Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


نايلة جعجع,  محامية وباحثة مشاركة في المركز اللبناني للدراسات


March 2017
التهويل من الفراغ... تهويل علينا

منذ العام 2013 اجتاحت عبارة "الفراغ" الخطاب العام، بدءاً من السياسيين ومروراً بالقضاء لتترسّخ في أحاديثنا ونقاشاتنا السياسية. إلاّ أنّ هذا الفراغ الذي هولت به الأطراف السياسية آنذاك تبيّن ببساطة أنه ميزة المجلس النيابي الممدّد له خلال السنوات الماضية. فإذا كانت أولوية المشرع تمثلت حينها بموجب ضمان استمرارية المؤسسات الدستورية، وأي مبادرة أو خطوة اتُخذت في هذا الاتجاه بمعزل عن قانونيتها ومشروعيتها كان من شأنها، في الظاهر على الأقل، المحافظة على حسن سير عمل المؤسسة الدستورية وفعاليتها وتفادي والقوع في الفراغ، يكشف واقع الأمور ثابتة لا شكّ فيها وهي أنّ ما أنتجه قانوني التمديد بحقيقة الأمر ليس سوى تكريساً وتعزيزاً وتمديداً للفراغ المخشو منه.

نقرأ في الأسباب الموجبة لأول قانون تمديد (246/2013) أقرّه المجلس النيابي العتيد عبارات متنوّعة زادت من حدّة التهويل "كالفـراغ القاتـل" و"الفـراغ الكبيـر" و"الفـراغ في المؤسسـات وتهديـد كيـان الوطـن برمتـه"... بعدها، وكأنّ السياسيين وبالأخص النواب أُعجبوا برنانة هذه الكلمة فوردت سبع مرّات في مداخلتهم بمناسبة مناقشة الأسباب الموجبة لقانون التمديد الثاني (16/2014) وذلك تحت عنوان "إمّا التمديد وإمّا الفراغ".[1] حتى أن قرار المجلس الدستوري بشأن القانون الأخير انتهى إلى ردّ الطعن به "للحيلولة دون التمادي في حدوث الفراغ في المؤسّسات الدستورية"، كما ما ورد في الحكم نفسه، باعتبار أن "الفراغ في المؤسسات الدستورية يتعارض والغاية التي وجد من أجلها الدستور، ويهدد النظام بالسقوط، ويضع البلاد في المجهول"، وفق ما ورد أيضاً في حيثياته.[2]

إنّ هذا التكتيك السياسي ليس غريباً عن الساحة السياسية في لبنان، بل جاز القول أنّ الفئة الحاكمة، أو بالأحرى الفئة التي "احتّلت" المؤسّسات الدستورية، باتت متمرّسة في هذا المجال: "فزّيعة التوطين" لا تزال تحرم المرأة من منح الجنسية اللبنانية لزوجها وأطفالها؛ و"الميثاقية" برّرت ولا تزال مخالفات جسيمة للدستور، حتى بتنا نميّز بين "الميثاقة ما قبل الطائف وما بعد الطائف"[3] و"الميثاقية المسيحية"[4] و"الميثاقية الكاملة والدستورية"[5] (ممّا يوحي بوجود ميثاقية مجتزأة أو غير دستورية...)؛ أمّا "أزمة الكيان" فأصبحت خبز النواب اليومي حيث لا يفوتون مناسبة لتذكيرنا والتهويل علينا "بالقلق الدائم على المصير والكيان" ومخاطر "تهديد وجوده تهديداً وجودياً"[6] ووجوب المحافظة على لبنان "بكيانه ونهائيته الحاضنة للمسيحيين والمسلمين"[7] والحاجة الملّحة إلى "استعادة الوطن معناه الكياني" الذي "أصبح على المحك".[8] وممّا لا شك فيه أنّ هذه الشعارات، وغيرها، تمّ التداول بها لتبرير فشل الطبقة الحاكمة على مرّ العقود وشلل المؤسسات الدستورية وانتهاك ممنهج لحقوق الإنسان، وصولاً إلى انهيار النظام بالكامل كما نشهده اليوم.

عاد التهويل بالفراغ في مطلع العام 2017 ليطغى مجدداً على الخطاب السياسي العام، وبات سريعاً الهاجس المهيمن مع اقتراب موعد انتهاء ولاية المجلس، وانقضاء مهل الاستحقاقات الانتخابية كدعوة الهيئات الناخبة وتأليف هيئة الإشراف على الانتخابات، وعدم "توافق" القوى السياسية على قانون انتخابي جديد. ومرّة أخرى، أصبح ذريعة لبعض الأطراف السياسية للمضي بقانون الانتخابات الحالي وللبعض الآخر للضغط باتجاه إقرار تعديلات (وليس إصلاحات)عليه؛ وفي الحالتين، تحت عنوان "إمّا التمديد (الثالث) وإمّا الفراغ". لن نستفيض في إعادة سرد أو تحليل أسباب الأزمات التي شهدتها جميع المؤسسات والسلطات الدستورية، ولا داعي إلى إعادة طرح الحلول والإصلاحات لقيام النظام. فهي معروفة من الجميع خصوصاً من قبل الجهات السياسية الحاكمة، وهذه الأخيرة على يقين بأنّ أي تغيير جذري قد يطرأ يمكن أن يؤدّي إلى زوالها ويهدّد مدى تحكّمها بمؤسسات الدولة وبمعيشتنا.

والواقع أنّ التكلّم عن الفراغ بالمطلق من شأنه تضليل حقيقة الخطر الذي هدّد ولا يزال المجلس النيابي؛ ويكفي مراجعة مضمون جلسات الهيئة العامة بين العامين 2009 و2016، وتقييم كمياً ونوعياً مدى فعالية المجلس على مستوى الرؤية والإنتاجية التشريعيتين، كذلك بالنسبة لأعماله الرقابية على الإدارة. ولا يُبالغ بالقول بأنّ المجلس النيابي خلال ولايته الحالية تقاعس وتغاضى بالكامل عن معالجة الأمور الحياتية الجوهرية للمواطنين التي تُعد ّمن أهم مسؤولياته ومهامه، في حين انكبّ على تكريس مصالحه الضيقة انطلاقاً من اعتقاد أغلبية النواب بأنّ ولايتهم هي حق مكتسب يتم التصرف بها بحسب مشيئتهم.

نذكّر بأن المجلس الحالي دشّن ولايته عام 2010 بإسقاط مبادرة التعديل الدستوري الآيلة إلى خفض سن الاقتراع وحينها فضحت مداخلات النواب خلال جلسة التصويت المنظار الطائفي والفئوي الذي تم فرز شريحة أساسية من الهيئات الناخبة، أي الشباب اللبناني، على أساسه؛ فضلاً عن توزيعهم قسراً بين فئة الشباب المسلم المقيم في لبنان مقابل فئة الشباب المسيحي المغترب.[9] وبالتالي، جزّأ المشرّع حق الاقتراع الذي يُفترض أن يكون حقاً مطلقاً لنا جميعاً، وبات تفعيله مرتبطاً باعتبارات وحسابات طائفية بدلاً من حقنا في المشاركة في الحياة السياسية. وبعد بضعة سنوات، مدّد المجلس ولايته للمرة الأولى ومن ثم للمرّة الثانية "بحجّة ظروف استثنائية وأوضاع أمنية صعبة تمرّ بها البلاد" وكأنّ الوكالة التي منحها الناخبات والناخبين للنواب باتت شبه جبرية غير قابلة للعزل. وبرّر رئيس المجلس ضرورة التمديد آنذاك انطلاقاً من "توجّسه من مجلس تأسيسي يقلب التوازنات القائمة"؛ وارتأى بعض النواب أنّ المبادرة إلى التمديد الثاني هي مناسبة مؤاتية لتلقين "المجتمع المدني الذي يجتمع هنا وهناك ولا يعرف من القانون شيئاً ويركض وراء أهدافه المدنية" درساً بسبب مواقفه السابقة المندّدة للتمديد الأول؛ فيما طالب آخرون بالأخذ بعين الاعتبار "حالة الطقس في احتساب مدة التمديد".[10]
 
وعلى صعيد أداء المجلس لوظيفتيه التشريعية والرقابية، حتى نهاية العام 2016، يُسجّل أن الهيئة العامة عقدت فقط 24 جلسة مخصّصة للتشريع وجلستان رقابيتين يتيمتين بالرغم من الأزمات التي تشهدها إدارة البلاد. كما اقتصر عدد النقاشات العامة على جلسة واحدة عام 2012 وجلستين في العام 2014 الأولى تضامناً مع غزة والثانية لتلاوة رسالة الرئيس سليمان حول أهمية احترام الاستحقاق الرئاسي؛ وبالرغم من أهمية الموضوعين نتساءل كيف يتغاضى النواب عن تخصيص جزء من وقتهم وجهودهم لمناقشة الأزمات والمصاعب الاقتصادية والاجتماعية التي لا تزال تتدهور يوماً بعد يوم. أمّا على صعيد جودة التشريع، فحدّث ولا حرج، حيث يتبيّن أن نسبة القوانين المقرّة في الفترة نفسها والتي تؤثر مباشرةً على ظروف معيشتنا البائسة لا تتعدّى ربع مجموع التشريعات المقرّة، بينما تتوزّع القوانين المتبقية بين تلك الآيلة إلى تصديق المعاهدات الدولية وتصحيح أخطاء مادية وتعديل في الملاكات وغيرها من الأمور الثانوية.
 
في ظلّ هذه الظروف، ما النفع من التهويل من الفراغ سوى لفرض أمر واقع؟ أليس الفراغ معمماً أصلاً في مؤسساتنا الدستورية وبمعزل عن حصول التمديد أو عدمه؟ ما الغاية من وجود نواب في مجلس معطّل؟ وفي آخر المطاف، ما الفرق بين التمديد وإجراء عملية انتخابات-على الأرجح ستكون تجميلية- تعيد فرز القوى نفسها؟

ارتأينا أنّ استعادة البعض من هذه الوقائع والمحطات –وهي وافرة إنّما لا يتسع المقال الحاضر سردها- ستذكّرنا ربما بمدى عجز وقصور الطبقة الحاكمة عن تمثيلنا وتمثيل مصالحنا وقضايانا؛ وعلى أمل أن تذكّرنا أيضاً بالاستخفاف واللامبالاة التي تلامس حدود الوقاحة والتي لا يخجل السياسيين عن التمادي بها. فالفراغ في المؤسسة التشريعية الذي يهوّل به البعض والذي يبرّره البعض الآخر ليس حقيقة الأمر، المعضلة الأساسية؛ بل إنّ تمادي النواب بتقاعسهم عن القيام بأبسط مهامهم وتحمّل مسؤولياتهم هو الخطر الحقيقي. وهو أمر للأسف نشهده ولا زلنا منذ سنين.

سبل الضغط والمواجهة والمساءلة ليست واحدة وليست حصرية. حان الوقت لتصويب الأمور والخروج من هذه الدوامة، ويقتضي أن نقارب الفترة التي نمّر بها من زوايا مختلفة وكل مرحلة تفترض مقاربة وليس من شأن مقاربة أن تستبعد الأخرى... الجهوزية هي العنوان الأول؛ ونعم، يجب المطالبة بالإصلاحات ونعم يجب المطالبة باحترام الدستور والاستحقاقات والمهل ونعم يجب المشاركة المباشرة، ولو كان الغرض من هذه الأخيرة يقتصر على استعادة آمالنا وتأكيد تصميمنا على مشاركة فاعلة وتمثيل محقّ في الحياة العامّة. 
 
[1]مراجعة محضر الجلسة الثانية من العقد الثاني المنعقدة بتاريخ 5 تشرين الثاني 2014
 
[2]مراجعة القرار رقم 7 صادر في 28/11/2014 عن المجلس الدستوري بشأن القانون المطلوب وقف العمل فيه وإبطاله: القانون المعجّل النافذ حكماً الرقم 16 تاريخ 11 تشرين الثاني 2014 والمنشور في العدد 48 من الجريدة الرسمية تاريخ 11/1/2014 والمتعلق بتمديد ولاية مجلس النواب
 
[3]مراجعة محضر الجلسة الأولى المنعقدة بتاريخ5 و6 و7 تموز 2011 بمناسبة تلاوة ومناقشة البيان الوزاري للحكومة التي يرئسها الرئيس نجيبميقاتي والتصويت على الثقة
[4]مراجعة محضر الجلسة الثانية من العقد الثاني المنعقدة بتاريخ 5 تشرين الثاني 2014 والمخصّصة لمناقشة قانون التمديد الثاني
 
[5]مراجعة محضر الجلسة الثانية من العقد العادي الأول المنعقدة بتاريخ 17 و18 و19 نيسان 2012 ومخصصة لمناقشة حكومة الميقاتي في سياستها العامة
[6]مراجعة محضر الجلسة الأولى من العقد العادي الأول المنعقدة بتاريخ 19 و20 آذار 2014 ومخصصة لمناقشة البيان الوزاري للحكومة التي يرئسها الرئيس تمام سلام  والتصويت على الثقة
 
[7]مراجعة محضر الجلسة الثانية من العقد العادي الأول المنعقدة بتاريخ 17 و18 و19 نيسان 2012 مخصصة لمناقشة الحكومة في سياستها العامة
 
[8]مراجعة محضر الجلسة الأولى من العقد العادي الأول المنعقدة بتاريخ 19 و20 آذار 2014 ومخصصة لمناقشة البيان الوزاري للحكومة التي يرئسها الرئيس تمام سلام  والتصويت على الثقة
 
[9]مراجعة محضر الجلسة الأولى من العقد الاستثنائي الأول المنعقدة بتاريخ 22 تشرين الأول 2010
 
[10]مراجعة محضر الجلسة الأولى من العقد العادي الأول المنعقدة بتاريخ 10 نيسان 2013والمخصّصة لمناقشة قانون التمديد الأول ومراجعة محضر الجلسة الثانية من العقد الثاني المنعقدة بتاريخ 5 تشرين الثاني 2014 والمخصّصة لمناقشة قانون التمديد الثاني
 








Copyright © 2017 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.