح التجارية بسبب إخضاعها للضريبة. ففي العام 1942، قررت الحكومة فرض ضريبة على الأرباح الإضافية التي جناها التجار والمستوردون والسماسرة خلال السنوات 1937 - 1939. وقضى مشروع قانون بأن تكون تلك الضريبة بين 15 و40 في المئة. وسرعان ما جرى التوصل إلى تسوية بين الحكومة والتجار وافق هؤلاء بموجبها على دفع مبلغ إجمالي قدره 14 مليون ليرة لبنانية. فإذا قدّرنا أن التجار وافقوا على دفع الحد الأدنى من الفرض الضريبي، أي 15 في المئة، لذلك يمكن تقدير أرباح الحرب خلال تلك السنوات على أنها توازي 210 ملايين ليرة لبنانية.
ثالثها، المصدر الثالث لثروات الأسر الثلاثين هو أموال الاغتراب. نعرف أن ستاً من تلك الأسر يعود المصدر الأصلي لثرواتها إلى الأموال التي جنتها من أميركا اللاتينية (المكسيك) وأفريقيا (الجنوبية) أو من الأعمال في البلدان العربية المنتجة للنفط (العراق والعربية السعودية).
بالاعتماد على دراسة ماينور، أمكن احتساب ثروات 15 أسرة من تلك الأسر الثلاثين . وقد بلغت 245 مليون ليرة لبنانية. وهذا الرقم يفوق بتسعة أضعاف ميزانية الدولة اللبنانية للعام 1944 (البالغة 27 مليون ليرة لبنانية) وهو يمثل لا أقل من 40 في المئة من الدخل الأهلي للعام 1948.

2 - مميزات التمثيل السياسي للبرجوازية
أود أول الأمر التوقف أمام المقولة التي تقول بالاستقالة السياسية للبرجوازية واعتبار أن ضعفها السياسي هو مصدر قوتها. ما من شك في أن برجوازية الخدمات الوسيطة المتمسكة بأقصى درجات الاقتصاد الحر، وبالأخص بتحرير التجارة الخارجية من كل قيد أو عقبة، ترفض أي تدخل للدولة في الاقتصاد، وهي بالتالي شديدة العداء للتشريع عموماً، وبخاصة حين يتناول هذا التشريع الضرائب والرسوم الجمركية، بمثل ما هي معادية للموازنات المسماة "ثقيلة" ولتضخم الجهاز الإداري وارتفاع نفقات الدولة، لكون هذه جميعها تستجرّ المزيد من الضرائب والرسوم. باختصار إن مثل هذه البرجوازية ترتضي بدولة وقد اختزلت وظائفها إلى حدها الأدنى. على أن هذا التصوّر البرجوازي لدور الدولة لا يعني أنها هي نفسها - البرجوازية - مستقيلة من التدخل في السياسة. أما إذا كان الأمر يتعلق بالأشكال المختلفة التي تتوارى البرجوازية فيها عن البروز المباشر في السلطة السياسية وتفضيلها ممارسة نفوذها والسعي إلى مصالحها بواسطة وكلاء، فهذا دأب التمثيل البرجوازي على الدوام، وإن اختلفت درجاته.
مهما يكن من أمر، هناك مستويات مختلفة مركبة للاشتباك بين المصالح الاقتصادية وتمثيلها السياسي. ويمكن حصرها بما يلي:
1 - الدور المميز لممارسة البرجوازية اللبنانية لنفوذها وتأمين مصالحها من خلال الصلة المباشرة بالسلطة التنفيذية، وبخاصة من خلال صلتها برئيس الجمهورية الذي يتمتع بصلاحيات تشريعية وتنفيذية واسعة النطاق، الأمر الذي يجعله، في دستور الجمهورية الأولى، أقرب إلى الملك غير المتوّج، غير الخاضع للمساءلة أو المحاسبة لأنه غير مسؤول عن ممارسته السلطة إلا في حال الخيانة الوطنية (المادة 60). إن "الكونسورسيوم"، المتحلقة أسره التجارية المالية حول الرئيس بشارة الخوري، والذي كان إثنان من أبرز ممثليه، هنري فرعون وميشال شيحا، مستشاريه النافذين في كل ما يتعلق بالحياة العامة للبلاد، افتتح تقليداً سوف تدرج عليه البرجوازية اللبنانية في جعل رئاسة الجمهورية أحد المواقع الحاسمة الذي تمارس نفوذها من خلاله. ويستجيب هذا التفضيل للتمييز الذي يجريه ميشال شيحا بين دور المؤسسة التشريعية ودور المؤسسة التنفيذية. فهو يرى في الجهاز التشريعي على أنه مجمع لممثلي الطوائف والمناطق في المقام الأول، أي الهيئة المنوط بها تمثيل الجماعات، فيما الجهاز التنفيذي والإدارة منوط بهما خدمة النطاق الاقتصادي والسهر على مصالح الأفراد، أي رجال الأعمال.
2 - مع أن البرجوازية اللبنانية لم تشأ وضع أبنائها دوماً موضع الامتحان الديمقراطي والاحتكام إلى الرأي العام من خلال المجالس النيابية، فإن هذا لا يعني غيابها عن تلك المؤسسة، بل هي كانت واسعة الحضور في السياسة البرلمانية، فخلال عهد الاستقلال احتل 13 من أبناء الأسر الثلاثين المقاعد النيابية وتولى خمسة منهم المناصب الوزارية وتولى أحدهم رئاسة مجلس الوزراء. ويمكن تبيّن اتساع الصلة بين المجلس النيابي والمصالح البرجوازية إذا عرفنا أن 36 نائباً، في الفترة نفسها، كانوا يملكون أكثرية الأسهم أو يمثلون أكثرية المساهمين في 230 شركة من شركات البلد الكبيرة.
3 - التمثيل النيابي غير المباشر، أو التمثيل بالوكالة من خلال تحالف البرجوازية مع وكلاء سياسيين ينتمون إلى موقعين اجتماعيين:
أ - التحالف المديد مع زعامات المناطق من كبار ملاك الأراضي الزراعية، هؤلاء الذين سمحوا بانتصار الحزب الدستوري على منافسه، الكتلة الوطنية ورئيسها إميل اده. وأبرز هؤلاء: آل عبود في عكار، وآل ارسلان في الجبل، وآل الأسعد وعسيران في الجنوب، وآل حمادة في بعلبك - الهرمل
الخ. ولم يكن هؤلاء الزعماء يدافعون عن مصالح البرجوازية في البرلمان والوزارة والإدارة فحسب، بل إنهم، من خلال الريع السياسي الذي كانوا يتقاضونه لقاء ذاك الدور (وليس أقله تمويل رجال الأعمال لمعاركهم الانتخابية) وبسبب إغراء قطاع الخدمات الأكثر إدراراً للربح من الاستثمار الزراعي، أخذوا يترسملون هم أنفسهم وينخرطون أكثر فأكثر في عالم الأعمال التجارية والمالية.
ب - الدور الخاص الذي أداه المحامون في التمثيل السياسي للمصالح البرجوازية. وجدير بالتنويه أن معظم هؤلاء المحامين كان ينتمي إلى أسر من الوجهاء الريفيين أو المدينيين. وهذه بعض الأمثلة عن الصلة بين المحامين والمصالح الاقتصادية:
- إميل اده: وكيل المفوضية السامية والشركات الفرنسية (ومنها "الميساجيري ماريتيم") ووكيل شركة مياه بيروت وعضو في مجلس إدارتها.
- بشارة الخوري: وكيل البنك المصري لسوريا ولبنان (الذي تأسس عام 1929، برؤوس أموال عربية وبريطانية ومن كبار مساهميه مدحت باشا وطلعت حرب). وبعد الاستقلال، سوف يستحوذ مكتبه، وقد تولاه ابنه خليل، على وكالات الشركات الفرنسية ذات الامتياز كشركة الكهرباء والجر والتنوير
الخ.
- حبيب أبو شهلا (رئيس مجلس النواب): وكيل شركة التابلاين. وقد أدى دوراً حاسماً في تمثيل مصالح تلك الشركة في مفاوضاتها مع الحكومتين السورية واللبنانية لعقد اتفاق نقل النفط السعودي إلى الساحل اللبناني (صيدا) عبر الأراضي السورية.
-
عبد الله اليافي (رئيس الوزراء): وكيل بنك سوريا ولبنان.
-
حميد فرنجية (نائب ووزير): وكيل مجموعة "سيرياك"، وهي تكتل لرجال الأعمال اللبنانيين والفرنسيين، يتربع على رأسه رينيه بيسون، مدير بنك سوريا ولبنان الذي كان الشخصية الاقتصادية ذات النفوذ الأكبر في سوريا ولبنان خلال السنوات الأولى لاستقلال البلدين. وكانت "سيرياك" تحتكر المبادلات التجارية والمالية بين البلدين المستقلين حديثاً وبين فرنسا، إضافة إلى كونها تتمتع بأفضلية بيّنة في الأشغال العامة الكبرى.

3 - السياسة بما هي شرف اجتماعي
للتمثيل السياسي وظيفة ترتبط بالمصالح الاقتصادية بطريقة مختلفة عما ورد أعلاه. فمن الصفات المميزة لممارسة السياسة في لبنان النظر إلى الموقع السياسي، أي إلى النيابة والوزارة، على أنهما بمثابة اعتراف اجتماعي بنفوذ المال. وهو تقليد ينطبق بنوع خاص على المتمولين من حديثي النعمة ذوي الأصول الاجتماعية المتواضعة الذين جنوا ثروات طائلة سريعاً من خلال الهجرة أو الأنشطة غير المشروعة. لذلك كان هؤلاء يرون إلى الحصول على المقعد النيابي، وتالياً على الحقيبة الوزارية وحتى على رئاسة الوزارة، على أنه بمثابة التكريس الاجتماعي لثرواتهم المستحدثة والاعتراف الاجتماعي بارتقائهم من موقع إلى موقع، بل من طبقة إلى طبقة أعلى. إن السياسة، بهذا المعنى، هي واسطة أثيرة لنيل "الشرف الاجتماعي"، بحسب مصطلح فيبر.

4 - استمرار السيطرة وتطوّر العلاقة بالرئاسة
ظلت البنية الاحتكارية والعائلية للطبقة العليا من رجال الأعمال مستمرة في الستينات. والحال أن الأسر الثلاثين تخلّت سريعاً عن بشارة الخوري وتحلقت فوراً فوق خصمه وخليفته كميل شمعون، حين ارتقى هذا الأخير إلى سدة الرئاسة الأولى، بل إن ممثليها السياسيين كان لهم دور راجح في فوزه على خصمه حميد فرنجية.
في عهد شمعون، انضافت إلى تلك الأسر أسر ومصالح جديدة من خلال انضمام حاشية الرئيس الجديد إليها وتوافد أسر وشخصيات من المصدر الإغترابي إياه، وبخاصة من الهجرة إلى البلدان العربية النفطية، واستمرار ظاهرة ترسمل الزعامات السياسية ذات القاعدة الزراعية سابقاً وانخراطهم المتزايد في القطاعات الرأسمالية من الاقتصاد. وكانت تلك المصالح الأسرية في أساس تكوين الشركات المساهمة اللبنانية - في الخمسينات والستينات - التي ظلت مطبوعة طويلاً بالطابع العائلي.
ومهما يكن من أمر توسع الشريحة العليا في البرجوازية التجارية المالية، فقد ظلت الأسر الثلاثون للكونسورسيوم الاستقلالي تكوّن نواتها الصلبة وتحتل موقع السيطرة في القطاعات الرئيسية للاقتصاد حتى مطلع السبعينات. ففي العام 1968، كانت عشر شركات تسيطر عليها الكونسورسيوم تحتل موقع الصدارة بين أكبر 15 شركة مساهمة محلية، من حيث رأس المال والموجودات. وفي العام 1970، عاين سليم نصر وكلود دوبار في دراستهما للاحتكار الصناعي، 25 شركة صناعية مغفلة هي الأكبر بين مجموع الشركات الصناعية من حيث رأس المال والموجودات، وقد بلغت رؤوس أموالها 180 مليون ليرة لبنانية، أي 15 في المئة من مجموع رؤوس الأموال الموظفة في مجمل القطاع الصناعي، وبلغت موجوداتها 770 مليون ليرة لبنانية. وقدّرت حصتها من الإنتاج الصناعي بما يراوح بين 40 و50 في المئة. وكانت 7 مجموعات عائلية تملك 10 من تلك الشركات الخمس والعشرين وتسيطر، سيطرة مباشرة أو بالشراكة مع مجموعات عائلية أخرى، على 13 شركة أخرى. وكانت خمس من عائلات الكونسورسيوم الاستقلالي في عداد العائلات الصناعية السبع الكبيرة تلك. وكانت عائلتان من تلك العائلات الخمس تسيطران على موجودات تبلغ قيمتها 183 مليون ليرة لبنانية، أي على ربع إجمالي موجودات الشركات الخمس والعشرين الصناعية الأولى، وتنتجان 10 في المئة من مجموع الإنتاج الصناعي في البلاد.
وفي دراسة وضعها اقتصاديو الحزب الشيوعي اللبناني عام 1973 عن التركز الاحتكاري في الاقتصاد اللبناني، وجدوا أن 40 أسرة (من مجموع يبلغ 800 أسرة) تسيطر على 1/3 (ثلث) مجموع رؤوس أموال الشركات المساهمة والمغفلة العاملة في لبنان وعلى 70 في المئة من مبيعاتها، وكذلك على نصف تجارة الاستيراد والتصدير. وكانت ثلاث أسر فقط من الأسر الأربعين تسيطر على 22 في المئة من سوق الأدوية والمواد الطبية، ويحتكر 20 تاجراً منها 85 في المئة من مستوردات المواد الغذائية.
وعلى الرغم من أن واضعي الدراسة لم يفصحوا عن أسماء الأسر الأربعين، فإنه يمكن الافتراض، دون كبير مجازفة، أن معظم الأسر الثلاثين للكونسورسيوم الاستقلالي، إن لم يكن كلها، كان في عداد الأسر الأربعين للعينة التي أجروا عليها دراستهم.
على أن تلك الفترة شهدت تحولات مميزة في العلاقة بين المصالح الاقتصادية والسلطة السياسية. أقصد بها المسافة التي اتخذها الرئيس فؤاد شهاب تجاه المصالح الاقتصادية المسيطرة ومحاولته تمثيل المصالح البعيدة المدى للبرجوازية المتوسطة ولو على حساب مصالحها وامتيازاتها المباشرة والقصيرة المدى. وقد أدت تلك المحاولة إلى ظاهرتين:
الأولى، تكتل قسم من البرجوازية الجديدة لا حول الرئيس هذه المرة وإنما حول أجهزته الأمنية وكبار موظفيه. وقد تكوّنت تلك الشريحة البرجوازية من فئات وافدة واغترابية كان احتكار الكونسورسيوم الموسع للسلطة الاقتصادية ونفوذه الراجح على السلطة السياسية عقبة أمام تقدمها الاجتماعي والسياسي في آن. فكان تكتلها حول الأجهزة الأمنية والعسكرية وسيلتها لفرض نفسها ومصالحها. ولعلها المرة الأولى التي يبرز فيها تكتلان متنافسان داخل الشريحة العليا للبرجوازية. وقد بلغ النزاع بينهما أوجه خلال وبُعيد أزمة انترا، إذ انشقت تلك الشريحة بين الإنترويين وخصومهم ممن ضغط على الرئيس حلو لتصفية المؤسسات والتشريعات الشهابية.
أما الظاهرة الثانية والأهم، فهي أن مناهضة القسم الأكبر من البرجوازية، على الأقل من شريحتها العليا، للنظام الشهابي وعملها على إسقاطه ومنع التجديد له أفقد الموقع الرئاسي دوره كمركز استقطاب للمصالح الاقتصادية المسيطرة في البلد، بل تحوّل إلى مصدر إزعاج لها. هذا في عهد فؤاد شهاب نفسه. أما في عهد الرئيس شارل حلو، فتحول ذلك المركز إلى مركز يجري النزاع على التأثير فيه.

 


حول المركز

محاور
					
					
					
					
					 الابحاث

الأنشطة

المنشورات

الدراسات

مصادر

مقالات
					
					
					
					
					 الموقع