العدد الثامن: تشرين الأول/ أكتوبر
1998
نصري قعوار: دور الأسمدة
والمبيدات في تلويث البيئة والأغذية النباتية
مرّ
الإنتاج الزراعي عبر العصور بمراحل مختلفة من حيث الوسائل
المستخدمة بالزراعة، ولغاية الثلث الأول من القرن العشرين كان
الإنتاج الزراعي في أغلبيته تقليدياً ولم تكن الأسمدة والمبيدات
الكيميائية المصنعة معروفة.
وفي أواخر الأربعينات، أي منذ نحو
نصف قرن، بدأت الزراعة تتحول إلى زراعة مكثفة، الأمر الذي أحدث
تحولاً جذرياً في الوسائل المتبعة، وبالتالي ازداد الاعتماد على
الأسمدة لزيادة الإنتاج من مختلف المحاصيل الحقلية والخضار
والفاكهة. وفي الفترة نفسها حدث تحول كبير بالنسبة إلى المبيدات،
إذ تم اختراع المبيدات الكيميائية المصنعة وجرى تصنيعها بكميات
كبيرة وأصبحت في متناول المزارعين وبأسعار زهيدة مقابلة
بالمبيدات المستخرجة من النباتات التي كانت مستعملة في ذلك
الوقت.
ويختلف دور كل من الأسمدة والمبيدات الكيميائية في
طريقة تلويثها للبيئة، إذ إنها تختلف من حيث تركيبها الكيميائي.
أما أخطار المبيدات فهي أكثر كثيراً من أخطار الأسمدة.
1 - الأسمدة
تستعمل
الأسمدة بالتربة لتغذية النباتات، وتحتاج الصنوف الجديدة من
المحاصيل الحقلية والخضار إلى كميات مرتفعة من الأسمدة
الكيميائية للحصول على إنتاج جيد. أما الخطر الناجم عن الاستعمال
المكثف فيكمن في أنها تترسب مع مياه الري إلى المياه الجوفية
وتتحول إلى مركبات أخرى، فتتحول الأسمدة النيتروجينية أو
الأزوتية مثلاً إلى مركبات النيترات Nitrates وقد تصل على هذا النحو إلى
مياه الشرب، وبعدها يمكن أن تتحول في معدة الإنسان، وبخاصة لدى
الأطفال، إلى مركبات النيترايت Nitrites، وبعدها يمكن الدم في الجهاز
الهضمي لتنتج مركب Methaemoglobin الذي يمنع دخول الأوكسيجين إلى الدم في الرئتين، الأمر
الذي يسبب التسمم Cyanosis.
وقد حددت منظمة الصحة العالمية ومنظمات أخرى الحد الأقصى
للنيترات بالمياه لـ50 جزءاً بالمليون، أما النيترايت فالحد
الأقصى هو 0,1 جزء بالمليون فقط.
لا توجد دراسات وافية عن
تلوث المياه بالنيترات في لبنان، وقد تبين من دراسة قديمة أن
نسبة النيترات في المياه الجوفية في البقاع الجنوبي بلغت 49
جزءاً بالمليون مقابل 18 جزءاً بالمليون في وسط سهل البقاع، وتعد
هذه النسب مرتفعة، وبخاصة في البقاع الجنوبي. ولا بد من إجراء
دراسات جديدة عن مدى تلوث المياه الجوفية والسطحية في المناطق
الزراعية في لبنان نظراً إلى تزايد استخدام الأسمدة منذ إجراء
هذه الدراسة.
2 - المبيدات
الكيميائية
يعود تاريخ استخدام مبيدات الآفات
الحشرية على المزروعات، وكذلك الحشرات التي تنقل الأمراض للإنسان
وللحيوان، إلى ما قبل الميلاد. وثمة مصادر عديدة أن أول استخدام
للمواد الكيميائية في هذا المجال كان عام 1000 قبل الميلاد، حين
استخدم الكبريت بواسطة التبخير لمكافحة الحشرات في المنازل.
ويظهر الإطار التالي لمحة تاريخية عن تطور استخدام
المبيدات.
بيد أنه، ولغاية منتصف القرن العشرين، لم يكن
للمبيدات إلا دور ثانوي في مكافحة الحشرات. وفي الأربعينات بدأ
عهد المبيدات الكيميائية المصنعة حين تم اختراع المبيدات
الكلورينية والفوسفورية العضوية. وفي عام 1951 بدئ بتصنيع
المبيدات الكربمانية. وقد أثبتت هذه المبيدات فاعليتها في مكافحة
الحشرات، الأمر الذي ساهم في الاعتماد عليها واستخدامها على نطاق
واسع، ولكن على نحو عشوائي في بعض الحالات.
ولا بد هنا من ذكر
تاريخ
DDT، إذ
إن من قام بتصنيع هذا المركب أول مرة كان الطالب في الكيمياء
الأحيائية أو ثمار زيدلر في جامعة ستراسبورغ، الذي حصل على شهادة
الدكتوراه في الكيمياء عام 1873. ولكنه لم يعلم أي شيء عن فاعلية
هذه المادة، وقد أمضى بقية حياته يعمل صيدلياً في فيينا. ولا بد
من التساؤل عن مدى إمكان التحول في مجرى التاريخ من خلال الحرب
العالمية الأولى وانهيار البلقان وروسيا القيصرية لو أن حشرة
دخلت إلى مختبر زيدلر ولامست المركب الذي اخترعه وعلم مدى
فاعليته كمبيد للحشرات. ذلك أن الأمراض التي تنقلها الحشرات،
وبخاصة الملاريا والتيفوس والطاعون، فتكت بالآلاف من الجنود خلال
هذه الحروب. وفي عام 1939 أعاد ميولر تصنيع DDT في سويسرا، واكتشف فاعليته
كمبيد، ونال جائزة نوبل في عام 1948 على هذا الاكتشاف. وأول مرة
في التاريخ، حصل الإنسان على سلاح فتاك ضد الآفات الناقلة
للأمراض، التي كانت تقتل الملايين. وقد استخدم DDT على نطاق واسع خلال الحرب
العالمية الثانية ونجح في استئصال مرضي التيفوس والملاريا في
إيطاليا، من خلال القضاء على حشرتي القمل والبعوض. وفي الهند،
وبنتيجة استخدام DDT
لمكافحة البعوض الناقل لجرثومة الملاريا، انخفض عدد الإصابات
بالملاريا من 100 مليون عام 1933 إلى 150 ألفاً عام 1966، كما
انخفض عدد الوفيات السنوية من 750 ألفاً إلى 1500. ومن المرجح أن
الحد من عدد الوفيات نتيجة استخدام هذا المبيد كان من الأسباب
الرئيسية التي ساهمت في "الانفجار السكاني" العالمي.
في بادئ
الأمر، لم يكن هناك وعي كافٍ لأخطار المركبات الكلورينية العضوية
على صحة الإنسان والحيوان والبيئة، إلا أن الاهتمام بهذا الموضوع
بدأ بعد صدور كتاب الربيع الصامت ومن بعده كتاب المبيدات
والطبيعة الحية. ومن الثابت أن المبيدات الكلورينية العضوية تبقى
في البيئة سنوات عديدة وتذوب في المواد الدهنية. لذا فهي تتجمع
في الطبقة الدهنية لدى الإنسان والحيوان، وتدخل في السلسلة
الغذائية، فتزداد نسب متبقياتها في الكائنات الحية بحسب
تطورها.
هناك طريقة تحول بعض هذه
المبيدات في البيئة، أما المركبات الناتجة من هذا التحول فهي أشد
سمية للإنسان والحيوان من المركبات الأساسية وفترة بقائها في
البيئة طويلة جداً، وقد تصل إلى أكثر من 30 سنة، لأنها تتحول إلى
حلقات مقفلة لا تتأثر بأي عوامل خارجية. كما ان طريقة دخول
المبيدات وتحركها، وبخاصة المركبات الكلورينية العضوية، في
السلسلة الغذائية، عند استخدام أحد المبيدات على المحاصيل، ينتقل
جزء منه إما إلى المياه الجوفية عن طريق التربة أو إلى الأنهار
والبحيرات مباشرة ويتركز أولاً في النباتات المعلقة
Plankton، وحين يتغذى بعض الكائنات
الآخر الموجود في المياه، كالحشرات، على هذه النباتات فهو يحصل
أيضاً على متبقيات المبيد وتزداد نسبة تركيزه في أجسامه، وبعدها
تتغذى الأسماك على الحشرات، التي تقع بدورها فريسة الطيور
والإنسان وترتفع نسبة تركيز المبيد في هذه الكائنات. أما عملية
تزايد نسبة تركيز المبيدات في الكائنات الحية بحسب تطورها، وذلك
عن طريق السلسلة الغذائية. وبينت نتائج دراسة أجريت في
كاليفورنيا في الخمسينات على المركبات الكلورينية العضوية، أن
نسبة تركيز المبيد في الطيور زادت عن طريق السلسلة الغذائية إلى
80000 ضعف على النسبة الموجودة في المياه.
أما المبيدات
الفوسفورية العضوية الكربماتية، فهي خطرة على الإنسان والحيوان
نظراً إلى تأثيرها في جهازيهما العصبيين، فضلاً عن أن سمية بعضها
مرتفعة جداً. وفي الستينات بدأ تصنيع المركبات البيريثرويدية،
وهي على العموم منخفضة السمية وسريعة التفكك، إلا أنها تؤثر في
أنواع مختلفة من الحشرات، وبالتالي فهي تقضي على الحشرات النافعة
والضارة في الوقت نفسه. ويعتقد عدد من العلماء أن الاستخدام
المكثف للمبيدات البيريثرويدية قد ساهم في الإخلال بالتوازن
البيئي بين بعض الآفات الحشرية وأعدائها الطبيعية، الأمر الذي
أدّى إلى التكاثر الهائل لهذه الآفات، ومشكلة الذبابة البيضاء
حالياً في العالم هي أحسن مثل على ذلك.
في عام 1973 صدر أول
قرار بحظر استخدام DDT في
الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا. ومن المفارقات أن السويد
التي منحت جائزة نوبل لـ ميولر على اكتشافه فاعلية DDT كانت أول دولة تمنع استخدامه.
وبعدها منع استخدام عدد كبير من المبيدات الكلورينية والفوسفورية
والكربماتية في البلدان المتطورة نظراً إلى خطورتها، فضلاً عن أن
بعضاً منها قد يسبب أمراضاً سرطانية. وأصدرت مؤسسة Pesticide Action
Network في الولايات المتحدة القائمة بالمبيدات الخطرة
أطلقت عليها اسم "الدزينة القذرة" وهي التالية:
الديكارب
تيميك - توكسافين - كلوردان وهيبتاكلور - دايبر وموكلوروبروبين -
دي دي تي - اثيلين دايبرومايد - وليندين - باراكوات - بارثيون
ومثيل باراثيون - بنتاكلور وفينول - 2, 4. 5 -ت
أما الوضع في البلدان النامية،
ومن ضمنها لبنان، فهو دون المستوى العالمي، إذ إن عدداً من
المبيدات المحظورة لا تزال تستخدم في العديد من هذه البلدان،
إضافة إلى أن المزارع يفتقد الوعي الكافي عن أخطار
المبيدات.
وقد بدأت فكرة استخدام الإدارة المتكاملة للآفات
بالانتشار في البلدان المتطورة
(Integrated Pest Management,
IPM). وقد طبقت
عملية الإدارة المتكاملة للآفات بنجاح على عدد من الآفات
الحشرية. وهذا هو الحل الأفضل بدلاً من الاعتماد الكلي على
المبيدات في مكافحة الآفات الزراعية، وقد بدأنا بإجراء بعض
التجارب على تطبيق الإدارة المتكاملة للآفات في لبنان وبخاصة على
الزيتون.