Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


اسحاق ديوان, رئيس قسم الاقتصاد الاجتماعي في العالم العربي في كلية باريس للعلوم والآداب، كما هو أستاذ زائر في كلية جامعة كولومبيا للشؤون العامة الدولية، وزميل أقدم في المركز اللبناني للدراسات


April 2020
لماذا يصعب للغاية حل مشكلة الدين العامّ في لبنان؟

يكثر مؤخراً تداول القول المأثور "أهلية بمحلية" لوصف الأزمات المتعددة التي يمرّ بها لبنان، ويعني هذا القول أنّه من السهل حلّ المشاكل الداخلية في العائلة. لكنّ الواقع هو أنّه من الصعب التوصل إلى حلّ لمشكلة الدين العامّ في لبنان لأنّ المصارف المحلية هي التي تملك حصّة الأسد من الديون اللبنانية، وليس الدائنون الأجانب. اسمحوا لي أن أقول أولاً إنّ مشكلة الدين العامّ تفاقمت إلى حدّ كبير لأنّها نشأت "في العائلة"، وثانياً إنّ حلّ المشاكل العائلية أصعب من تسوية الخلافات مع الجيران، وثالثاً إنّ اختيار الحلول غير المناسبة قد يزيد الوضع سوءاً.
 
تتعلق النقطة الأولى بحجم الدين العامّ. فالدين اللبنانيّ كبير للغاية، وقليلة هي الدول التي بلغت فيها نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي 150% من دون أن تتعثّر. ويعود سبب ارتفاع الدين إلى هذا الحدّ إلى أنّ الدولة كانت حتّى فترة قصيرة تتفاوض مع عدد قليل من المصارف المحلية ليس إلا. وعقب تراجع النموّ الاقتصاديّ بعد العام 2011، وفي ظلّ استمرار الدولة في سياساتها المالية والنقدية غير المسؤولة، كان كلّ مصرف قد انخرط في اللعبة إلى حدّ كبير استحال معه التفكير في الخروج من هذه العلاقة. فضلاَ عن ذلك، كان من مصلحة المصارف، كمجموعة، الاستمرار في إعادة هيكلة الدين على أمل أن تحصل معجزة وأن تستفيد هي من الوضع.1
 
لكنّ الأزمة بلغت أوجها أخيراً عندما فقد بعض المودعين الثقة في النظام، ما أدى إلى حالة من الذعر وتهافت على سحب الودائع بحلول النصف الثاني من العام 2019. وبحسب بيانات سُرّبت مؤخراً من المؤسسة الوطنيّة لضمان الودائع، سحب المودعون ما يعادل 28 مليار دولار تقريباً خلال العام 2019، من بينها 98% سحبها 1% من كبار المودعين.2 وفي خضمّ التهافت على سحب الودائع، تبّين للمودعين الأقلّ اطّلاعاً أنّ معظم المصارف معسرة بما أنّ أكثر من 70% من أصولها مستثمَر في سندات الخزينة. وبالتالي، انتقل لبنان في غضون أشهر قليلة من وضع سيئ إلى وضع أسوأ، أي من الاستدانة المفرطة إلى أزمة مصرفية يصعب كثيراً فيها معالجة مشكلة عبء الدين.3
 
أمّا النقطة الثانية فتتعلق بصعوبة معالجة المشاكل العائلية. فالديون الداخلية قد تتسبب في أزمة أشدّ وطأة من تلك التي تسببها الديون الخارجية لسببين اثنين رئيسيين. أولاً، عندما تتراكم الديون، يمكن تشارك جزء أكبر من عبء التعثّر مع جهات خارجية في حال كانت هذه الجهات تملك الحصة الأكبر من الديون. أمّا إذا كانت المصارف المحلية هي التي تملك الديون الداخلية، كما هي الحال في لبنان، فيتحوّل عبء الدين إلى أزمة مصرفية قد تكون لها تداعيات وخيمة بسبب خسارة المُخرجات الاقتصادية.
 
وهذا ما تؤكّده التجارب العالمية. فقد أجرى الباحثان رينهارت وروغوف مقارنةً لكلّ أزمات الدين الخارجيّ وتوصلا إلى أنّ عبء الدين تسبب بخسارة ما معدّله 24% من الناتج المحليّ الإجماليّ على مرّ التاريخ. أمّا عند مقارنة كلّ الأزمات المصرفية الحديثة، فقد وجد الباحثان ليفن وفالنسيا أنّ متوسط الخسارة في الناتج المحليّ الإجماليّ بلغ 34%. ومع أنّ المقارنتين توصلتا إلى نتائج مشابهة إلى حدّ ما، إلا أنّه من الواضح أنّ الخسائر الناجمة عن أزمات الدين الخارجيّ كانت أقلّ من تلك المتأتية عن الأزمات المصرفية الداخلية.
 
وفي هذا الإطار، ينبغي توزيع الخسائر، التي بدت جليّة أكثر بعد تعليق سداد سندات اليوروبوند في 7 آذار، بين المكلّفين والموظفين الحكوميين وأصحاب المصارف والمودعين الصغار والكبار. وستكون هذه الخسائر هائلة إذا تحتّم خفض الدين بمقدار الثلثين تقريباً بحسب ما تشير إليه أسعار اليوروبوند. وبما أنّ تخفيض سعر صرف الليرة يؤدي إلى تراجع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، فمن المتوقع أن تكون هذه الخسائر بحجم الناتج المحلي الإجمالي على الأقل، إن لم يكن أكثر، أي أنّها قد تتخطى بأشواط الخسائر التي تكبّدتها مجتمعات أخرى حول العالم. وبالتالي، من المتوقع أن يكون توزيع الخسائر مثيراً للخلافات وصعباً من الناحية السياسية. وحتّى ذلك الحين، سيبقى القطاع المصرفيّ رهن الظروف الحالية. فطالما أنّ الخسائر لم توزَّع، لا يمكن تسوية الميزانيات العمومية للمصارف ولا إعادة فتح أبواب المصارف ولا جذب التدفقات الرأسمالية مجدداً إلى لبنان. إنّها مشكلة كبيرة يصعب جداً حلّها وتكبّد لبنان خسائر كبيرة في حال عدم حلّها.
 
وتتعلق النقطة الثالثة بالأخطاء التي ينبغي تفاديها. فنظراً إلى الوضع السياسيّ الصعب المرتقب، سيميل صنّاع القرار إلى اختيار الوسائل الأسهل من الناحية السياسية، بدلاً من الحلول الفعالة اقتصادياً واجتماعياً. وبالتالي، يتعيّن عليهم في المرحلة المقبلة تفادي الوقوع في أخطاء متعددة، من بينها ثلاثة أخطاء محتملة بارزة اليوم:
 
1- إذا فضّل صنّاع القرار التركيز على المدى القصير، سيميلون إلى خفض الدين بنسبة ضئيلة لا تكفي لحلّ مشكلة عبء الدين. وسيؤدي ذلك إلى تراجع النموّ والحاجة إلى خفض الدين بنسبة أكبر في المستقبل. وقد وجدت دول كثيرة نفسها عالقة في معضلة الدين المرتفع والنموّ المنخفض لسنوات عدّة، من بينها أميركا اللاتينية التي استغرقت عقداً كاملاً للتكيّف مع الوضع ببطء في الثمانينيات، تماماً كما حصل مع اليونان مؤخراً. في المقابل، نجحت بعض الدول الآسيوية في التعافي سريعاً من أزمتها في أواخر التسعينيات. وعادةً، ينبغي خفض الدين بنسبة كبيرة بما يسمح للدولة باستعادة ثقة المستثمرين وجذب التدفقات الرأسمالية والاستثمارات مجدداً وبسرعة لمساعدة الاقتصاد على التعافي.
 
2- من الوسائل المعتمدة لتفادي توزيع الخسائر بشفافية تحويل الودائع المقوّمة بالدولار إلى الليرة اللبنانية (75% من الودائع الإجمالية)، ما يؤدّي، إلى جانب التضخم المتزايد، إلى انخفاض القيمة الحقيقية للودائع بسرعة، كما حصل في الأرجنتين في العام 2001 وفي لبنان في منتصف الثمانينات. وتستتبع هذه الخطوة تداعيات كارثية لأنّها تعني فرض عبء على صغار المودعين تساوي تلك المفروضة على كبار المودعين، وإعفاء أصحاب المصارف. وتؤدّي هذه الخطوة أيضاَ إلى حالات إفلاس لدى الشركات الخاصة أكثر بكثير ممّا هو ضروريّ. وبالتالي، ينبغي توزيع الخسائر بطريقة تراعي الشفافية والعدالة الاجتماعية.
 
3- ستظلّ المصارف معسرة إلى حين إعادة هيكلة القطاع المصرفي. فلن يستفيد الاقتصاد العينيّ بأيّ شكل من الأشكال وستُجرى كلّ المعاملات نقداً. فضلاً عن ذلك، من المعروف عالمياً أنّ المصارف المعسرة (zombie) تميل إلى اللعب بأموال المودعين بما أنّه ليس لديها رأس مال لتخسره في حال ساءت الرهانات ولديها في المقابل الكثير لتربحه إذا تحسنت الأمور. وفي ظروف مماثلة، تتولّى الجهات التنظيمية إدارة هذه المصارف إلى أن تقوم بتسوية ميزانيتها العمومية. وفي حال التأخر في تسوية الميزانية العمومية، يتعين وضع المصارف فوراً تحت سيطرة الدولة بشكل موقت، ما يستتبع الحاجة إلى إصلاح المصرف المركزيّ بسرعة وتوظيف طاقمه على أساس الجدارة بدلاً من الاعتبارات السياسية لكي يتمكن من تأدية دوره الجديد.
 
ومن المخاطر الأخرى التي ينبغي تفاديها رفض التفاوض مع صندوق النقد الدولي على الرغم من حاجة لبنان الملحّة إلى الأموال الجديدة (fresh money)، أو السماح للمصارف بإدارة الكابيتال كونترول بأنفسها، أو اعتماد استراتيجيات إنفاق شعبية يصعب تطبيقها، أو رهن الأصول العامة والغاز المستخرج في المستقبل لإنقاذ المصارف على حساب المواطنين.
 
أهلية بمحلية؟ للأسف، العكس هو الصحيح. فالمشاكل العائلية هي من أكثر المشاكل التي يصعب حلّها لأنّ أفراد العائلة الواحدة لا يستطيعون الاستمرار في العيش معاً بوئام إلا إذا كان الحلّ منصفاً وعادلاً في نظرهم. لقد آن الأوان للتكلم بصراحة عن تشارك الخسائر، وتفادي أيّ خطوات قد تزيد الوضع مأساوية، واتخاذ القرارات الضرورية لوضع البلد على مسار جديد يسمح له بإعادة بناء المستقبل. 
 
المراجع
ليفن، ل.، ف. فالنسيا. 2013. "الآثار الحقيقية لتدخلات القطاع المالي في أوقات الأزمات" (The Real Effects of Financial Sector Interventions During Crises). مجلة Journal of Money, Credit and Banking 45.1. ص. 177-147.
رينهارت، ك.، ف. رينهارت، ك. روغوف. 2012. "عبء الدين العام : حلقات الاقتصاد المتقدم منذ عام 1800" (Public Debt Overhangs: Advanced-Economy Episodes Since 1800). مجلة Journal of Economic Perspectives 26.3. ص. 86-69.
_______________
1. كان النموّ الاقتصاديّ خجولاً حتى العام 2010 بالنسبة إلى بلد يتعافى من تداعيات الحرب الأهلية، إذ إنّه بلغ 5,7% بين العامين 1995 و2011، إلا أنّه كان كافياً للبدء بخفض معدلات الدين بعد العام 2005. لكن بعد اندلاع الحرب السورية، انهار النموّ إلى 1.7% تقريباً بين العامين 2011 و2019.
2. سرّب الصحافيّ الماليّ محمد زبيب هذه المعلومات في تغريدة على "تويتر".
3. يُقصد بعبء الدين الوضع الذي تكون فيه الديون كبيرة جداً إلى درجة يستحيل معها تسديدها بالكامل.
 






Copyright © 2020 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.