English Version خريطة الموقعسجل عنوانكالجديد

المنشورات الدوريةالأبعاد
 
 
أبعـــــــاد
العدد السابع: حزيران/ يونيو 1998

افتتاحية بول سالم: أبعاد الأزمة البيئية في لبنان (ص 4 - 7)
انتقلت قضية البيئة خلال السبعينات من مشكلة تتعاطى معها مجموعات ضيقة من العلماء والخبراء إلى مشكلة سياسية عامة تتطلب معرفة وتحركاً أساسيين من قبل الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني والجمهور العام بصورة أشمل. لقد ظلت البشرية لآلاف السنين تسعى لأهدافها في التنمية والتوسع من دون المبالاة بالخطر الذي أوجدته على التوازن الطبيعي في العالم؛ ففي الواقع، معظم معارك الإنسان للتقدم كانت معارك ضد الطبيعة - ضد المرض وضد الغابات المقتحمة وضد الحيوانات المفترسة وضد قسوة المناخ وما شابه - أو معارك لانتزاع ما يحتاج البشر إليه من الطبيعة - معادن وطاقة وموارد…
مع التصنيع والنمو المذهل في الإنتاج وفي السكان في جميع أنحاء العالم، وصلت البشرية في الواقع - أو تخطت - حدود التوازن بينها وبين محيطها الطبيعي. وكان ثمن النجاح الصناعي تلوث الهواء والماء والأرض واستنـزاف الموارد الطبيعية وانقراض المئات من الفصائل الأخرى فضلاً عن الاختلال الخطير في توازن نظام الكوكب البيئي.
وحتى الآن لم تلحق الأيديولوجيا ولا القيم ولا الدين ولا السياسة بعد، بالحاجات والوقائع الجديدة للأزمة البيئية. فأيديولوجيا العالم الحديث، سواء أكانت رأسمالية أم اشتراكية، تركز على الإنسان وحاجاته وليس لديها مكان للمتطلبات الطبيعية. وأنظمة قيمنا هي أيضاً استهلاكية ومادية ولا تعطي أهمية كبرى للتوازن الطبيعي والنظام البيئي على المدى البعيد وحتى أدياننا فهي تعظم الإنسان فقط وعلاقته بربه وتنظر إلى الحيوانات والنباتات بكونها معدة لتلبية حاجات الإنسان. ففي الواقع، يجب الرجوع إلى الوراء، إلى بعض أديان الهنود الأميركيين أو الأفارقة أو إلى شعوب "بدائية" أخرى لإعادة اكتشاف الأنظمة القيمية والدينية والأيديولوجيات التي تعي وتحترم التوازن الضروري بين الإنسان والطبيعة.
والأزمة بين الإنسان وبيئته هي في الواقع أزمة عالمية. ولكن كما يقول شعار الحركة البيئية، "فكر عالمياً وتحرك محلياً". بقينا في لبنان ولسنوات عدة نتجاهل الأزمة البيئية المتصاعدة. وعلى الرغم من أن الفينيقيين وسائر القدماء سبق أن اقتطعوا غابات الأرز الكثيفة، فقد كنا لا نزال في الخمسينات والستينات نتمتع ببيئة طبيعية مع مستوى مقبول من الهواء النقي والمياه النظيفة والأرض الصحية والغطاء النباتي المعتدل والحياة الحيوانية والنباتية المتنوعة، إضافة إلى بيئة عمرانية مقبولة تطغى عليها ومن دون قاعدة صناعية كبيرة الأبنية الحجرية ما قبل الإسمنتية والقرميد ونمط العمار الإيطالي والعثماني والفرنسي.
وكبلد يعتمد على الخدمات، ومن دون قاعدة صناعية كبيرة، كنا مرتاحين إلى أن النمو الاقتصادي لن يحصل على حساب البيئة كما حصل في البلدان الأخرى ذات الصناعات الثقيلة، وكنا مقتنعين بأنه يمكننا أن نبلغ النمو دون القضاء على بيئتنا.
غير أن موجة التمدن السريع والهجرة الداخلية والنمو الاقتصادي والآثار التخريبية للحرب؛ وغياب الرقابة والتخطيط على صعد إدارة النفايات وتصريف المياه وتلوث الهواء وتآكل التربة والتوسع العمراني وإزالة الأحراج والتصحر والصيد وعمليات أخرى، أدت كلها إلى تدهور سريع وكارثي في وضع لبنان البيئي. فنهضنا من الحرب ليس مدمرين في المعنيين الإنساني والاقتصادي فقط بل في بيئة طبيعية مدمرة أيضاً. خسرنا العديد من العوامل التي لن نستطيع أن نعوضها؛ لكن هناك عوامل أخرى نستطيع أن نعمل على استرجاعها وعوامل عديدة نستطيع أن نبدأ في السهر عليها كي لا نتحمل المزيد من الخسائر.
المهمة في لبنان يجب أن تكون واحدة: البدء بالدراسات والعلم والوقائع؛ غير أن نتائج الدراسات والأبحاث يجب أن تترجم إلى سياسات واضحة يجب أن تتبع ليس من قبل الدولة والجهات التابعة لها فقط بل من قبل رواد القطاع الخاص كذلك ومن قبل قياديي المجتمع المدني وأعضاء المجتمع بوجه عام. إن الوعي البيئي يجب أن يصبح طريقة عيش، يجب أن يندمج بوعينا العام، بنظم قيمنا وتصرفاتنا اليومية، ويجب أن ينعكس على التخطيط والتحرك في كل قطاعات المجتمع المدني والقطاع الخاص والدولة. وهو في الواقع، يتطلب أيديولوجيا جديدة وربما قراءة جديدة لتراثنا الأخلاقي والروحي لتكييفه مع بقاء الحياة على الأرض.
وقد أدركت الحكومة أهمية الأزمة البيئية في لبنان بعد الحرب وأنشأت وزارة البيئة لتركيز جهود الحكومة في هذا المضمار. وفي الواقع، رعت هذه الوزارة مشاريع الدراسات، واقتراحات القوانين، وحققت تقدماً في القطاع البيئي على المستوى الحكومي في لبنان. غير أن الوزارة تعاني عدم كفاية الموارد البشرية والمادية للقيام بالمهمة المصيرية التي وضعت لها، وضعف السلطة المعطاة لها لفرض التوجيه البيئي وتحقيق الالتزام به. وتبقى وزارة البيئة تقريباً وزارة استشارات فيما الأنشطة الحكومية المتعلقة بالبيئة، كالنفايات الصلبة والسائلة والغابات والشواطئ وغيرها، موجودة ضمن صلاحيات وزارات أخرى. وعلى الرغم من اقتراحات تعزيز سلطة هذه الوزارة أو إنشاء هيئة مستقلة للمحافظة على البيئة، كتلك الموجودة في بلدان عدة، بعيداً من السياسة الحكومية وتكون لها القدرة على فرض وتعزيز المقاييس البيئية، تبقى الإدارة البيئية في لبنان موزعة بين وزارات وجهات عدة وتبقى عرضة للمساومات المعتادة التي تحصل في أي قرار سياسي.

في هذا العدد من أبعاد وفي العدد المقبل أيضاً، نقدم ثمرة أبحاث نحو 40 خبيراً بيئياً في لبنان حول نقاط الأزمة البيئية المختلفة في لبنان. قدم معظم هذه الأبحاث في ندوة نظمها المركز اللبناني للدراسات بمساعدة الوكالة الكندية للتنمية العالمية ومؤسسة فريدريش ايبرت في شباط/فبراير 1997. وتتوزع اهتمامات الدراسات بين دراسة تلوث الهواء إلى دراسة وضع المياه الجوفية والسطحية إلى وضع الشاطئ والحياة الحيوانية والحياة النباتية والغابات ووضع التربة ومسائل الزراعة والطعام والمقاييس الصناعية وإدارة العمرانية والمواقع الأثرية والقضايا التجارية وقضايا التمويل والجدوى الاقتصادية والإدارة البيئية والتشريع والتربية ودور المجتمع المدني والحاجة إلى المزيد من الدراسات والتخطيط.

آمل أن تساعد الدراسات المنشورة في هذين العددين من أبعاد على فهم وتقدير الأزمة البيئية في لبنان والبدء في إدارتها، وآمل أيضاً ألا تستعمل هذه الدراسات من قبل الحكومة وصناع القرار فقط بل كذلك من قبل منظمات المجتمع المدني ومسؤولي القطاع الخاص والصحافيين والمربين على نحو أوسع.
كما أود أن أشكر المعهد الكندي للتنمية الدولية ومؤسسة فريدريش ايبرت إضافة إلى مكتب مؤسسة فورد في القاهرة لدعمهم هذا المشروع المهم. وأود أيضاً أن أشكر وزارة البيئة والوزير أكرم شهيّب تحديداً لانفتاح الوزارة وتعاونها، إضافة إلى الباحثين والكتاب الذين شاركوا في هذا المشروع القيّم.


 

 


حول المركز

محاور
					
					
					
					
					
					
					
					 الابحاث

الأنشطة

المنشورات

الدراسات

مصادر

مقالات
					
					
					
					
					
					
					
					 الموقع