English Version خريطة الموقعسجل عنوانكالجديد

المنشورات الدوريةالأبعاد
 
أبعـــــــاد
العدد السادس: أيار/ مايو 1997

عفيف فراج: ثورة بالعلم وفي العلم: بين رؤيوية روجيه غارودي ورؤية بول كنيدي (ص 162 - 189)
أولاً: غارودي وكنيدي في مرايا ثقافية متقابلة
تستمد المقارنة الثقافية بين غارودي وكنيدي مشروعيتها من ائتلاف روافد ثقافية متعددة ومتباينة. فالمفكران يجمعان بين عناصر ليبرالية وعناصر ماركسية في بنية فكرية واحدة، وإن بأرجحيات متفاوتة. إضافة إلى هذه البنية الثقافية المميزة بالتركيب والتعقد، يشترك الباحثان في مقاربة تاريخية تجمع بين الامبيريقية الصارمة في رصدها التوثيقي للوقائع الحاضرة وبين الإطلالات المستقبلية التي تستشف المستقبل، وإن بدرجات متفاوتة من الجسارة، من خلال قوانين مستخلصة من التجارب التاريخية الماضية.
ولا شك في ان تحرر الباحثَين، النسبي على الأقل، من قيود الدوغما العقائدية الليبرالية والماركسية على السواء، واحتكامهما في الأغلب إلى معطيات الظواهر المحسوسة وممارسة التحليل الملموس للواقع الملموس هي التي مكنت كل من المؤلفين من استكشاف ونقد ما آل إليه نظامه المعتقدي المفضل (الرأسمالي بالنسبة إلى كنيدي والاشتراكي بالنسبة إلى غارودي) في الممارسة السياسية الفعلية وإظهار كل منهما لما يكتنف النظامين الرأسمالي الأميركي والاشتراكي السوفياتي من مخاطر.
هذه العناصر المشتركة مجتمعة تبسط أرض التلاقي بين المفكرين كما سنبين. وسأبدأ بإظهار مرجعية كنيدي الماركسية المنهجية.

1 - الحضور الماركسي في منهجية كنيدي
يمحور كنيدي مؤلفيه الشهيرين صعود وسقوط القوى العظمى والاستعداد للقرن الحادي والعشرين على قانونين ركنيين من قوانين الجدل الماركسي:
1 - قانون التفاعل الجدلي بين الاقتصاد والاستراتيجيا، الثروة والقوة، البنية التحتية (الاقتصادية) والبنية الفوقية (العسكرية).
2 - قانون التفاعل الجدلي بين الاقتصاد والاستراتيجيا معاً من جهة، وبين الاكتشافات العلمية وتطبيقاتها التقانية من جهة ثانية.
ذلك ان الجدلية القائمة بين الاقتصاد والاستراتيجيا تترافد كما يؤكد كنيدي تكراراً مع قطب العلم والتقنية، وهو قطب يفعل فعل الوسيط أو المحول الكيميائي الذي يحدث تحولات نوعية في البنيتين الاقتصادية والعسكرية، واستطراداً في جميع البنى الاجتماعية والثقافية.
ان التقانة الأكثر تقدماً تفجر الطاقات الإنتاجية الأكثر ضخامة، وتنتج الأسلحة الأكثر فاعلية، والقيم الثقافية الأكثر دينامية؛ فتكون السيادة الإمبراطورية من نصيب الأمة التي تقلب موازين القوى الاقتصادية والاستراتيجية لما تحققه من سبق في مجال الكشوفات العلمية وتطبيقاتها التقانية في الصناعة والهندسة الزراعية والجينات الوراثية. "ان التغيير في شؤون العالم إنما يجري طبقاً لعملية جدلية تحولية تدفعها التقنية الموضوعة حيّز التطبيق في العملية الإنتاجية؛ ذلك ان التحولات في البنى السياسية والاجتماعية كافة مصدرها التقانة".
وبهذا المقياس يرى كنيدي ان تفوق أوروبا على الإمبراطوريات الشرقية التي تقدمتها يكمن في تطويرها الذي لم يتوقف لتقنياتها العسكرية، يستحثها إلى ذلك تجارة السلاح المزدهرة منذ عصر النهضة، أما الإمبراطوريات الشرقية (الصينية، اليابانية، الهندية، العثمانية) فقد حاقت بها الهزيمة حين توقفت عن تطوير أدواتها القتالية.
ان كنيدي لا يقدم إذن تاريخاً عسكرياً أحادي الجانب وإنما هو "يبحث القوة العسكرية في إطار اقتصادي" (كما يذكر في الصفحة الأولى من مقدمته) لكون الثروة هي صانعة القوة. "ان التغيير في موازين القوى العسكرية كان يجيء دائماً عقب التغيرات التي تطرأ على موازين القوى الإنتاجية. وإذ يعرض نتائج المواجهات العسكرية الكبرى على خلفية المؤشرات الإنتاجية الإحصائية للقوى المتصارعة على سيادة العالم يقرر "ان نتائج الحروب التي خاضتها الدول والقوى العظمى تثبت ان النصر كان حليف أصحاب الموارد الاقتصادية الأعظم".
وهذا يعني ان أداء الأمم العسكري خلال الحرب يحدده ويقرره أداؤها الاقتصادي في زمن السلم. وإذا كانت القوة العسكرية هي رهينة القدرات الاقتصادية فان دراسة الناتج القومي السنوي للقوى العظمى المتنافسة في زمن السلم تصبح مؤشراً استباقياً لما سيكون عليه أداؤها العسكري في زمن الحرب.
من هنا يكتنز مؤلَّفا كنيدي بالجداول الاقتصادية الإحصائية والتخطيطات البيانية التي تظهر هزائم الإمبراطوريات القديمة والوسيطة والحديثة بوصفها نتائج محتمة لمقدمات التراجع الاقتصادي والتخلف التقاني.
"الحقيقية الباقية هي ان جميع التحولات الكبرى في موازين القوى العسكرية العظمى كانت تجيء دائماً عقب التحولات في الموازين الإنتاجية". وكنيدي يرجّح هذا القانون الموضوعي على عنصر العبقرية القيادية. فحين تتراجع العائدات وتتخلف التقنيات تعجز العبقريات العسكرية عن ردّ الهزائم الميدانية وان كانت في مستوى نابليون أو هيئة الأركان الهتلرية. ان الذي هزم نابليون في النهاية هو المحرك البخاري البريطاني والثورة التي أحدثها في العملية الإنتاجية كما في وسائل الانتقال براً وبحراً.
وقد هزمت أدوات إنتاج أميركا وروسيا وبقية الحلفاء هيئة أركان الحرب الألمانية والروح القومية القتالية اليابانية. "فالحرب لا تدور فقط بين المتبارزين بالسيوف" كما يقول كلاوزفيتز، "وإنما بين الحدادين صانعي السيوف كذلك". وهكذا يخلص كنيدي إلى ان القاعدة الإنتاجية المتفوقة للحلفاء هي التي حسمت الصراع ضد دول المحور في النهاية. وهذا كله يعيدنا إلى موضوعة كلاوزفيتز القائلة إن "فن المبارزة (مثل فن الحرب) يتطلب مهارة وخبرة من جانب المتبارزين؛ لكن ذلك لا يجدي كثيراً إذا نفدت السيوف من أيدي المتبارزين. وفي معركة الحدادين كان الحلفاء يتقدمون خصومهم على نحو واضح".
وبما ان الصراع يدور بين قوى تتنافس على اجتياز أوسع لمساحات السوق العالمية، فان رصد مسارات ومصائر القوى المتصارعة على مدى الكوكب يستدعي، بالضرورة، دراسة مقارنة لاقتصادات هذه القوى ووتائر نموها. ذلك ان أسباب صعود إمبراطورية ما يعتمد أيضاً على أسباب ضعف إمبراطورية أخرى. فالإمبراطورية المتراجعة ليست بالضرورة تلك التي يتوقف أو يتراجع فيها الناتج القومي عن النمو بل تلك التي لا يتكافأ نموها الإنتاجي مع وتائر نمو قوة إنتاجية أخرى تعاصرها.
فصعود الولايات المتحدة إلى سدة القيادة الإمبراطورية على حساب الإمبرياليات الأوروبية العريقة لم يتحقق لأن دولاً مثل بريطانيا وفرنسا كانت تنتج بعد الحرب العالمية الأولى أقل مما كانت تنتجه هاتان الدولتان في الحقبتين الفيكتورية والنابليونية، وإنما لأن الناتج القومي الأميركي السنوي بات يساوي عام 1919 "مجموع الناتج القومي السنوي لدول أوروبا الغربية مجتمعة". وبالمقياس عينه فان إنتاجية الاتحاد السوفياتي التي بلغت في نهاية الثمانينات أضعاف ما كانت عليه خلال الحقبة الستالينية لم تكن كافية لتدرأ السقوط عن الإمبراطورية السوفياتية في الوقت الذي كانت الدول الرأسمالية تحقق تقدماً اقتصادياً وتقنياً ثابتاً على الاتحاد السوفياتي على مدى السبعينات والثمانينات. ولا يكفي الولايات المتحدة، استطراداً، ان تقصي منافسها السوفياتي كي تنفرد بالزعامة الإمبراطورية العالمية في الوقت الذي تحقق دول مثل ألمانيا والصين واليابان تقدماً ثابتاً عليها منذ الثمانينات في وتائر النمو الاقتصادي، في حين تحقق اليابان تفوقاً نسبياً في مجال التقنيات العالية وتفوقاً مطلقاً في مجال التراكم الرأسمالي والفائض المالي.

كنيدي والماركسية
هذه المقابلات التي يجريها كنيدي لإظهار التفاوت في مقدرات القوى العظمى تستند إلى قانون "النمو اللامتكافئ"الذي كان لينين سباقاً إلى وضعه حيز الممارسة المعرفية في سياق دراسته للتحولات في موازين القوى الاقتصادية - العسكرية للأمم الأوروبية المتناحرة بين عامي 1917 و 1918. وكنيدي لا يجحد مرجعيته اللينينية، كما لا يخفي مديونيته لقوانين علم الاجتماع الماركسي، لكن هذه القوانين لا تحظى بمرتبة الأدوات المعرفية والمقدمات المنهجية المرشدة للبحث، ذلك ان كنيدي في حرصه على إثبات منهجيته الاستقرائية الامبيريقية يحيل هذه القوانين إلى شواهد ختامية يذيّل بها أبحاثه بحيث تبدو قوانين علم الاجتماع الماركسي العامة وكأنها خلاصات استنتاجية تتحصل من قراءة كنيدي الاستقرائية الخاصة. وهكذا يبدو التلاقي مع علم الاجتماع الماركسي وكأنه حدث عارض.
والحقيقة هي ان مديونية كنيدي النظرية للماركسية لا تظهر بكامل ثقلها إلاّ إذا عمد القارئ إلى جمع قوانين علم الاجتماع الماركسي الموزعة في ثنايا خلاصات المؤلف الاستنتاجية.
ان كنيدي مؤمن أولاً بالقانون الماركسي القائل إن البنية الاقتصادية هي "بنية تحتية مقررة لماجريات الأحداث".
وهو يأخذ قانون التفاعل الجدلي بين الاقتصاد والاستراتيجيا، عن انجلز مقتبساً قوله: "لا شيء يعتمد على الأوضاع الاقتصادية كالجيش والبحرية على وجه التحديد". كما يقتبس عن ستالين نصاً يؤكد جدلية الثروة والقوة: "ان الموازين العسكرية العالمية تتوزع على نحو يتوافق مع مقدرات الدول الاقتصادية". وهو يأخذ قانون "النمو المتفاوت" وانعكاساته على موازين القوى السياسية والعسكرية عن لينين الذي لاحظ بين العامين 1917 و 1918 أنه "كان محتماً أن تؤدي معدّلات النمو الاقتصادي المتفاوت (بين المانيا وانكلترا واليابان وروسيا) إلى صعود قوى معينة وانهيار قوى أخرى". وكنيدي يفسر أسباب صعود روسيا الامبراطورية وهبوطها بالأسباب التقنوية عينها التي ذكرها ستالين في دراسة له نشرت عام 1931: "ان روسيا كانت تخرج منتصرة في جميع المواجهات العسكرية وفي كل المعارك التي كانت مستويات التقنية العسكرية فيها متقاربة بينها وبين خصومها، بينما كانت تنهزم كلما اتسعت الهوة التقنية لمصلحة الخصوم".
يؤكد ستالين في البحث الذي يذكره كنيدي ضرورة ردم الهوة التقنية بين روسيا والغرب، "لأن أي تباطؤ في وتائر سرعة اللحاق بالغرب سيعني التخلف في السباق، والمسبوقون هم الذين تدركهم الهزيمة. فقد تلقت روسيا القيصرية ضربات متتالية لأنها تخلفت في ميداني الانتاجية الصناعية والتقانات العسكرية".
ويذهب كنيدي مع ماركس إلى حد اعتبار الثقافة بنية فوقية ترتكز على بنية تقانية - انتاجية تحتية. فالتقانات لا تثوّر أدوات الإنتاج وحسب، بل هي تحدد نوعية الثقافة الاجتماعية نفسها كذلك. وكنيدي يصوغ علاقة التوافق بين التقانة والثقافة على النحو التالي:
"إن كل نمط من أنماط التقانة يولد نمطه الثقافي الخاص به والمميز له". وهي صياغة معدلة لإحدى الطروحات التي نجدها في نصوص ماركسية عديدة، منها نص انجلز الذي طالما يردده غارودي في كتابيه ماركسية القرن العشرين ومنعطف الإشتراكية الكبير: "إن على الفلسفة المادية ان تغير من صورتها كلما حصل اكتشاف بارز في مجال العلوم". وقد اعاد الفيلسوف الشيوعي الفرنسي ألتوسير صوغ هذه الموضوعة بقوله: "ان العلم يأتي في الصباح وتتبعه الفلسفة في العشية". وكل ذلك يذكرنا بطائر مينرفا الفلسفي الهيغلي الذي لا يبسط جناحه إلا بعد حلول الغسق، أي بعد وقوع التحولات العلمية والتقانية.
إضافة إلى هذه القوانين المادية الجدلية التي يتقرى كنيدي صعود وهبوط القوى الامبراطورية في ضوئها فهو يعبر عن موقف ماركسي فلسفي من التاريخ في كليته، حيث يقول مستعيداً ماركس: "ان البشر هم الذين يصنعون تاريخهم حتماً، لكنهم يصنعونه ضمن شروط تاريخية يمكن ان تحدّ من قدراتهم على صناعة التاريخ كما يمكن ان تطلق هذه القدرات".
كما يستعيد كنيدي المفهوم الذي حدّد به ماركس العلاقة بين العنصرين الذاتي والموضوعي في صناعة التاريخ: "ان البشر هم صانعو تاريخهم وان كانت هذه الصناعة تتم ضمن ظروف تحمل مؤثرات الماضي كما يذكرنا ماركس".
وهو ينقل عن القائد الالماني بسمارك استعارة شاعرية تجسم المفهوم الماركسي عينه للتاريخ:
"ان جميع القوى الكبرى الفاعلة في التاريخ إنما تجري فوق تيار الزمن، وهو تيار ليس في استطاعة البشر خلقه أو توجيهه، وكل ما يستطيعونه هو توجيه الدفة فوق المجرى بدرجة من المهارة والخبرة تقل أو تكثر".
ومن المعلوم ان ماركس سبق أن أكد في رأس المال تحول العلم والتقانة إلى قوة تنتج القيمة وفائض القيمة، وغارودي يستطرد مذكراً بهذه القاعدة.2 - غارودي: تجديد الماركسية انطلاقاً من ماركس
بدأ غارودي يخط عناوين اختلافه مع قيادة الحزب الشيوعي الفرنسي في كتابه ماركسية القرن العشرين (1966)، ليعلن بعد نحو ثلاث سنوات بيانه الشيوعي الإصلاحي المضاد في كتابه الشهير منعطف الإشتراكية الكبير (1969)، الذي بلور فيه رؤية حضارية اشتراكية مغايرة للنمط السوفياتي المتبع في منظومة الدول الإشتراكية والمؤيد من الأحزاب الموالية للمركز الروسي.
"ان الصمت لم يعد ممكناً"، قال غارودي يومها خارجاً عن سرّية التنظيم الحزبي الطقسية. وما يضفي قيمة رؤيوية على ما قاله آنذاك هو تطابق معظم المرتكزات التي أسند إليها مشروعه الماركسي التجديدي مع القوانين الجدلية المادية الأساسية التي تقرّى كنيدي في ضوئها مسارات الحضارات في صعودها وفي الهبوط. وأهم هذه الركائز هي قانون التفاعل الجدلي بين الاقتصاد والتقانة والانعكاسات التي يخلفها النمو الاقتصادي والتقدم التقاني على جميع البنى الفوقية.
ان أول موجبات التجديد في الماركسية، كما يقول لنا غارودي بدءاً من الصفحة الأولى من كتابه ماركسية القرن العشرين، هو "التقدم البالغ السرعة في العلوم والتقانة"، تقدم تدفعه ثورة الحواسيب الالكترونية، وهي "أدوات القوة" التي تحدث زلزالاً في البنية الانتاجية والاجتماعية. "ان العلم بفيضه على الإنتاج يصبح محركاً لنمو الإنتاج"، يقول غارودي مذكراً بنبوءة ماركس القائلة إن "العلم يتحول إلى قوة إنتاجية مباشرة".
وقد تنبه غارودي إلى عمق وشمولية التحولات التي سيحدثها إدخال التقانات الجديدة على الصناعة والزراعة والثقافة والتربية والإعلام وعلم الحياة.
"ان الثورة في العلم قد هيأت ثورة بالعلم"، يقول غارودي مختصراً ظاهرة العصر وداعياً القادة الشيوعيين إلى إيقاظ عقولهم على مفاعيل الثورة التقانية، هاتفاً بصوت أنجلز: "على المادية ان تغير من صورتها كلما ظهر اكتشاف علمي رئيسي ظاهر الأثر في تاريخ العلوم".
وقد نقد غارودي عجز السُلَط السوفياتية النمط "عن تحليل طبيعة الثورة العلمية والتقانية الجديدة" التي يؤرخ لها نظرياً بالعام 1949 بصدور كتاب ن. واينبرغر السبرنائية وهو منذ ما لا يتجاوز السنوات العشر قد طبق على نطاق واسع.
ان غارودي، مثل كنيدي، يكتب رؤيته التاريخية في ظل الثورة العلمية - التقنية الجديدة. وهو مثل كنيدي يقيس أهلية الحضارة على الانتصار والاستمرار بمقدار ما تستجيب لمتطلبات النمو الاقتصادي الذي بات مشروطاً بالتطور العلمي التقاني. "ان ثمة قانوناً جديداً" يقول غارودي، "فكلما كان بلد ما متقدماً اقتصادياً وتقنياً، تعلق تقدمه مباشرة بتقدم العلم". ويفترض غارودي تطابقاً بين مستوى التقدم التقني وبين النمو الاقتصادي.
"ان الثروة والقوة (يقول غارودي مستبقاً كنيدي) تتوزعان على قاعدة الثورة العلمية - التقنية الجديدة، وهذه الثورة تفاقم على نحو عميق التفاوتات في توزيع الغنى والإمكانيات حتى انها تشطر العالم إلى ثلاث قطع تتعاظم بينها المسافات".
وغارودي يُحلُّ قوة العلم والتقنية محل سلطان رأس المال وقوة العدد البروليتارية، "فبعد ان كان النمو الاقتصادي مشروطاً بتكدس رأس المال وزيادة عدد الشغيلة، أصبح يتعلق أكثر فأكثر بالمستوى الذي بلغه البحث العلمي، وبسرعة توسع الأنظمة التي دخلها علم السبرنائية بصورة تامة، وبنوعية العمال، أي بقدرتهم على برمجة الإدارة والإنتاج".
وإذا كان كنيدي يبدي قلقاً على النظام الرأسمالي العالمي والمركز الغربي الحضاري المهدد بعوامل ليس أقلها تأقطب الثروة والفقر، قوة التقانة وقوة العدد بين شعوب نصفي الكرة، فان غارودي يحذر السلط السوفياتية النمط من ان التخلف في ابتكار السبرنائية واستخدامها يجعل الرأسمالية أكثر قدرة على التكيف مع متطلبات الثورة العلمية - الإنتاجية الجديدة، ويحيل مزاعم القيادات السوفياتية باللحاق بالرأسمالية الأميركية وسبقها في زمن محدد إلى لغو ايديولوجي باطل، ويعرض النظام السوفياتي لانقلاب حتمي وهو توقع رؤيوي لم يتجاسر كنيدي على مثله عام 1988 عشية الانهيار السوفياتي بعد عقدين على نبوءة غارودي.
ويخصص غارودي، قبل كنيدي، حيزاً مهماً لدراسة التحولات التي تحدثها التقانة في المجتمع الأميركي لكونه الأكثر تقدماً والذي يمثل تبعاً لذلك النموذج البكر لمجتمع المستقبل "الذي يتجه فيه التنظيم الممنهج للبحث والمعرفة العلمية إلى أن يصبح القوة الانتاجية الأساسية".
وإذا كان محرك هواجس غارودي هو ما آلت إليه الديمقراطية الماركسية "الشعبية" المفترضة من بيروقراطية تمركزية تملي على المنتجين اشكال الإنتاج وغاياته وتحدد سبل انفاق فائض القيمة وتمنع التنظيم النقابي المستقل؛ فان هواجس كنيدي تنطلق من المآل الاحتكاري لرأسمالية التنافس الحر كما عبّر عنها آدم سميث. وهو يبدي خشيته خصوصاً من الردة اليمينية الأصولية التي سادت حقبة الثمانينات التي تولى رونالد ريغان خلالها منصب الرئاسة الأميركية.
لقد لحظ كنيدي ان التشريعات والاقتصاديات الريغانية تقضي على المشاريع الصغيرة والمتوسطة في الصناعة والزراعة، وهي تستظل ايديولوجية داروينية اجتماعية فظة تتجلى في خفض الضرائب على الأرباح وتقليص الخدمات والضمانات الاجتماعية واقتطاع الرساميل من حقل التوظيف المنتج وانفاقها في حرب الفضاء والأسلحة الباهظة الكلفة ونشر القواعد العسكرية الخارجية. وقد سبقه غارودي إلى رصد ظاهرة التمركز الاحتكاري في أميركا وأظهر هيمنة المركب الصناعي - العسكري على القرار الأميركي.
هذه السلبيات تؤدي في رأي المفكرَين إلى تأقطب اجتماعي حاد داخل المجتمع الرأسمالي من جهة وبين هذا المركز وبقية العالم من جهة ثانية. واللافت للنظر ان غارودي ينقد الأصولية الرأسمالية الأميركية من وجهة نظر ليبرالية كما يفعل كنيدي. بل ان غارودي، الشيوعي آنذاك، يستعيد في كتابه منعطف الإشتراكية الكبير الآراء النقدية الاصلاحية التي عبّر عنها كبار الليبراليين الأميركيين قبل بلوغ التوجه الاحتكاري ذروته في ظل رئاسة ريغان. ومن اللافت للنظر أيضاً في مجال التقارب بين الباحثين ان غارودي يطرح بدائل ديمقراطية للتناقضات الرأسمالية الأميركية متخطياً الأصول الماركسية الراديكالية باطروحته الشهيرة القائلة بتعدد النماذج الإشتراكية تبعاً لتعدد الثقافات القومية أو الوطنية. من هنا نجد غارودي يقترح علاجات تشريعية ضريبية تسحق الاعلانات التجارية وجميع المشاريع غير المنتجة وفي مقدمها التسلح وتحويل قدر أكبر من الرساميل إلى قطاع الخدمات والضمانات الاجتماعية. وميزة هذه التشريعات تتبدى كما يقول غارودي في انها "لا تنطوي البتة على المركزية أو الاكراه من الدولة فيما ينافي كثيراً التقاليد الأميركية".
وهذا الحل التشريعي الليبرالي يتوافق مع الحلول المقترحة من كنيدي الذي يعود إلى آدم سميث وكتاب ثروة الأمم ليذكر بأن منظّر الرأسمالية الأول كان مناهضاً للانفاق غير العقلاني على التسلح وانه "كان يدعو إلى تقليص الجيوش إلى الحد الأدنى الضروري للحاجات الدفاعية".
وصحيح ان المسألة الطبقية تحظى في مؤلفات غارودي الماركسي بتركيز لا نجد ما يناظره عند كنيدي الليبرالي، إلاّ أن الهوة بين الاثنين تضيق حيث يدعو غارودي الماركسيين إلى التركيز على قوى ووسائل الانتاج لا على علاقات الانتاج والصراع بين الطبقات، لكون وسائل الانتاج المؤتمتة باتت مرتكز التحولات الجارية في بنية القوى المنتجة والعلاقات بين الطبقات. فالنظام الرأسمالي الجديد بما يمتلكه من وسائل اعلامية عالمية فاعلة بات نظاماً يخلق الحاجة ويستبقها بدل ان يتبعها، "أي انه يكيف المستهلك والسوق مع متطلبات الإنتاج".
ويحذر غارودي من الركون إلى التبسيطات التفاؤلية القائلة بحتمية زوال الرأسمالية بفعل تناقضاتها الداخلية. ذلك ان الدعم الشرائي والاقراضي الذي تقدمه الدولة الأميركية للصناعات الكبرى يسقط الفرضية القائلة بالافقار المتزايد للشغيلة و"حتمية انهيار النظام الرأسمالي نتيجة أزمة كوارثية، ذلك ان الرأسمالية لا يمكن ان تنتهي بفعل حدية تناقضاتها وحدها".
وهذه الفرضية تقرب غارودي من كنيدي القائل إن التراجع الاقتصادي الأميركي لا يصبح قابلاً للتحول إلى انهيار الا إذا تورطت الولايات المتحدة في حرب خارجية مديدة غير محسوبة الكلفة كالحرب الفيتنامية مثلاً


حول المركز

محاور
					
					
					
					
					 الابحاث

الأنشطة

المنشورات

الدراسات

مصادر

مقالات
					
					
					
					
					 الموقع