العدد السابع: حزيران/ يونيو 1998
ماري عبود أبي صعب: مشاكل تلويث الشواطئ وتخريبها
(ص 47 - 57)
إن التطور الاجتماعي والاقتصادي
الذي حصل في العقود الأخيرة غيّر على نحو عميق الشاطئ المتوسطي،
ويبشر التطور المرتقب للسكان وللأنشطة المتنوعة بتغيرات أعمق
وأوسع في العقود المقبلة.
كان هذا الشاطئ الضيق بين البر
والبحر مكاناً لتلاقي وتنافس أنشطة متعددة: الصناعة وتوليد
الطاقة والسباحة والرياضة والنقل وغيرها. كما انه لم يكن مركزاً
للاستعمال فقط بل كان ملتقى الحضارات التي تركت في كل مدينة
آثاراً مهمة. كما أن مناظره الطبيعية المتنوعة تجعل منه موطناً
مهماً للحيوانات والنباتات التي أصبح قسم منها مهدداً بالانقراض
ويجب حمايته.
والشاطئ اللبناني، الذي يقع في وسط الساحل
الشرقي للبحر المتوسط والذي يمتد نحو 220 كلم، لم يكن بمنأى عن
هذه التطورات والأنشطة. فالهجرة المتواصلة من الريف إلى المدينة،
طلباً لظروف معيشية أفضل، زادت كثافة السكان في الشريط الساحلي،
وبالتالي زادت نسبة الطلب على السكن والمياه والكهرباء وغيرها من
متطلبات الحياة. ومع غياب التخطيط المدني جاءت حركة التمدن
عشوائية، إضافة إلى كميات النفايات والمجارير التي ضاقت بها
اليابسة فكان المكب الكبير، أي البحر، ملجأها الأخير.
قبل
الدخول في تفاصيل الأضرار والمخاطر التي تسببها التعديات
المتنوعة على البيئة البحرية والصحة العامة لا بد من توضيح بعض
خصائص مياهنا المتوسطية الإنتاجية. فالإنتاج الأولي في البحر، أي
قدرة تحويل المواد المعدنية بواسطة أشعة الشمس إلى مواد عضوية،
ضعيف مقابلة ببحار أخرى. إنه المؤشر الأساسي لغنى البحر وأساس
السلسلة الغذائية، وإن أي خلل في حلقة معينة يؤثر في مجمل
السلسلة. هذا المستوى المنخفض من الإنتاج يعود إلى أسباب طبيعية
متعددة، أهمها: ضيق الهضبة القارية والافتقار إلى أنهار قوية
منتظمة وضعف معدلات التبادل الأفقي مع بحار أخرى، وبخاصة في
المياه العميقة الغنية، وضعف التبادلات العمودية بين طبقات
المياه السطحية والعميقة.
مقابل هذه المواصفات التي لا تساعد على تكوين كتلة
بيولوجية مهمة، هناك بعض العوامل التي تجعل من بحرنا غنياً
بالتنوع البيولوجي، وقد ساهمت في ذلك مصادر متعددة: أنواع متبقية
من البحر القديم (
Téthys)، أنواع عالمية،
أنواع متوسطية، أنواع عبرت من البحر الأحمر عبر قناة السويس،
وأنواع عبرت من مضيق جبل طارق وقدمت إلى مياهنا عبر التيار العام
المتجه من الجنوب إلى الشمال.
أخيراً من المواصفات الطبيعية
الجيدة في شواطئنا، التي، لحسن الحظ، ساهمت في تأخير التأثيرات
السلبية للتلوث والحد منها: أولاً، انفتاح الشاطئ على عرض البحر،
الأمر الذي يساهم في تشتت الملوثات وتبعثرها سريعاً؛ وثانياً،
أشعة الشمس التي تساهم في قتل البكتيريات وتقليل مفعولها. ولكن
إلى متى وإلى أي مدى يمكن بحرنا أن يتخطى هذه الكوارث التي تصب
في مياهه؟
سأحاول أن أخط صورة موجزة عن موضوع التلوث بعامة
مع التركيز بعد ذلك على بعض التعديات وأثرها في البيئة البحرية،
أو في الصحة العامة. وفي النهاية سأعرض بعض المقترحات علها تجد
من مجيب.
إن موضوع تلوث البحر فيه من الاتساع والأهمية ما
يكفي لكتابة مجلدات، ولكن سنحاول عبر هذه المقالة أن نتناول
بصورة علمية مفيدة بعض النقاط التي تهم عامة الناس وتمس حياتهم
اليومية. ولكن لا بد أولاً من تعريف التلوث البحري كما حددته
منظمة الأغذية والزراعة الدولية في مؤتمرها المنعقد في روما في
كانون الأول/ ديسمبر1970، وهو التالي: "التلوث هو إدخال الإنسان
في البيئة البحرية مواد يمكن أن تسبب نتائج مؤذية، كالأضرار
بالثروات البيولوجية، والأخطار على الصحة الإنسانية، وعرقلة
الأنشطة البحرية بما فيها صيد الأسماك، وإفساد مزايا مياه البحر
عوضاً من استخدامها، والحد من الفرص في مجالات الترفيه". هذا
التعريف يدرج نشاط الإنسان كسبب رئيسي في تلويث البحر، وبالتالي
فهو الضحية الرئيسية للتشويه الحاصل في هذه البيئة. يجدر الذكر
أن بعض المنظمات المتوسطية (البحر المتوسط) كان له بعض الملاحظات
على هذا التعريف لكونه يحمّل الإنسان المسؤولية الأولى، ويغفل
دور العوامل الطبيعية الملوثة كالبراكين والزلازل وآبار النفط
وغيرها، وكذلك الاستثمار المفرط للثروات البحرية كما هو حاصل في
حوض المتوسط الشرقي بعامة وفي لبنان بخاصة وما ينتج منه من نقص
في الثروة السمكية.1 - طرائق وصول الملوثات إلى
البحر
يمكن توزيع طرائق وصول الملوثات إلى البحر إلى
قسمين: ما يصل مباشرة إلى وسط البحر، وما يرمى على الشاطئ
وبمحاذاته.
يحدث التلوث في القسم الأول عن طريق الملاحة
والهواء والأمطار والحوادث البحرية الطارئة. أساساً ليس البحر
بمجمله ملوثاً بل هناك طرائق بحرية للملاحة معروفة ومحددة، ويكون
التلوث محصوراً في البداية، ولكن التيارات البحرية العمودية
والأفقية تقوم بمهمة توزيع الملوثات. أما التلوث عن طريق الجو
فهو مرتبط بالأمطار التي تسرع بهبوط الملوثات وبالتيارات
الهوائية التي تنقلها من منطقة إلى أخرى. إن جميع هذه الملوثات
لم ترتدِ حتى الآن أهمية ملحوظة، لكن ما أدرجناه في الشق الثاني
منها الذي يصل إلى الشاطئ يستدعي اهتمام الإنسان ويقلقه، لأنه
يزعج حواسه بقبح منظره ونتن رائحته وملامسة مائه وطعم أسماكه.
تصل هذه الملوثات إلى شواطئنا أولاً عن طريق السيول
والأنهار، وثانياً عن طريق المجارير والمكبات المباشرة في البحر،
وثالثاً عن طريق المرافئ والمصانع ومصافي النفط وغيرها.
إن
الأمطار والسيول تبقى محدودة الأثر، لأنها موسمية، لكن الأنهار،
مهما كانت أهميتها، فهي تؤلف مجمعاً للمواد السائلة والجامدة
الناتجة من نفايات المجمعات السكنية والصناعية المنتشرة على
جوانب الأنهار. أما المكبات والمجارير المنتشرة على الشاطئ، فحدث
ولا حرج. وما نرميه من نفايات ومياه مبتذلة لا يبقى محصوراً في
نقطة محددة من الشاطئ، لأنه ليس في البحر حدود أو جدران تقف أمام
انتشار هذه الملوثات على طول الشاطئ، ولا يكفي أن تحافظ دولة على
نظافة شواطئها، فخيرات التلوث تزورها من البعيد مع التيارات
المائية. فمثلاً نفايات مدينة بيروت يصطادها سكان المدن التركية
الساحلية، وهكذا تحصل الدعاية مجاناً لأصحاب أكياس البلاستيك
العائمة على سطح المياه. فالتيار الساحلي العام في المتوسط يتجه
من الجنوب إلى الشمال ويجرف في طريقه ما يرمى على
الشاطئ.
2 - أنواع
الملوثات
لإتمام هذه الصورة الشاملة، لا بد من تلخيص
أنواع الملوثات التي تلوث مياهنا وتقضي على ثرواتنا البحرية،
ويمكن تقسيمها إلى ثلاث مجموعات يختلف أثرها وكميتها باختلاف
الموقع الجغرافي من الشاطئ: أولاً الملوثات الكيميائية وتشمل
الهيدروكربورات، أي النفط ومشتقاته والمعادن الثقيلة ونفايات
المصانع والمبيدات الزراعية ومواد التنظيف والتعقيم وغيرها؛
ثانياً الملوثات العضوية الناتجة من المجارير والنفايات
المنـزلية ومخلفات المصانع الغذائية وغيرها؛ وثالثاً الملوثات
الفيزيائية وتشمل التفجيرات والبراكين وغيرها.
إضافة إلى هذه
الملوثات هناك عوامل عديدة أخرى مفسدة بصورة عامة للوسط البحري،
ونعطي بعض الأمثلة، كالمواد الإشعاعية، المتأتية من النفايات
التي حملها بعض تجار السوء إلينا، كما أنه لا يمكن استبعاد خطر
التلوث الطارئ بالمواد الإشعاعية في هذه المنطقة، جواً عن طريق
الهواء والأمطار، وبحراً عن طريق التيارات.
كذلك لا بد من ذكر
التلوث الحراري الناتج من طرح المياه المستخدمة لتبريد المنشآت
الصناعية المختلفة أمثال: معامل إسالة الغاز ومصافي النفط وبخاصة
محطات توليد الكهرباء الحرارية. إن مياه التبريد هذه، إضافة إلى
حرارة مياهها الساخنة التي تفوق حرارة المياه الواردة بثماني إلى
عشر درجات، تحتوي مواد سامة تزيد من التلوث الحراري. وآثار هذا
التلوث تكون كبيرة في أثناء فصول الحرارة المرتفعة، لأنها تقارب
درجات الحرارة المميتة لكثير من الكائنات الحية.
في هذا
التعداد لا يمكن أن ننسى الردميات التي تحصل بصورة مفرطة على
شواطئنا، كأن فاعليها ينوون توسيع مساحة الوطن. كذلك المجمّعات
السكنية السياحية التي تبنى عشوائياً وبحجوم مفرطة تحجب عن
المواطنين رؤية البحر وعن السابحين إمكان الاستحمام في مسابح
مجانية، لأن الشاطئ جزِّىء واستملك من قبل المستثمرين.
وكأن
هذا لا يكفي، فجاءت التجاوزات الفردية لتزيد الطين بلة، وذلك عن
طريق الاستثمار المفرط لمنتوجات الصيد في شريط ضيق من الشاطئ،
فأباحت طرائق غير شرعية للصيد، كالديناميت والتسمم بالمبيدات،
وتناست قوانين الصيد بما يخص الشباك والمواسم والأماكن. فما لم
يقتل من السمك أو يهجّر عن طريق الملوثات يقضي الإنسان عليه وعلى
صغاره.
جميع هذه الملوثات والعوامل التي ذكرناها تساهم بوجه
أو بآخر في إضعاف الثروة السمكية مباشرة أو عبر حلقات السلسلة
الغذائية، وسنحاول أن نبين اثر كل منها على حدة.
أ - المياه المبتذلة
يفتقر
معظم المدن اللبنانية إلى شبكات مجارير، وما يوجد منها أكلها
الصدأ والعمر حيث تصب مباشرة في البحر وتنتشر على طول الشاطئ
اللبناني. أما المدن التي تفتقر إلى شبكة فيستعاض من المجارير
بالجور الصحية التي يتم تفريغها دورياً ورميها في البحر أو في
أقنية مياه ري المزروعات، أو تعتمد على الآبار ذات القعر المفقود
التي تلوث المياه الجوفية.
في الواقع، إن بحرنا يتلقى كميات
كبيرة من السيول نجد فيها كل ملوثات المياه الحلوة والجو.
والمتفائلون يظنون ان مياهه لها حجوم ضخمة مقابلة بالمواد
والسيول التي ترمى فيها. وان التيارات البحرية وحركتي المد
والجزر ستؤدي دورها في التخفيف من آثارها بالسرعة المطلوبة، ولكن
لكل شيء حدوداً.
إن تلوث البحار بالمياه المبتذلة، المنزلية
منها والصناعية، يصيب الإنسان مباشرة، وهو كفيل بتغيير توازن
الكائنات البحرية وبخاصة الهائمة منها. وأثبتت الأبحاث انه يوجد
علاقة أكيدة بين تكوين المجموعات الحيوانية والنباتية وبين درجة
التلوث. إن بعض الأنواع النباتية يقاوم أكثر من غيره فيتكاثر
ويفرز مواد سامة تقتل بقية الأنواع وكذلك الأسماك والطيور. وهذه
الأنواع تعرف بالطحالب السامة. بعض هذه الأنواع موجود في مياهنا،
ولكن إلى الآن، ولحسن الحظ، لم يسبب كوارث بيئية كالتي عرفها بعض
المناطق المجاورة والمتوسطية.
أما في المحيط المباشر لمصب
المياه المبتذلة، فالمياه شبه قاحلة جدباء. وقد دلت الأبحاث على
وجود انخفاض في الكتلة البيولوجية للطحالب القعرية
(Biomoss) وانخفاض في التنوع البيولوجي
في الأماكن الملوثة بدرجة عالية مع تسجيل انخفاض ببعض الأنواع
على حساب أنواع أخرى. لن نتوسع بهذه الموضوعات بل بما يؤثر في
الإنسان مباشرة وبخاصة التلوث البكتيري.
إن أكثر ما يواجه
المستحمين خطراً في البحر هو التلوث بالميكروبات المسببة لأمراض
داخلية وجلدية.
(1) العوامل المسببة للتلوث البكتيري: إن مياه
المجارير ترمى مباشرة على سطح البحر دون معالجة ولو أولية. وهذه
المياه تجرف معها جزئيات عضوية أو معدنية، الأمر الذي يعطي البحر
لوناً يميل إلى البني - الرمادي بفعل المواد المتحللة، ورائحة
كريهة. هذه الجزئيات تحمل كمية كبيرة من الجراثيم غير مرئية
بالعين المجردة وهنا تكمن خطورتها.
إن الكائنات الدقيقة
المسببة للمرض والعدوى، سواء كانت من الفطريات أو من البكتيريات
أو من الفيروسيات وغيرها، هي من مصدر إنساني، وتنتقل إلى البحر
عن طريق المجارير. يجدر الذكر أن أنهارنا التي تصب بالبحر باتت
كالمجارير لكثرة تلوثها، وبخاصة قرب مصباتها وفي موسم الشحاح.
أما الأمطار والسيول التي تحمل الجراثيم كذلك تبقى محدودة الأثر
لأنها موسمية. أما الأنهار فهي تجمع للمواد السائلة والجامدة
المنزلية والصناعية المنتشرة على جوانب الأنهار.
يظهر الفحص
المجهري لهذه المياه أنه إضافة إلى النباتات التي توجد عادة في
المياه الطبيعية، تحتوي مياه المجارير على كمية من الكائنات
الدقيقة ويمكن ذكر بعضها:
- بويضات حيوانات الـ Ascorides
والـ Tenias.
- بكتيريات مثل
التيفوئيد والباراتيفوئيد والسل والديزنتاريا والكوليرا
وغيرها.
- فطريات مثل Condida
albicom وغيره.
- فيروسيات مختلفة مثل الكباد الحموي وشلل
الأطفال وغيرهما.
إن كثافة الملوثات في المياه المبتذلة هي
دائماً مرتفعة لأنها تحتوي بمعدل وسط على أكثر من مليار جرثومة
بالليتر الواحد، ويمكن تقدير نسبة المياه المبتذلة للفرد بنحو
150 إلى 300 ليتر في النهار. وهذه تختلف باختلاف الفصول. فهي
تزيد في الصيف بفعل ارتياد الناس المسابح والمجمعات السياحية
المنتشرة على الشاطئ وبخاصة في المدن التي تكثر فيها هذه
المنشآت. إضافة إلى جميع هذه الجراثيم التي تتطلب الأوكسيجين
للاستمرار بالحياة، فان مياه المجارير تنقل أيضاً كمية كبيرة من
الكائنات التي لا تتطلب الأوكسيجين (10 إلى 100 مليون/ليتر)
وأخطرها ما يسبب الكزاز والبوتوليسيم.
إن البكتيريات في
المياه المبتذلة هي بمعظمها محمولة على جزئيات عضوية، وإن نسبة
98 في المئة منها تنتقل على الجزئيات الخفيفة، الأمر الذي يبرر
ارتفاع التلوث في المياه السطحية في عرض البحر. ولحسن الحظ فان
هذا الجيش البكتيري يواجه قدرة التطهير الذاتي للبحر.
(2)
التطهير الذاتي للبحر (Auto
épurotion): أثبتت التجارب ان
البكتيريات التي تعيش في البر والتي تنقل الأمراض تموت في البحر
بعد وقت يمتد من 24 ساعة إلى مدة أسبوع. هذا النشاط المضاد
للبكتيريات، الذي تتمتع به مياه البحر الطازجة، يخف إذا لجأنا
إلى تصفية مياه البحر أو إلى تعقيمها أو إذا زادت نسبة التلوث.
تجدر الإشارة إلى أن هذه القدرة التطهيرية للبحر ليست ثابتة
وتختلف تبعاً للحرارة والفصول والعمق والبعد من الشاطئ، وتتعلق
في الدرجة الأولى بالعوامل البيولوجية التي تحدد التوازن في
الأنظمة البحرية.
إن بعض العوامل الفيزيائية أوالكيميائية،
مثل الملوحة وpH واختلاط المياه وأشعة الشمس
من شأنها تقوية القدرة التطهيرية للبحر وليس خلقها.
ما هو خطر
السباحة في المياه الملوثة؟
دلت الأبحاث على أن العدوى
بالتلامس عند الاستحمام في مياه ملوثة قليلة جداً وتختلف نسبة
الخطر باختلاف مدة ارتياد البحر. إن البكتيريات المضرة مثل
التيفوئيد وSalmonella هي سريعة العطب ولا تستطيع أن
تقاوم مياه البحر، ونسبة إصابة السابحين بها قليلة، ولكن
الفيروسيات مثل الكباد الحموي وشلل الأطفال هي مشكلة خطرة لعدم
إمكان عزلها في المحيط البحري، ومن المؤكد أن بعضها يعيش لأكثر
من شهر في مياه البحر ولأكثر من خمسة أشهر في أجسام بعض
الحيوانات البحرية القاعية، ويمكن أن تبعد حتى 5 كلم من
الشاطئ.
أما بالنسبة إلى الفطريات المسببة لبعض الأمراض
الجلدية فهي دون شك ناتجة من السباحة في المياه الآسنة
(Pityriosis a Vaginites a
Candida). وتدل الأبحاث على أن الشكل المرضي موجود في
الجلد بالحالات الطبيعية ويساعد على تكاثره في أنواع معينة من
الجلد، العرق والحرارة المرتفعة وأشعة الشمس، وهي شروط متوافرة
على المسابح، أما الأمراض الجلدية المعدية فتميل التحاليل
العلمية إلى كونها تنتقل مباشرة من الرمال والحصى الملوثة عند
الاسترخاء على الشاطئ أكثر منها عن طريق السباحة.
يبقى الخطر
الحقيقي كامناً في استهلاك الحيوانات البحرية الملوثة التي تصفي
المياه، كبلح البحر مثلاً، لأنها، إضافة إلى النباتات والحيوانات
الهائمة التي تشكل غذاءها، تحتفظ بكمية كبيرة من الأجسام الصغيرة
التي تحمل الجراثيم المسببة للأمراض.
كثير من شعوب العالم
يستهلك كميات كبيرة من الصدفيات النيئة. وحصول حوادث مرضية
وأحياناً وفيات دفع بكثير من الدول إلى فرض شروط صحية معينة
وتقنيات خاصة لتنقيتها من الميكروبات قبل دفعها إلى
الأسواق.
لا نملك في لبنان العادات المعروفة بالنسبة إلى
تناول ثمار البحر نيئة وذلك لحسن حظنا.
الخطر الثاني على
الصحة يأتي من تناول منتوجات البحر التي تراكمت فيها المعادن
الثقيلة. فالنسبة المرتفعة للزئبق مثلاً في لحوم الأسماك يجعلها
غير صالحة للاستهلاك.
يلقي العالم سنوياً في البحار والمحيطات
نحو 250 ألف طن من الرصاص الذي لا تقل سميته عن الزئبق، كذلك نحو
ألف طن من الكادميوم الذي يؤثر في النخاع ويسبب فقر الدم.
وقد
دلت نتائج الأبحاث التي أجريت على الشاطئ اللبناني وعلى بعض
أنواع الأسماك، إن معدلات المعادن الثقيلة في هذه الأسماك أقل
كثيراً من المعدلات المسموح بها للبحر المتوسط الذي يملك معدلاً
أعلى من المعدل العالمي. عسى نبقى بهذه المعدلات المنخفضة ولكن
من يضمن لنا الأسماك المستوردة من هنا وهناك التي تطرح في
الأسواق على انها طازجة ومن بحرنا؟
ب - النفايات
الصلبة
من المناظر المألوفة على شواطئنا منظر
الصيادين ينظفون شباكهم من النفايات الصلبة المتنوعة الأشكال
والحجوم التي جمعوها بعد عناء الصيد في البحر وكانوا يطمعون بغلة
من الأسماك وفيرة تؤمن رزقهم ورزق عيالهم، أو منظر السابحين
الذين يتعايشون مع أكياس البلاستيك الطافية على سطح البحر، أو
ينظفون أجسامهم من كتل الزفت الملتصقة بها.
أما القادم عبر
البحر فيطالعه الدخان المتعالي من تلال النفايات المحترقة على
الشاطئ. وكلما ازداد اقتراباً استقبلته خيرات اليابسة من حضارة
العصر، البلاستيك والنايلون ومتفرعاتها، علماً أن هذه الخيرات
وبخاصة الأكياس والأواني الفارغة بألوانها المزركشة، يلتقيها
المسافر في أبعد نقطة من البحر ناشرة الدعاية مجاناً لأصحابها،
تتقاذفها الأمواج وتبعثرها التيارات لتحصد بها على شواطئ بعيدة
من الجزر واليابسة.
ولماذا نلوم البحر الذي يحفظ الأمانة
ويردها لنا والذي يرمي لنا ما نرميه في هذه السلة الكبيرة. فكلما
ازداد عدد السكان في عالمنا الاستهلاكي زادت كمية النفايات التي
نرميها.
تجدر الإشارة إلى أن الإمكانات اللازمة لتصريف
النفايات بطرائق علمية وكافية تعجز عنها حتى أكبر الدول
الصناعية، فكيف بالحري الدول النامية وعلى صعيد المتوسط بخاصة.
فعلى الرغم من الاهتمام العلمي الذي يبذل والأبحاث التي تناولت
أنواع التلوث، فان الأبحاث الجدية في الموضوع بقيت خجولة
ومتفرقة، ويعود ذلك إلى تعدد مصادر هذه النفايات وتشعبها
جغرافياً وصعوبة تقديرها كمياً، إضافة إلى حاجتها إلى تعاون دول
عدة لفترة طويلة ومنتظمة.
وفقاً لنتائج بعض الأبحاث (1989)
فإن المتوسط يتلقى سنوياً نحو مئة قطعة من النفايات من مصدر بري
أو بحري لكل مئة متر من شاطئه. أما ما يتعلق بطبيعة هذه
النفايات، فان التحقيقات التي أجريت على الشاطئ منذ عام 1988 دلت
على طغيان البلاستيك حجماً ووزناً، وذلك بحدود 65 - 75 في المئة
من المواد المدروسة. والمصدر البري كان الغالب على المصدر
البحري. أما العدد المرمى في المتر المربع الواحد فيراوح بين
7,35 و102 قطعة، وهذا العدد يختلف تبعاً للظروف المحلية وتوافد
السياح ورمي النفايات في الجوار وكثافة الأنشطة الإنسانية
وغيرها. وفي تحليل لنوعية هذه النفايات فان الأوعية منها تشكل
مصدراً مهماً للمعلومات لأنها تحمل غالباً تسجيلات عن نوعية
الإنتاج وتاريخ صنعه.
أثبتت جميع التحقيقات والدراسات التي
أجريت حتى الآن النسبة المتزايدة للمواد البلاستيك في النفايات
العائمة والمرمية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى تحليل العينات
المأخوذة من "الجاروفة"، وهي طريقة عملية لدراسة النفايات
المستقرة في القعر والتي لا نعرف عنها الكثير من حيث ظروف
تراكمها والعوامل الفيزيائية الناتجة منها.
وتبدو النتيجة
حتمية، لأن صناعة البلاستيك قفزت قفزات كبيرة في السنوات العشرين
الأخيرة، وهي تحل تدريجاً محل المواد الطبيعية التي كانت تستعمل
سابقاً، وهي مواد متحللة تعود إلى الطبيعة وتشارك ثانية في دورة
الحياة. ونظراً إلى كونها لا تتحلل فإن تراكمها يدعو إلى القلق
لأنها تكوّن خطراً على أنواع عدة من الحيوانات البحرية كالحيتان
والسلاحف والأسماك والطيور التي تنخدع بمنظرها وتأكلها فتسبب لها
اضطرابات فيزيولوجية تؤدي إلى هلاكها. وتجدر الإشارة إلى أن 30
في المئة من الأسماك التي نصطادها في المتوسطنجد مواد بلاستيك في
جهازها الهضمي.
أما بالنسبة إلى الحيوانات والطحالب القاعية
فإن هذه المواد الصلبة تترسب في البحر وتغطيها فتحجب عنها أشعة
الشمس، فتموت هذه الطحالب، وتحلل المواد العضوية يستهلك كميات
كبيرة من الأوكسيجين فتختنق الحيوانات. وهذا ما يؤثر في
الحيوانات والأسماك التي تتغذى عادة بهذه
الكائنات.