English Version خريطة الموقعسجل عنوانكالجديد

المنشورات الدوريةالأبعاد
 
أبعـــــــاد
العدد السابع: حزيران/ يونيو 1998

حسنين توفيق إبراهيم: آفاق التطور السياسي والديمقراطي في مصر: بين تسلطية الثقافة السياسية وغياب القوى الديمقراطية (ص 256 - 293)
على الرغم من مرور أكثر من عشرين عاماً على تجربة التعددية الحزبية (المقيدة) في مصر (حدث الانتقال من صيغة التنظيم السياسي الواحد إلى صيغة التعددية الحزبية في تشرين الثاني/ نوفمبر من العام 1976)، فإن هناك انقساماً حاداً بين الحكم والمعارضة بشأن تقييم هذه التجربة واستشراف آفاقها المستقبلية. فالخطاب السياسي والإعلامي الرسمي يؤكد بصفة مستمرة أن مصر تعيش حالياً أزهى عصور الحرية والديمقراطية، وأن الالتزام بالديمقراطية هو من ثوابت الحكم وسماته. كما أن القيادة السياسية حريصة على ترسيخ المسار الديمقراطي وعدم التراجع عنه مهما كانت الظروف. وفي المقابل فإن الخطابات السياسية للمعارضة بمختلف فصائلها (القومية واليسارية والليبرالية والإسلامية) تقف على النقيض من ذلك تماماً. فهي تركز على شكل مكثف على عدد من المقولات العامة خلاصتها أن الديمقراطية في مصر هي شكل بلا مضمون حقيقي، أي هي مجرد ديكور أو غطاء خارجي لسلطة مركزية عاتية، تستغل بعض الإجراءات ذات الطابع الديمقراطي من أجل تكريس سلطتها وامتيازاتها، وبخاصة أن قواعد اللعبة السياسية الديمقراطية غير واضحة وغير مستقرة. فضلاً عن وجود ترسانة من القوانين الاستثنائية والقواعد والإجراءات السياسية والإدارية والأمنية التي تطبقها السلطة الحاكمة، والتي تمثل في نهاية الأمر قيوداً على حقوق المواطنين وحرياتهم من ناحية، كما تهمش دور أحزاب وقوى المعارضة من ناحية ثانية. فضلاً عن كونها ترسخ واقع احتكار الحكومة وحزبها (الحزب الوطني الديمقراطي) للسلطة، بل ولساحة العمل السياسي عموماً من ناحية ثالثة. ومن هنا فإن أحزاب وقوى المعارضة تجعل قضية الإصلاح السياسي والديمقراطي على رأس أولوياتها، ولو على مستوى الخطاب السياسي.
ولا شك في أن هذا الانقسام الحاد بين الحكم والمعارضة في شأن تقويم تجربة التعددية الحزبية (المقيدة)، وذلك بعد مرور أكثر من عشرين عاماً على ممارسة العمل السياسي في إطارها، إنما يكشف في جانب منه عن واحدة من أبرز إشكاليات التطور السياسي والديمقراطي في مصر، وهي الخاصة بغياب الحد الأدنى من الاتفاق بين مختلف أطراف العملية السياسية حول مجموعة من القيم والمعايير الديمقراطية التي يتم في إطارها تحديد قواعد اللعبة السياسية وأولوياتها من ناحية، كما تكون بمثابة المرجعية الفكرية والسياسية التي يتم الاحتكام إليها لتقويم واقع الممارسة السياسية والعمل من أجل تطويره في اتجاه المزيد من الديمقراطية من ناحية أخرى. وجوهر المشكلة هنا أن كل طرف (الحكم من جانب وأحزاب وقوى المعارضة من جانب آخر) ينظر إلى قضية الديمقراطية من منظار مختلف عن الآخر. وهو الأمر الذي يجعل الخطابات السياسية حول تلك القضية مصبوغة بطابع السجال الأيديولوجي والسياسي وتبادل الاتهامات وليس الحوار العقلاني الموضوعي الذي تحكمه مجموعة من القيم والمعايير التي تكوِّن الأساس المعنوي والأخلاقي لأي تطور ديمقراطي حقيقي، والتي تحظى بالقبول والاحترام من قبل مختلف القوى والتيارات سواء في الحكم أو في المعارضة.

وبعيداً من تصورات وسجالات كل من الحكم والمعارضة في شأن تقويم تجربة التعددية الحزبية (المقيدة)، فقد اهتم عدد من الخبراء والباحثين، المصريين وغير المصريين، برصد تلك التجربة ودراستها بعمق للكشف عن الأسباب والدوافع الحقيقية التي قادت إلى الانتقال من صيغة التنظيم السياسي الواحد (الاتحاد الاشتراكي العربي) إلى صيغة التعددية الحزبية المقيدة، مع تحليل استراتيجيات وآليات إدارة عملية الانتقال هذه، سواء من قبل السلطة الحاكمة أو من قبل قوى وأحزاب المعارضة. فضلاً عن تقويم مخرجاتها وانعكاساتها على مختلف جوانب العملية السياسية. وعلى الرغم من تعدد المقتربات النظرية والأساليب المنهجية التي اعتمد عليها الباحثون المعنيون في هذا المجال، فإن أغلبهم خلص إلى نتيجة عامة واحدة، مفادها أن ما تشهده مصر منذ منتصف السبعينات على الصعيد السياسي الداخلي هو حالة من الانفتاح السياسي المقنن، الذي يعبر عن "إنفراجة ديمقراطية" أو "هامش ديمقراطي" يضيق أحياناً، ويتسع - نسبياً - في أحيان أخرى بحسب الظروف والمستجدات، الداخلية والخارجية، ذات التأثير في السياسة والمجتمع في مصر.
وقد أضفت هذه "الانفراجة الديمقراطية" على النظام السياسي المصري طابعاً مختلطاً، فأصبحت سمته الأساسية هي الجمع بين بعض خصائص وآليات النظم السلطوية من جانب، وبين قليل من خصائص وآليات النظم الديمقراطية من جانب آخر. وينظر بعض الباحثين إلى تلك السمة المختلطة للنظام السياسي على أنها تعبير عن جوهر مرحلة الانتقال من السلطوية إلى الديمقراطية التي بدأت في مصر منذ منتصف السبعينات، ولم تكتمل حلقاتها بعد. فهي لا تزال مستمرة مع كل ما يصاحب مراحل الانتقال من اضطراب وعمومية وبعض مظاهر عدم الاستقرار. وليس هناك ما يرجح احتمال انتهاء هذه المرحلة خلال الأجلين القصير والمتوسط، وذلك بافتراض عدم حدوث حالة انتكاس حادة يترتب عليها التراجع عن التجربة برمتها، وبخاصة أن هناك سوابق عديدة في هذا المجال وبالذات في العالم الثالث (حالات التحول من نظم شبه ديمقراطية تقوم على أشكال من التعددية السياسية والحزبية إلى نظم دكتاتورية، مدنية أو عسكرية).

وفي ضوء ذلك فإن الحالة الراهنة للتطور السياسي والديمقراطي في مصر تطرح العديد من القضايا والتساؤلات حول آفاق هذا التطور واحتمالاته المستقبلية. من هنا تبدو أهمية الرصيد الدقيق والتحليل الواعي للإشكاليات والتحديات المرتبطة بتجربة التعددية الحزبية المقيدة في مصر، التي جعلت تلك التجربة تراوح على مدى عقدين من الزمان عند حدود الهامش الديمقراطي أو الانفراجة الديمقراطية المرتهنة أساساً بإرادة القيادة السياسية، وليس بضمانات دستورية وقانونية حقيقية أو بمقومات اقتصادية واجتماعية راسخة ومستقرة أو بأطر ثقافية وقيمية ملائمة. ومن خلال رصد دلالات التطور السياسي في مصر خلال مراحل تاريخية سابقة من ناحية، وتحليل ديناميات الواقع السياسي المصري في الوقت الراهن من ناحية أخرى، يمكن القول إن أهم إشكاليات وتحديات التطور السياسي الديمقراطي في مصر تتمثل بعدم تجذر قيم الديمقراطية في بنية الثقافة السياسية للمصريين وغلبة الطابع التسلطي على تلك الثقافة. وغياب أو ضعف القوى السياسية والاجتماعية الديمقراطية، حيث لا يمكن الحديث عن وجود حركة سياسية ديمقراطية واسعة النطاق داخل مصر على غرار ما عرفه - ويعرفه - بعض دول العالم الثالث الأخرى؛ فضلاً عن عدم ملاءمة الإطار الدستوري والقانوني القائم لهدف تدعيم المسار الديمقراطي وترسيخه؛ وضعف وهشاشة أغلب المؤسسات السياسية وعجزها عن القيام بدور فاعل ومؤثر في عملية التحول الديمقراطي.
إضافة إلى ما سبق، فإن هناك قضايا وإشكاليات أخرى وثيقة الارتباط بعملية التطور السياسي والديمقراطي منها: استمرار بعض المشكلات الاقتصادية والاجتماعية الحادة والمتزامنة التي تلقي بتأثيرات سلبية على عملية التطور الديمقراطي سواء بوجه مباشر أو بوجه غير مباشر. فضلاً عن عدم وضوح طبيعة واتجاه تأثير سياسات التخصصية التي تنفذها الدولة حالياً في مجال الاقتصاد في العملية السياسية الديمقراطية. وحتى الآن لا يبدو أن لهذه السياسات تأثيراً إيجابياً في دفع عملية التطور الديمقراطي إلى الأمام، إذ إن الاتجاه نحو اللامركزية في الاقتصاد لم يتزامن معه أو يترتب عليه حدوث اتجاه مماثل نحو لامركزية حقيقية في مجال السياسية. والسؤال هنا هو: إلى أي مدى يمكن أن تستمر تلك الوضعية (تخصيص الاقتصاد ومركزية السياسة) في المستقبل؟ وهناك أيضاً إشكالية علاقة القوى والتيارات الإسلامية المسيسة، الموجودة على الساحة السياسية كأمر واقع، بقضية الديمقراطية، وتلك مسألة معقدة. فهل يمكن إنجاز تحول ديمقراطي حقيقي مع استبعاد التيارات الإسلامية المعتدلة التي تقبل بممارسة العمل السياسي ضمن الإطار السياسي القائم؟ وإذا كانت الإجابة عن هذا السؤال "نعم"، فما هي الآثار السياسية التي يمكن أن تترتب على استبعاد هذه التيارات من دائرة العمل السياسي الرسمي؟ أما إذا كانت الإجابة "لا"، فما هي إذن شروط ومتطلبات إدماج تلك التيارات في هيكل النظام السياسي القائم؟ وما هي آليات إنضاج تلك الشروط؟ كما لا يمكن استشراف مستقبل التطور السياسي والديمقراطي في مصر بمعزل عن رصد وتحليل وضعية المؤسسة العسكرية ودورها في إطار تلك العملية. وأخيراً فإن هناك بعض القضايا والإشكاليات النابعة من البيئة الخارجية (الإقليمية والدولية) للنظام السياسي المصري حيث من المؤكد أنه لا يمكن فهم الديناميات السياسية الداخلية في مصر بمعزل عن بعض المتغيرات الخارجية ذات التأثير المباشر أو غير المباشر في الأوضاع والتوازنات السياسية والاقتصادية الداخلية.

وجدير بالذكر أن القضايا والاشكاليات السابقة تعد بمثابة المحددات الحاكمة لمستقبل التطور السياسي والديمقراطي في مصر. وهي ليست حكراً على مصر وحدها، بل يشاركها فيها أو في بعضها على الأقل العديد من دول العالم الثالث الأخرى التي تمر بتطورات سياسية مماثلة خلال مراحل الانتقال من نظم سياسية تسلطية مدنية أو عسكرية إلى نظم ديمقراطية أو شبه ديمقراطية تقوم على أشكال من التعددية السياسية والحزبية، وإن كان هذا لا ينفي أن بعض تلك الإشكاليات قد يكتسب خصوصيات معينة في هذه الدولة أو تلك. كما أنها قضايا وإشكاليات مترابطة ومتداخلة، أي يؤثر بعضها في البعض الآخر، وهو ما يعمق من تأثيراتها في عملية التطور الديمقراطي.
ونظراً إلى صعوبة تناول كل القضايا والإشكاليات السابق ذكرها بشيء من التفصيل في مثل هذه الدراسة الموجزة، فإن اهتمامنا سوف ينصب على إثنتين منها فقط، أولاهما، ضعف القيم الديمقراطية في بنية الثقافة السياسية للمصريين وغلبة الطابع السلطوي على تلك الثقافة؛ وثانيتهما، غياب أو ضعف القوى السياسية والاجتماعية الديمقراطية، أي التي تحمل المشروع الديمقراطي وتبشر به وتعمل من أجل تطبيقه وإرساء قواعده. وجدير بالذكر ان التركيز على هاتين القضيتين لا يعني بحال من الأحوال التقليل من شأن القضايا والإشكاليات الأخرى، ولكنه هو اختيار تحتمه طبيعة الدراسة وحدودها من ناحية، كما أن القضيتين موضع الدراسة لهما وضعية مؤثرة، بل وحاكمة بالنسبة إلى عدد من القضايا الأخرى المرتبطة بالتطور الديمقراطي من ناحية ثانية.
وقبل أن تعرض الدراسة كلاً من القضيتين السابقتين بشيء من التفصيل، فإنها ستعرض أهم ملامح وخصوصيات حالة التطور السياسي والديمقراطي في مصر في الوقت الراهن، لكون ذلك هو المدخل الرئيسي للبحث في الإشكاليات والقضايا الحاكمة لهذا التطور حاضراً ومستقبلاً.

أولاً: أهم ملامح وخصوصيات التطور السياسي والديمقراطي في مصر في الوقت الراهن

لقد سبق القول إن السمة الرئيسية للنظام السياسي المصري في ظل التعددية الحزبية المقيدة هي الجمع والمزاوجة بين بعض خصائص النظم السلطوية من ناحية وبين قليل من خصائص وسمات النظم الديمقراطية من ناحية أخرى، أي لا هو بالتسلطي الفج ولا بالديمقراطي الحقيقي. وتتجلى تلك الطبيعة المختلطة للنظام السياسي في مظاهر ومؤشرات عديدة نذكر منها ما يلي:
1 - إن التعددية الحزبية المقيدة والانفتاح السياسي الجزئي، وإن كانا قد أحدثا تغيرات في شكل النظام السياسي، فضلاً عن كونهما يعبران بدرجة أو بأخرى عن خطوات أكثر تقدماً على طريق الديمقراطية، وذلك إذا ما نُظر إلى الحالة المصرية في سياق مقارن مع بعض الدول العربية والعالم الثالث الأخرى، إلا أنه لم يترتب عليهما، أي التعددية الحزبية المقيدة والانفتاح السياسي الجزئي، حدوث تغيرات جوهرية وحقيقية في طبيعة السلطة وأسلوب ممارسة الحكم، إذ لا تزال المركزية الشديدة للسلطة هي السمة الرئيسية للنظام السياسي، حيث إن رئيس الدولة، بسلطاته وصلاحياته الدستورية والواقعية هي محور العملية السياسية. وعموماً فإن هذه الظاهرة تكوِّن استمرارية لأحد التقاليد الراسخة في الخبرة السياسية المصرية على مر العصور.
2 - إن وجود 14 حزباً سياسياً على الساحة السياسية (حتى منتصف عام 1996)، وتأمين الوجود الفيزيقي المادي لهذه الأحزاب، لا يقدم دليلاً على وجود نظام حزبي تعددي (حقيقي)، وذلك نظراً إلى عدم التوازن الكبير بين الحزب الوطني الذي يترأسه رئيس الدولة (حزب الدولة) وبين بقية الأحزاب السياسية. ولذلك يصنف الباحثون المتخصصون النظام الحزبي المصري في دائرة نظام الحزب "المهيمن" أو "المسيطر"، حيث تقوم الحياة الحزبية على وجود حزب كبير يهيمن على السلطة ويمارس دوره بعقلية التأبيد فيها. وإلى جواره توجد مجموعة أحزاب صغيرة، تتفاوت فيما بينها من حيث الحجم والقدرة على التأثير، إلا أنه أياً منها لا يمتلك أمل الوصول إلى السلطة، أو حتى المشاركة فيها بفاعلية إذا ما استمرت الأوضاع الراهنة على ما هي عليه. ولذلك فإن أحزاب المعارضة لا تشكل تحدياً حقيقياً للحزب الوطني، ولم تستطع حتى الآن أن تطرح بديلاً سياسياً جدياً لهذا الحزب الذي يستمد قوته من مصدرين لا علاقة لهما بطبيعته كحزب: أولهما، تولي رئيس الدولة رئاسة الحزب؛ وثانيهما، وجود تداخل كبير بين أجهزة الحزب وأجهزة الدولة، وتوظيف الأخيرة - بأوجه مختلفة - لدعم الحزب ومساندته، وبخاصة في مواسم الانتخابات.
لذلك فإن أحزاب المعارضة كثيراً ما طالبت - وتطالب - بضرورة تخلي رئيس الدولة عن رئاسة الحزب الوطني، وذلك حتى تتحقق فرص المنافسة المتكافئة بين الأحزاب، إلا أن مؤسسة الرئاسة ترفض الاستجابة لهذا المطلب لاعتبارات عديدة ليس هنا مجال الخوض فيها.
3 - إن هامش حرية الصحافة الذي تتمتع به أحزاب المعارضة التي لديها صحف، والذي يعد أحد الملامح الرئيسية لتجربة التعددية الحزبية (المقيدة) في مصر، هذا الهامش، ومع أهميته لتدعيم مسيرة التطور الديمقراطي، ما زالت فاعليته في التأثير محدودة في ظل استمرار سيطرة الدولة على الإعلام المسموع والمرئي (الإذاعة والتلفزيون)، وبخاصة أن الأخير هو الأكثر تأثيراً في تكوين توجهات الرأي العام. فضلاً عن استمرار سيطرتها على الصحف الكبرى المسماة "الصحف القومية". ناهيك عن وضع عراقيل وشروط تعجيزية في شأن حرية المواطنين في إصدار الصحف. إضافة إلى ما سبق، فإن الحكومة تقوم في الأغلب الأعم بتجاهل ما يُكتب في صحف المعارضة، بل وكثيراً ما تتهم بعض هذه الصحف، والأحزاب التي تصدرها، بالكذب والتلفيق والعمالة لقوى داخلية غير مشروعة أو لجهات أجنبية، فضلاً عن البعد من روح المسؤولية، وذلك بتعمد لغة الإثارة والبلبلة والمزايدة السياسية التي تشوه كل إنجاز إيجابي للحكومة.
من هنا فقد طالب - ويطالب - كثيرون بضرورة تحقيق شروط فاعلية الكلمة وليس مجرد السماح بحرية الكلمة. وعموماً، فإذا كانت الحكومة تُنتقد بسبب تجاهلها شبه المستمر بما يُكتب في أغلب صحف المعارضة، فإن الأحزاب التي تصدر هذه الصحف تُنتقد أيضاً بسبب التجاوزات والمهاترات التي تخرط فيها صحفها في بعض الأحيان. وهذا عيط اللثام عن واحدة من أهم إشكاليات التطور السياسي والديمقراطي في مصر، وهي الخاصة بعدم وجود علاقة صحية وصحيحة بين الحزب الوطني الحاكم وبين أحزاب المعارضة. فالأول يمارس دوره بمنطق احتكار السلطة والتأبيد فيها، وهو لذلك لا يهتم كثيراً بالأحزاب الأخرى، وبخاصة أن أغلبها أحزاب ضعيفة ومحدودة الفاعلية. ونظراً إلى ذلك فإنها تمارس العمل السياسي تحت وطأة إحساس عميق بالبقاء في صفوف المعارضة إلى الأبد، إذ إن أغلبها لا يمتلك أمل الوصول إلى السلطة أو حتى المشاركة فيها، وهو ما يدفع صحفها في بعض الأحيان إلى الشطط والانخراط في بعض الممارسات الصحفية غير المسؤولة.
لذلك فإن إعادة صياغة العلاقة بين الحكم والمعارضة على أسس جديدة ومستقرة، تجعل المعارضة تشعر بأنها جزء من النظام السياسي، وبخاصة وأنه لا توجد ديمقراطية حقيقية من دون معارضة حقيقية ومسؤولة، وتجعل الحكم يدرك في الوقت نفسه أن إفساح المجال أمام مختلف قوى وأحزاب المعارضة للمشاركة في الحياة السياسية بفاعلية، إنما يمثل أحد المقومات الأساسية لتدعيم الدستورية القانونية كمصدر للشرعية ولتحقيق الاستقرار السياسي الطبيعي. وجدير بالذكر أن إعادة صياغة العلاقة بين الطرفين (الحكم والمعارضة) على النحو السابق ذكره إنما تعد عنصراً أساسياً لتدعيم التطور الديمقراطي ولإرساء تقاليد سياسية ديمقراطية. ومثل هذا التطور لا يتحقق إلا من خلال حوار سياسي جاد ومسؤول بين الحكم والمعارضة للتفاهم على أسس وقواعد اللعبة السياسية الديمقراطية.
4 - إن الاستقلال الملحوظ الذي تتمتع به السلطة القضائية في ظل التعددية السياسية المقيدة، والذي يجد سنده في النصوص الدستورية التي تؤكد مبدأ استقلال القضاة والسلطة القضائية، ويجد ترجمته الواقعية في عدد الأحكام القضائية الصادرة ضد السلطة التنفيذية في العديد من المنازعات التي كانت طرفاً فيها، هذا الاستقلال يتعين النظر إليه في ضوء بعض التشريعات القانونية والممارسات الواقعية التي مثلت - وتمثل - مساساً بمبدأ استقلال القضاء. فهناك من ناحية قانون الطوارئ وترسانة القوانين الاستثنائية الأخرى التي يجري العمل بها، والتي تم في إطارها تأليف بعض أنواع المحاكم الاستثنائية التي تمثل نوعاً من القضاء الموازي للقضاء الطبيعي، وهو ما أوجد حالة من الازدواجية في النظام القضائي. وهناك من ناحية ثانية الاعتبارات القانونية والسياسية التي تستغلها السلطة التنفيذية للتدخل بأشكال مختلفة في شؤون القضاء. وهناك من ناحية ثالثة شيوع ظاهرة عدم تنفيذ الأحكام القضائية، حتى من قبل الدولة نفسها في بعض الأحيان، وهو ما يؤثر بالسلب في مصداقية الأحكام القضائية وفاعليتها.
5 - على الرغم من الانتظام في إجراء الانتخابات، المحلية والبرلمانية، وهو ما يعطي الانطباع بالاتجاه نحو إضفاء الطابع المؤسسي على العملية الديمقراطية، فإن ظاهرة تدخل بعض أجهزة الدولة للتأثير في نتائج الانتخابات ثابتة وموثقة. وعادة ما يتم ذلك من خلال أساليب عديدة منها: صياغة القوانين الانتخابية على النحو الذي يضمن للحزب الوطني الفوز بأغلبية كبيرة تضمن له السيطرة شبه الكاملة على مقاليد السياسة التشريعية. وقد سبق أن حكمت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية القانون الانتخابي الذي أُجريت على أساسه انتخابات 1984، الأمر الذي ترتب عليه حل المجلس قبل أن يستكمل مدته الدستورية. وقد تكرر السيناريو نفسه بالنسبة إلى انتخابات 1987. وهكذا تم حل مجلسين متتاليين قبل استكمال مدتهما الدستورية نظراً إلى عدم دستورية القانون الذي أُجريت على أساسه الانتخابات في الحالتين.
إضافة إلى ذلك فإن هناك سلسلة من الإجراءات التنفيذية والإدارية والأمنية والإعلامية التي يتم حشدها وتوظيفها خلال الانتخابات لتعظيم مكاسب الحزب الوطني وتقليص فرص أحزاب المعارضة، وبخاصة وأن الانتخابات العامة تُجرى عادة في ظل إشراف قضائي شكلي لا يمثل بحال من الأحوال ضماناً لنـزاهتها، وذلك ليس لسبب إلا لمحدودية هذا الإشراف وعدم تغطيته مختلف أبعاد العملية الانتخابية ومراحلها. وعلى سبيل المثال، عقب انتخابات مجلس الشعب الأخيرة التي جرت في تشرين الثاني/نوفمبر - كانون الأول/ديسمبر 1995، أصدرت محكمة النقض أحكاماً ببطلان عضوية 120 نائباً، معظمهم من أعضاء الهيئة البرلمانية للحزب الوطني الديمقراطي (من المعروف أن إجمالي عدد أعضاء البرلمان المنتخبة هو 444 عضواً).
وقد سبق أن حدث الشيء نفسه بالنسبة إلى انتخابات 1987، وانتخابات 1990. وفي جميع الحالات لم يلتزم مجلس الشعب تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة بخصوص بطلان عضوية بعض النواب، وذلك بوصفه "سيد قراره" في شأن الفصل في صحة عضوية أعضائه. وهكذا فإن مصداقية العملية الانتخابية كأسلوب ديمقراطي يتيح للشعب اختيار ممثليه في جو من الحرية والنزاهة لم تترسخ بعد كجزء من تقاليد العمل السياسي في مصر، على الرغم من مرور أكثر من عشرين عاماً على تجربة التعددية السياسية المقيدة. فانتخابات 1984 أُجريت استناداً إلى قانون انتخابي غير دستوري، وقد تم حل المجلس قبل استكمال مدته على نحو ما سبق ذكره. وكذلك الحال بالنسبة إلى انتخابات 1987. أما انتخابات 1990 فقد قاطعها أغلب أحزاب وقوى المعارضة الرئيسية، وذلك لرفض الحكومة الاستجابة لمطالب المعارضة في شأن توفير ضمانات نزاهة الانتخابات.

وأخيراً، فإن انتخابات 1995، شاركت فيها كل أحزاب المعارضة، إلا أنها حصلت على أضعف تمثيل لها في البرلمان منذ بدء تجربة التعددية الحزبية المقيدة في منتصف السبعينات، وذلك لاعتبارات عديدة يمكن فهمها في ضوء صدور أحكام من محكمة النقض ببطلان عضوية 120 نائباً بالمجلس، أغلبهم من نواب الحزب الوطني. أما بالنسبة إلى المجالس المحلية فتكاد تكون حكراً على الحزب الوطني، وبخاصة أن أغلب أحزاب المعارضة قد دأبت على مقاطعة الانتخابات المحلية، إنطلاقاً من الاقتناع بعدم جدواها، ولكن السبب الأهم من ذلك هو ضعف قدرة هذه الأحزاب على الدخول في منافسة حقيقية مع الحزب الوطني على مستوى المحليات.


حول المركز

محاور
					
					
					
					
					 الابحاث

الأنشطة

المنشورات

الدراسات

مصادر

مقالات
					
					
					
					
					 الموقع