• Social Issues
    Sep 20, 2022

    الأطفال رهائن في بلدٍ تعصفُ به الأزمات

    • فادي نقولا نصّار، سارة هيغ
    الأطفال رهائن في بلدٍ تعصفُ به الأزمات
    Source: Getty

     

    يشهد لبنان أزمةً اقتصادية تتفاقمُ تدريجيًا منذ عام 2019، ولقد أدّت حالة الركود الحادّ، والتي طال أمدها، إلى تعزيز مشاعر اليأس المستمرّ في جميع أنحاء البلد.

     

    تتضاءل الركائز الأساسية لحقوق الإنسان بشكلٍ متزايد في لبنان، مثل الوصول إلى التعليم، والرعاية الصحّية، والمرافق الأساسية، والإسكان، والممتلكات، والدخل. وبينما يتّسع نطاقُ هذه المعاناة بشكل متسارع، يُساهِم هذا الوضع أيضًا في تعزيز الفوارق الهيكلية القائمة، ويؤثّر بالدرجة الأولى على الفئات التي تواجه حالات من الهشاشة المرتبطة بدورة الحياة، مثل الأشخاص ذوي الإعاقة أو العائلات التي تكافح من أجل تنشئة أبنائها.

     

    ولكنْ، فيما نتتبع جميعًا تطوُّرات الأزمة عبر هواتفنا ونُواكِب الانهيار اليومي للبلد، لم تتوفّر لدينا بيانات ومعلومات محدّثة كافية على المستوى الوطني.

     

    وفي دراسة نوعية جديدة بعنوان "الطفولة المحرومة"، تُسلِّط منظّمة اليونيسف الضوء على هذا المسار المتغيّر من الهشاشة والاغتراب في البلد، من خلال تصوير الجانب الإنساني للفقر المتزايد الذي يُعانيه الأطفال في لبنان بمختلف أبعاده. وبدلًا من الاعتماد على الإحصائيات، تنقل الدراسة الواقع المُقلِق الذي يعيشه الناس اليوم، فتوضح الصورة المرسومة الحاجةَ المُلِحَّة إلى اتّخاذ إجراءات تصحيحية من جانب جميع الجهات المعنيّة التي تتقاعس عن العمل من أجل وقف تفاقُم الأزمة وتنفيذ الإصلاحات اللازمة لضمان التعافي المستدام والشامل.

     

    انهيار العلاقات الأُسَرية وتراجُع الصحّة النفسية

     

    خلصت الدراسة إلى ثلاث نتائج أساسية:

     

    أوّلًا، تُنتهَك كلّ الحقوق الأساسية للأطفال في لبنان كما حدّدتها اتّفاقية الأمم المتّحدة لحقوق الطفل، أي حقّهم في الصحّة والرفاه والحماية والتعليم والحقّ في اللعب، بعبارة أخرى، حقُّهم الأساسي في أن يكونوا أطفالًا.

     

    وتتمثّل أبرز جوانب هذه الأزمة في الانهيار الاقتصادي وما يفرضه من قيود خانقة تجعل الأُسَر ومقدّمي الرعاية غير قادرين على إعالة أطفالهم. تتحدّث الأمّهات عن العجز عن علاج الأطراف المكسورة. ويلتقط الأطفال صورًا لمنازل فارغة حيث تمّ بيع جميع الممتلكات. ويعتبر أولياء الأمور أنَّ توفير وجبة طعام جيّدة على المائدة كلّ يوم أصبحَ حلمًا جاءَ ليحلّ محلّ الآمال والطموحات السابقة لأبنائهم.

     

    وبالإضافة إلى نقل واقع حياة الناس، تُجري اليونيسف أيضًا استطلاعًا وطنيًا منتظمًا حول رفاه الأطفال، حيث يتمّ الاتّصال بالعائلات نفسها كل ستة أشهر، ممّا يجعل من الممكن متابعة تطوُّرات الوضع مع مرور الوقت. أُجرِيَت جولةٌ أخرى من هذه الدراسة التجريبية-المعروفة بالتقييم السريع الذي يُركِّز على الطفل (CFRA) -في حزيران/يونيو الماضي ووجدت أنَّ 84 في المئة من الأُسَر في لبنان لا تمتلك ما يكفي من المال لتأمين الضروريات. علاوةً على ذلك، أظهرت الدراسة أنَّ طفلًا واحدًا من بين كلّ أربعة أطفال قد ذهبَ إلى فراشه وهو جائع في الفترة التي سبقت التقييم، وأنَّ الديون تتراكم بشكلٍ متزايد على كاهل الأُسَر.

     

    ثانيًا، إنَّ الانتهاك المضاعَف لهذه الحقوق الأساسية يؤثّر إلى حدّ كبير على الصحّة النفسية للأطفال، ولا سيّما في المراحل الأساسية التي يكتمل فيها نموّهم. وجدَت الدراسة أنَّ الأطفال يُظهِرون فهمًا عميقًا للأزمة الشديدة والأوضاع المتدهورة في البلد، ويُطاردهم القلق الدائم إذ يُدرِكون تأثير هذه الظروف على حياتهم ومستقبلهم. فشرحَ الأطفال أنَّهم يشعرون بثقل الأعباء المُلقاة على عاتق أهلهم، ولذلك لم يعودوا يطلبون أشياء كثيرة منهم. وفقًا للتقييم السريع، اعتبرَ اثنان من كلّ ثلاثة من الأهل أنَّ الصحّة النفسية لأبنائهم تدهورت خلال العام الماضي.

     

    ثالثًا، تؤدّي الهشاشة الشديدة للعائلات والأُسَر، وما يترتّب على ذلك من ضغوط يتعرّض لها الأطفال، إلى نشوء أزمة ثقة اجتماعية. تتزعزع الروابط الوثيقة بين الأبناء والأهل، والقائمة أساسًا على الثقة، بسبب عجز الأهل عن تلبية الاحتياجات الأساسية للأبناء. فمن ناحية، تتراجع ثقة الأبناء بذوهيم غير القادرين على إعالتهم. ومن ناحية أخرى، يشعر الآباء بالذنب بسبب عدم قدرتهم على تأمين هذه الاحتياجات الأساسية وفقدان ثقة أبنائهم واحترامهم لقدراتهم لناحية تقديم الرعاية لهم. ويتجلّى هذا التأثير بشكلٍ واضح في الأُسَر حيث انقلبَت الأدوار الأساسية فأصبحَ الأطفال هم من يكسبون المال، بينما أُجبِرَ الآباء على الدخول في دوّامة البطالة.

     

    متى يطفح الكيل؟

     

    لبنان ليس في حالة من ركود مؤقّت. نحن عالقون في أعماق "كسادٍ متعمّد" له تكلفةٍ باهظة، ولن يكون من السهل تدارُك الهشاشة المتزايدة للأطفال في لبنان، والتداعيات الوخيمة على طفولتهم وأحلامهم وعلى الروابط الوثيقة مع عائلاتهم.

     

    بشكل عام، هناك حاجة إلى إصلاحات جذرية في البلاد. ونحن نُدرِك أنَّ البلد لا يزال بحاجة إلى إصلاحٍ اقتصادي واسع النطاق. ولهذا السبب، لا يستطيع لبنان الحصول على دعم صندوق النقد الدولي. في موازاة ذلك، يتعين أيضًا إعادة إحياء الخدمات العامّة الأساسية وتوافرها، بما في ذلك التعليم والرعاية الصحّية والمرافق. بيد أنَّ التغيير لا يحدث إلّا في الاتّجاه المُعاكِس.

     

    يحتاج لبنان بشكل عاجل وفوري إلى إنشاء نظام حماية اجتماعية شامل وعادل وواسع النطاق من أجل الحدّ من أسوأ آثار الأزمة على حقوق الأطفال والأُسَر. لجميع الأطفال الحقّ في الحماية الاجتماعية، وبينما أنشأت بلدان أخرى برامج وطنية شاملة لمِنَح مُخصَّصة للأطفال، فإن أطفالُ لبنان لا يزالون محرومين من هذا الحقّ.

     

    وبعد مرور ثلاث سنوات على بداية الأزمة في لبنان، يبدو أنَّ المؤشّر الأكثر إثارةً للقلق والذي يُنذِر باقتراب البلد من الانهيار الكامل، هو عجزُ الآباء عن توفير الحقوق الأساسية لأبنائهم. بعبارة أخرى، من بين كلّ تداعيات الأزمة، إنَّ أكثر ما يُمثِّل تفكُّك العقد الاجتماعي في البلد هو تدهور العلاقات بين الأطفال وآبائهم.

     

    إن أُسُس المجتمع التي تُحدِّد هويتنا وتربط بعضنا بعضًا هي في طور الانهيار، وما من تدابير قصيرة الأمد لإخراج لبنان من دوّامة الركود، بل ثمة حاجة مُلِحَّة لاتّخاذ إجراءات حاسمة من أجل وقف تفاقُم الأزمة ووضع البلد على سكّة التعافي المستدام والعادل، إنْ لم يكن من أجلنا، فعلى الأقلّ من أجل أطفالنا.

    فادي نقولا نصّار

    زميل باحث في المركز اللبناني للدراسات LCPS وأستاذ مساعد في العلوم السياسية والشؤون الدولية ومدير معهد العدالة الاجتماعية وحل النزاعات في الجامعة اللبنانية الأمريكية (LAU).

    سارة هيغ
    .رئيسة قسم السياسة الاجتماعية لمكتب اليونيسف في لبنان
Sign up for our Newsletter
Thank you for subscribing to our newsletter!