العدد
السادس: أيار/ مايو 1997
فواز طرابلسي: التكون الطبقي
للسلطة السياسية بعد الحرب (ص 79 - 92)
لم يحظ
التركيب الطبقي للسلطة السياسية بكبير اهتمام لدى الباحثين.
الأمر نفسه يقال عن التركيب الطبقي للمجتمع اللبناني عموماً،
وعلى الأخص الطبقة التجارية المالية فيه. فدراسة سليم نصر وكلود
دوبار الرائدة عن الطبقات الاجتماعية التي صدرت عشية الحرب لم
يكن لها تالٍ ولا تتمة. ومع أن الطبقة العاملة حظيت بعدد لا بأس
به من الدراسات، فإن معظمها، إن لم يكن كلها، عالجها كظاهرة
اقتصادية أكثر منها اجتماعية. باختصار، لسنا نملك الكثير ننطلق
منه للبحث في التركيب الطبقي للسلطة السياسية في لبنان، قبل
الحرب أو بعدها.
في الأربعينات ومطلع الخمسينات، درج الحديث
في الصحافة المعارضة عن "كونسورسيوم" من الأسر التجارية
والصناعية والمالية التي دعمت بشارة الخوري للوصول إلى السلطة
وموّلت انتخابات حزبه الدستوري وفازت بحصة الأسد من الامتيازات
والإعفاءات الاقتصادية وتنفيعات الدولة والتزاماتها و"كوتا"
الاستيراد في عهده. وقد وجهت المعارضة لعهد بشارة الخوري، إلى
مجموعة العائلات تلك، أصابع الاتهام وحمّلتها المسؤولية عن
انحراف العهد والإثراء غير المشروع وتهريب أموالها إلى الخارج
والفساد والإفساد.
وفي الستينات، كان الحديث عن مؤسسة حاكمة
من "خمسين أسرة". يكتب عنها مايكل هادسون: "إن السلطة في لبنان
تستحوذ عليها مؤسسة من رجال الدين والزعماء السياسيين شبه
الإقطاعيين والمصرفيين ورجال الأعمال والمحامين. وينتمي أعضاء
تلك المؤسسة إلى أقل من خمسين من الأسر الوجيهة".
أما في
السبعينات، فسوف يسود الحديث عن "المئة أسرة" التي تحكمنا. إلا
أن هذا التعيين ظل سياسياً وتقريبياً أكثر مما كان تعييناً
اقتصادياً - اجتماعياً. والقليل الذي نملك من أبحاث في تركيب
السلطة ركّز على توارث السلطة العائلي من خلال المجلس النيابي
بخاصة. وفي محاولات تبيّن الفئات الاجتماعية الأكثر حضوراً في
التأثير السياسي، جرى تصنيف النواب بحسب انتماءاتهم المهنية.
وهذا ما يوقع البحث أصلاً في إشكالات عدة: فأولاً، ليس يقتصر
التأثير السياسي للمصالح الاقتصادية على مجلس النواب؛ ثانياً، لا
يعبّر الإنتماء المهني للنائب دوماً عن نوع المصالح الاقتصادية
التي يمثل (وهذا ينطبق بنوع خاص على فئة المحامين بينهم)؛
ثالثاً، يختلط في مثل هذا التصنيف التأثير السياسي بالموقع
الاقتصادي - الاجتماعي؛ رابعاً، تصطدم محاولات التصنيف المهنية
هذه بتعدد المهن التي يشغلها النواب، ما يشوّش محاولات تعيين
موقعهم الاجتماعي والمصالح التي يمثلون؛ خامساً وأخيراً، إذ يركز
هذا المنهج في التقصي والتحليل على توارث العائلات السياسية
للسلطة من خلال توارث المقاعد في المجلس النيابي، يغفل توارث
العائلات الاقتصادية السلطة الاقتصادية من خلال إعادة إنتاج
سيطرتها على الاقتصاد.
هكذا، يخلص إيليا حريق، في بحثه
من يحكم لبنان، إلى خلاصة مضطربة، فيرى أن "أهل
الحل والربط" ينتمون إلى "المهنيين ورجال الأعمال" أو إلى
"الطبقة الوسطى فالعليا"، ما يشوّش الصلة بين السلطة الاقتصادية
والسلطة السياسية، بحيث تبدو الطبقة الحاكمة وكأنها الطبقة
الوسطى أكثر منها رجال الأعمال أو الطبقة العليا.
لا يزال
السؤال عمن يحكم لبنان مطروحاً وبخاصة في عهد الجمهورية الثانية.
وقد طرأ على السلطة ومكوناتها الاقتصادية الاجتماعية تحولات
أساسية من جراء الحرب.
لسنا ندّعي طبعاً تقديم جواب متكامل عن
التركيب الطبقي للسلطة السياسية في لبنان. نطمح على الأقل إلى
إضاءة بعض أوجه ومميزات الارتباط بين المصالح الاقتصادية
والاجتماعية من جهة وبين السلطة السياسية من جهة أخرى. ونتناول
السلطة السياسية هنا بمعناها الأوسع، أي بما يشمل أجهزتها
التشريعية والتنفيذية، ورئاسة الجمهورية والوزارة.
ثم إن هذا
البحث متفاوت. إنه يرتكز على نتائج بحثين، تناول الأول تكوين
برجوازية عهد الاستقلال وتناول الثاني الاقتصاد السياسي
الميليشياوي خلال الحرب. ما يعني أننا سوف نقتصر على عدد من
الملاحظات العامة لفترة الستينات وعشية الحرب ولتركيب الطبقة
الحاكمة للجمهورية الثانية.
1 - السلطة الاقتصادية في العهد
الاستقلالي
حين نتحدث عن فترة الاستقلال، غالباً ما
نتحدث عن الفئة السياسية التي تسلّمت الحكم، أو عن الشراكة بين
بشارة الخوري ورياض الصلح وميثاقهما الوطني والخلافات في تفسيره.
ولكن نادراً ما نتحدث عن الفئة الاجتماعية التي نمت في ظل
الانتداب وأمسكت بزمام السلطة الاقتصادية في عهد الاستقلال وما
تلاه من العهود.
البحث الذي ترتكز عليه المعلومات التالية
أجريته على عيّنة من ثلاثين أسرة تتربع في قمة البرجوازية
التجارية المالية الصناعية في عهد الاستقلال الأول. ونواتها
الصلبة ست من الأسر الملقبة بالـ"كونسورسيوم"، كما أسلفنا،
المتحلقة حول رئيس الجمهورية، الشيخ بشارة الخوري.
وأول ما
يلفت النظر في تلك الشريحة العليا من البرجوازية ثلاث
مميزات:
أولها، طابعها العائلي. وذلك
بمعنيين: سيادة البنية العائلية على المؤسسات التي تديرها من
جهة، والتزاوج في ما بينها، من جهة ثانية، بحيث المصاهرة بين
الأسر المعنية توثق عرى الشراكة في الأعمال وتمنع تبدد الثروات
العائلية. ففي جيل واحد، كانت عشر من تلك الأسر الثلاثين مرتبطاً
بعضها ببعض بعلاقات مصاهرة. كذلك ارتبطت في ما بينها في شراكات
تجارية متمركزة في قطاع الخدمات والمال والصناعة ووثيقة الارتباط
برأس المال الأجنبي على اختلاف أنواعه.
ثانيها،
الطابع الاحتكاري للاقتصاد اللبناني، وتالياً لسيطرة
البرجوازية على مرافقه المختلفة.
ثالثها،
الدور الرئيس الذي أدته وتؤديه السلطة السياسية كمصدر
لتلك الامتيازات الاحتكارية.
من حيث التركيب الطائفي، تضم
الشريحة العليا من البرجوازية 24 أسرة مسيحية (9 مارونية و7
كاثوليكية و4 أورثوذكسية وواحدة لاتينية وواحدة بروتستانتية
وواحدة أرمنية) و6 أسر مسلمة (أربع منها سنّية وواحدة شيعية
وواحدة درزية). واللافت للنظر أن أكثرية الأسر المسيحية من
الموارنة، ما يعدّل بعض الشيء من الاعتقاد الشائع عن غلبة الطابع
الكاثوليكي والأورثوذكسي على البرجوازية الكبرى.
من حيث حجم
تلك المصالح وموقعها الاقتصاد، كانت الأسر الثلاثون تسيطر على
المرافق التالية:
- أكبر المصارف العاملة في البلد، ومنها بنك
سوريا ولبنان، الذي كان لا يزال يتحكم بقمم الاقتصاد اللبناني
(والسوري)، وبنك طراد (الكريدي ليونيه)، وبنك صبّاغ (الأندوشين)،
والبنك التجاري الإيطالي، إضافة إلى المصرفين الأهليين، بنك
فرعون - شيحا والبنك الأهلي (وهذا الأخير تسيطر عليه شراكة من ست
من أسر "الكونسورسيوم").
- أكبر شركة تأمين وطنية، الاتحاد
الوطني، وهي شراكة بين أربع أسر من أسر "الكونسورسيوم".
- في
التجارة، كانت تلك الأسر تضم كبار مستوردي المنتوجات المصنّعة،
يسيطرون على الحصة الكبرى من سوق المواد الغذائية والأسلحة
والذخائر والآلات الزراعية والصناعية ومواد البناء والسيارات
والأدوات المنزلية والنسيج والخشب والأدوية والمواد الصحية وقطع
الغيار.
- كانت تلك الأسر تحتكر في ما بينها وكالات الشركات
الأجنبية المهمة الممثلة في لبنان. وكانت أسرة واحدة منها تمثل
25 من أصل 50 شركة هي مجموع الشركات الأميركية الممثلة في لبنان
في أواخر الأربعينات، فيما تتقاسم ثلاث أسر، تنتمي هي أيضاً إلى
كتلة الثلاثين أسرة، تمثيل النصف الباقي من تلك الشركات.
- في
قطاع السياحة، تميّزت الأسرة المعنية بالمبادرة إلى بناء وتملّك
المنشآت السياحية الحديثة: فنادق الدورة الأولى في بيروت ومراكز
الاصطياف (عاليه، بحمدون، صوفر