• Economy
    Oct 04, 2022

    منظومات ريادة الأعمال المحلّية واستمرارية الاقتصادات الريفية

    • لينا س. مدّاح
    منظومات ريادة الأعمال المحلّية واستمرارية الاقتصادات الريفية
    Souk El Tayeb

     

    بالنظر إلى المشاكل الهيكلية في الاقتصاد اللبناني اليوم، بات التوصُّل إلى إجماعٍ حول العوامل التي تدعم ريادة الأعمال المحلّية أمراً ملحاً وضرورياً. فزيادة عدد المؤسّسات الصغيرة لن يؤدّي إلى دفع عجلة الاقتصاد إلّا في حال كانت الثقافات المحلّية قادرةً على تعزيز نموّها، كما عند توافر فُرَصٌ محلّية يمكن استغلالُها بشكل جيّد.

     

    من الناحية النظرية، إنَّ ثقافة ريادة الأعمال هي بيئةٌ حاضنة أو سياقٌ يُشجِّع أنشطة الأعمال التجارية التي تنطوي على "مجموعة مترابطة من الجهات الفاعلة في مجال ريادة الأعمال (المحتملة والموجودة)، والمنظّمات الداعمة في مجال ريادة الأعمال (مثل الشركات والمموّلين الاستثماريين ومموّلي الأعمال والمصارف)، والمؤسّسات (الجامعات، ووكالات القطاع العام، والهيئات المالية)، وعمليات ريادة الأعمال (مثل معدّل إنشاء الأعمال التجارية، وأعداد الشركات التي تُحقّق نموًّا مرتفعًا) التي تجتمع بشكلٍ رسمي وغير رسمي بهدف تأمين الترابُط والتوسُّط وإدارة الأداء ضمن بيئة ريادة الأعمال المحلّية."[1]

     

    في السياق اللبناني، من السهل تشخيص نقاط الضعف في الجهات المذكورة أعلاه، مقرونةً بانقطاع الترابُط فيما بينها. وعلى غرار أيّ مشاريع ريادية أخرى، من الضروري أن ندرس"روّاد الأعمال بحُكم الضرورة" في سياقٍ محلّي. فما هي الروابط المفقودة ضمن المناطق الريفية في لبنان لكي ينجح روّاد الأعمال هؤلاء ولكي تزدهر هذه الثقافات؟

     

    يمكن أن تُشكِّل ثقافات ريادة الأعمال والمؤسّسات المحلّية في المناطق الريفية البنيةَ الأساسية للتأثير في ديناميات النموّ واستغلال الفُرَص الناشئة لروّاد الأعمال بحُكم الضرورة. في لبنان، ثمّة حاجة إلى تحسين نوعية الأدوات الرقمية وزيادة استخدامها في المناطق الريفية من أجل تعزيز الروابط بين الأرياف والمُدُن. نحتاج أيضًا إلى تحويل العادات الاستهلاكية نحو تفضيل المنتجات المحلّية والوجهات السياحية المحلّية، ولا سيّما السياحة البيئية، إلى جانب إعادة توطين الصناعات الاستراتيجية واستعادتها في موقعها الأساسي، بالإضافة إلى تعزيز الشبكات المحلّية وهياكل التعاون لمواجهة الأزمات الحالية.

     

    إن عملية وضع السياسات في لبنان يجب ان تستند إلى نقاط القوّة الريفية والفُرَص المتوافرة، بدلًا من الاستناد إلى مجموعة من الافتراضات المعدَّة مسبقًا بشأن قطاعات محدّدة. وبمجرّد أن نفهم السياقات المحلّية بشكلٍ أعمق، سيكون بإمكاننا تحديد المزايا والعيوب في منطقةٍ معيّنة، وبالتالي نستطيع توجيه السياسات بشأنها دعماً لتطوير أنشطة اقتصادية جديدة، ولا سيّما في أوقات الأزمات التي تؤدّي إلى تفاقم التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية القائمة في معظم البلدان، ولبنان ليس استثناءً عن هذه القاعدة.

     

    ونظرًا للفوارق بين المناطق، ونقاط الضعف الهيكلية ضمن كلّ منطقة، ينال روّاد الأعمال الريفيون النصيب الأكبر من الضرر في أوقات الأزمات. ومع ذلك، فهي تقدّم فُرَصًا جديدة يمكن أن تُسهِم في استمرارية روّاد الأعمال بحُكم الضرورة وتطوير أعمالهم، وتُسهِّل تدفّق الكوادر البشرية المنتِجة من المُدُن لتعود إلى قراها. وحدها الاستراتيجيات الإنمائية التصاعدية والمدروسة التي تدعم روّاد الأعمال المحلّيين ومنظومتهم ومؤسّساتهم وثقافتهم ستُتيح لهذه المناطق إنشاء الأنشطة الاقتصادية المطلوبة للانتعاش والتنمية المستدامة.

     

    إنَّ الاستعداد لخوض المخاطر المرتبطة بالاستثمار في المشاريع الحرّة بدافع الحاجة وإطلاقها وإدارتها يرتبط بمقدار الثقة في فعّالية الحكومة (فريدمان 2011). صحيحٌ أنَّ كلّ تقييم صادر عن الحكومة يختلف باختلاف السِمات المحدّدة، غير أنَّ أدوات التقييم هذه تؤثّر بطرق عدّة على نموّ روّاد الأعمال بحُكم الضرورة، وهي تُشكِّل مؤشّرات مهمّة حول ما إذا كان يجب زيادة الاستثمار في الأعمال التجارية أم لا. يمكن للمؤسّسات الحكومية الوطنية والإقليمية والمحلّية في لبنان أن تتحوّل إلى مبادرات متعدّدة الأطراف من أجل معالجة التحدّيات التي يواجهها روّاد الأعمال بحُكم الضرورة.

     

    ضمن المناطق الريفية الدينامية في لبنان، تتوفّر أمام روّاد الأعمال بحُكم الضرورة المزيد من المجالات للازدهار وخلق فُرَص العمل. ويُسلِّط هذا الأمر الضوء على الحاجة إلى تنويع السياسات تبعًا للموقع الجغرافي للبلديات، والخصائص المحلّية، والجهات الفاعلة المحفِّزة للتغيير. فالقواعد والثقافة الجَمَاعية والثقة (وحتّى الأمان ضمن الأحياء الريفية) تعود بالفائدة على مبادرات ريادة الأعمال وتوفّر الموارد الإضافية لتعزيز التعاون بين المؤسّسات المحلّية ومجتمعات ريادة الأعمال.[2]

     

    بالإضافة إلى ذلك، بإمكان البنى التحتية المادّية والمرافق (المنتزهات، والمسارح، والمتاحف، ودور السينما، وأماكن الاستقطاب السياحي، والمعارض الفنّية)، إلى جانب وسائل النقل، إمّا أن تُعزِّز التعاون بين وكلاء منظومة ريادة الأعمال أو تقيّده، وهي تؤثّر في توافر الفُرَص في المناطق الريفية.[3]

     

    فالبنى التحتية المادّية المتطوّرة ومبادرات بناء القدرات تُساهِم في جمع الأشخاص المبادرين بعضهم مع بعض، ومن بينهم واضعي السياسات، والباحثين، والجامعات والمعاهد التقنية، والمنظّمات غير الحكومية، والمنظّمات المحلّية، الأمر الذي يؤدّي إلى خلق "مساحات ثالثة" في منظومة ريادة الأعمال.[4] ومن شأن ثقافات ريادة الأعمال المُجدية أن تزيد إمكانية تعزيز الدخل وتدعيم الاستدامة الاجتماعية والبيئية والاقتصادية في المناطق الريفية، فضلًا عن تحقيق تنمية إقليمية متوازنة للمجتمعات الريفية.[5]

     

    إنَّ تحديد القطاعات الاستثمارية التي تشكّل أولويةً في الاستراتيجيات الإنمائية الوطنية، هو أمرٌ أساسي لتحفيز الطلب الفعلي في السوق وإرساء منظومة حيوية. وعليه، سوف نُسلِّط الضوء على الحاجة المُلِحَّة إلى تحسين قدرات المجتمعات الريفية لمواجهة التحدّيات الخارجية والداخلية. في هذا السياق، اقترحَ فريق "لي وآخرين" (2019) إطارًا يمكننا الانطلاق منه:

     

    • دعم التنوّع المعيشي في الأرياف، وبناء مؤسّسات تتوجّه نحو تلبية احتياجات السوق، وإرساء رأس المال الاجتماعي القوي والداعم لروّاد الأعمال بحُكم الضرورة من أجل التنويع والازدهار
    • التفكير في التحوّل مستقبلًا نحو اقتصاد المعرفة، وذلك عبر تطوير الأنشطة الاقتصادية الجديدة المنسجمة مع الخصائص والقدرات المحلّية بهدف تلبية الطلب الريفي المُحتمَل وخلق فُرَص جديدة لروّاد الأعمال بحُكم الضرورة
    • الاستثمار في رأسمال اجتماعي يمكنه دعم ريادة الأعمال المحلّية عبر تسهيل الوصول إلى التمويل، واليد العاملة، ورأس المال البشري، والأسواق الخارجية، والمعرفة الخارجية للتعلُّم والابتكار.[6]

     

    من الضروري أن تؤخذ بعين الاعتبار السياقات المحلّية المختلفة في المناطق الريفية اللبنانية، وأن تُحدَّد الجهات الفاعلة المحفِّزة "للتغيير" والخصائص القائمة على المكان، وما ينتج عنها من تنوّعٍ بين القطاعات الاقتصادية، بغرض تخصيص الموارد المحلّية دعمًا للأعمال التجارية الجديدة. لذلك، قد يكون من المفيد جدًا، في حالة لبنان، تمكين روّاد الأعمال بحُكم الضرورة على المستوى المحلّي، ودعم النموّ الاقتصادي (وخصوصًا في قطاع الزراعة والتصنيع والمجالات الإبداعية والسياحة البيئية)، وتعزيز الشبكات الإقليمية، وإشراك الشباب، وتمكين المرأة.

     

    ضمن السياق اللبناني، تستدعي معالجة التحدّيات الحالية التي تواجهها التنمية الاقتصادية الريفية بشكل عام – وروّاد الأعمال بحُكم الضرورة بشكل خاصّ – التزامًا قويًا بالتخطيط الاستراتيجي في هذه المناطق. ولا يمكن تحقيق ذلك إلّا من خلال خلق أوجه التآزر عبر مختلف الأبعاد السياساتية: التنمية الريفية، وسوق العمل والمهارات، والتمويل، والتخطيط المكاني، والنقل، والروابط بين المُدُن والأرياف، والبيئة، والاقتصاد التضامني.

     

    يمكن تحفيز ديناميات التنمية الاقتصادية عبر حوكمة فعّالة متعدّدة المستويات تُسهِّل التعاون وتُنشى "قرى ذكية" قادرة على الصمود والنموّ. ويمكن الاستفادة من الابتكارات الرقمية لخلق فُرَص جديدة وتغيير طريقة إنتاجنا واستهلاكنا كمجتمع.

     

    بعد التشديد على أهمية المنظومات والثقافات القائمة على ريادة الأعمال، يتعيّن على الحكومة تعزيز المشاركة الديمقراطية الشاملة في صياغة أيّ من السياسات الهادفة وتطبيقها، إلى جانب اعتماد المراقبة الشفّافة والمساءلة لتحقيق نتائج أفضل في المجتمعات الريفية.

     


    [1] مور، ج.ف.، (2006). منظومات الأعمال والرؤية من الشركة Business ecosystems and the view from the firm. The Antitrust Bulletin، 51(1)، ص. 31-75.

    [2]بينهوكر، ا. (2007). مصدر الثروات: إعادة الصياغة الجذرية لعلم الاقتصاد وتداعيات هذا الأمر على الأعمال التجارية والمجتمع The Origin of Wealth: The Radical Remaking of Economics and What it Means for Business and Society. لندن: Random House Business Books.

    [3]أودريتش، د. ب.، هيغير، د.، وفيث، ت. (2015). البنى التحتية وريادة الأعمال Infrastructure and entrepreneurship. اقتصادات الأعمال التجارية الصغيرة Small Business Economics، 44(2)، 219-230.

    [4]ستام، ا. (2014). منظومة ريادة الأعمال الهولندية The Dutch entrepreneurial ecosystem. تمّ الاطّلاع عليه في 19 تشرين الأوّل/أكتوبر، 2021 عبر الرابط التالي: http://papers.ssrn.com/sol3/papers.cfm?abstract_id=24734 75

    [5]المفوّضية الأوروبية، 2021. التنمية الريفية Rural development. المفوّضية الأوروبية – المفوّضية الأوروبية. متوفّر عبر الرابط التالي: https://ec.europa.eu/info/fo od-farming-fisheries/key-poli cies/common-agricultural-pol icy/rural-development_en [تاريخ مراجعة المصدر: 23 تشرين الثاني/نوفمبر، 2021].

    [6]لي، ي.، ويستلاند، ه.، وليو، ي.، 2019. سبب تدهور بعض المناطق الريفية وصمود بعضها الآخر: لمحة عامّة حول التطوُّر الريفي في العالم Why some rural areas decline while some others not: An overview of rural evolution in the world. صحيفة الدراسات الريفية Journal of Rural Studies، 68، ص. 135-143.

    لينا س. مدّاح هي باحثة اقتصادية في المركز اللبناني للدراسات. وتشمل مجالات عملها التنمية الاقتصادية والاقتصاد الإقليمي والمواقع الصناعية وديناميكيات المؤسسات والصناعات الثقافية والإبداعية. في رصيد مدّاح شهادة دكتوراه في الاقتصاد من جامعة روفيرا إي فيرجيلي في إسبانيا. أتمّت، قبل انضمامها إلى المركز اللبناني للدراسات، عملت كباحثة زائرة في منظّمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) في البندقية، إيطاليا. شغلت منصب باحثةٍ زائرة في مختبر الاقتصادات الإقليمية التطبيقية في جامعة إلينوي إربانا- شامبين (UIUC) في الولايات المتحدة الأميركية، وباحثة اقتصادية في قسم الاقتصاد في جامعة روفيرا إي فيرجيلي (URV) في إسبانيا. حصلت مدّاح على منحةٍ من برنامج "مارتي وفرانكيس كوفند" للمنح الدراسية (2017 – 2020)، وهو مشروعٌ مموّل من المفوضية الأوروبية. وشاركت في العديد من المنصات الاقتصادية الوطنية والدولية التي تناولت العلوم الإقليمية والصناعات الثقافية والإبداعية والتنمية المحلية والجغرافيا الاقتصادية
Sign up for our Newsletter
Thank you for subscribing to our newsletter!