Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


زينة حسنة, باحثة مشاركة في المركز اللبناني للدراسات ومستشارة لدى البنك الدولي- مكتب لبنان


September 2017
حماية قطاع الصناعة في لبنان من لعنة الموارد

لطالما حذّر الاقتصاديّون من المفاعيل السلبيّة المحتملة لريوع الموارد الطبيعيّة على الاقتصادات الوطنيّة. ويكمن في صلب هذه القضيّة ما يُسمّى بـ"مفارقة لعنة الموارد"، المتمثّلة بالتبعات الاجتماعيّة والاقتصاديّة السلبيّة الّتي يمكن أن تنشأ عن المنافع المفترضة لاستخراج الموارد، بما في ذلك النزاع، وانتشار الفساد، وحتّى الفقر. ولن يكون لبنان بمنأى عن هذه المخاطر في حال الاستخراج التجاري للموارد. ويتمثّل أحد السبل الأساسيّة للحدّ من احتمال لعنة الموارد في حالة لبنان بالتنويع الاقتصادي.
 
أمّا النصيب الأوفر من التحاليل للقنوات المؤدّية إلى ظهور لعنة الموارد فتناله عادةً ظاهرة "المرض الهولندي"، والثقة الزائدة وإهمال الموارد البشريّة، والأنشطة الريعيّة عند اكتشاف الموارد. وبصريح العبارة، فإنّ فشل البلدان في تنويع اقتصاداتها قبل فورة الموارد يؤدّي إلى اعتمادها على قطاع الموارد، ما يعرّضها للهشاشة تجاه أسعار السلع، فيؤثّر عدم الثبات هذا بشكل سلبي على النموّ. إلى ذلك، فإنّ الفورة في قطاع الموارد تستدعي إعادة توزيع رأس المال والموارد البشريّة من القطاعات غير المعتمدة على الموارد (ولاسيّما قطاع التصنيع العالي التقنيّة) على قطاع الموارد الذي يتدنّى فيه المستوى التقني.  وعندما تنضب الموارد، يكون أصحاب المهارات التقنية العالية قد سبق أن فقدوا الخبرات اللازمة في القطاعات غير المعتمدة على الموارد. ونتيجةً لذلك، سيكون من المكلف جدًّا إعادة توزيع رأس المال البشري والمادّي والاستثمار مجدّدًا في القطاعات غير المعتمدة على الموارد والعالية التقنيّة، ما يؤدّي إلى مفاعيل سلبيّة على النموّ الاقتصادي على المدى البعيد.
 
غير أنّ النجاح في استخراج الموارد الطبيعيّة القيّمة لا يجب أن يكون نذير شؤم. فبعض البلدان قد سطّرت بالفعل نجاحات في مجال النموّ بفضل ثرائها بالموارد، ومنها: النرويج وبوتسوانا وكندا والولايات المتّحدة وأستراليا. فالبلدان الآنف ذكرها قد دحضت فرضيّة "لعنة الموارد"، وهي تبيّن أنّ الموارد غير المتجدّدة يمكنها فعلاً أن تكون نعمةً. وقد بيّنت بعض الدراسات أنّ وفرة النفط قد أدّت إلى مفاعيل إيجابيّة على النموّ وعلى الجودة المؤسّسيّة، ما يبرهن بالتالي أنّ الموارد يمكن أن تشكّل نعمةً لا من المنظور الاقتصادي وحسب، بل أيضًا من المنظور الاجتماعي. ولكنّ القاسم المشترك بين جميع البلدان الّتي حقّقت النموّ يتمثّل باعتماد سياسة صناعيّة متينة ساعدتها على التعامل مع إيرادات الموارد الاستثنائيّة. فالموارد الطبيعيّة محدودة بالنتيجة، وعندما يحين الوقت الّذي ستنضب فيه، لا بدّ للبلدان أن تكون قد خطّطت بشكل جيّد لضمان عدم تقلّص قطاعاتها غير المعتمدة على الموارد إلى حدّ يستحيل فيه إنقاذها. وهنا، تدعو الحاجة إلى سياسات للتنويع الاقتصادي، لتحويل الإيرادات النفطيّة إلى نعمة لا نقمة.
 
يجد لبنان نفسه اليوم في موقف يحتّم عليه النظر في المنافع والأفخاخ المحتملة الّتي يمكن أن تنشأ عن إنتاج البترول مستقبلاً قبالة شواطئه وتقييمها. وتكتسي هذه المسألة طابعًا ملحًّا نظرًا لضعف القطاع الصناعي المهمّش منذ زمن طويل في لبنان. فقطاع الصناعة في لبنان لم يكن يعمل بكلّ طاقته، سيّما أنّ اقتصاد البلد لا يزال يعتمد على قطاع الخدمات. وبالفعل، قد زاد ذلك من قابلية تأثر  البلد بالصدمات الخارجيّة وانعدام الاستقرار السياسي الّذي لطالما عانى منه لبنان والمنطقة.
 
وتتمثل إحدى المفاهيم الأساسيّة في نظريّة النموّ الحديثة في ضرورة قيام أيّ بلد يسعى إلى تحقيق النموّ الشامل والمستدام بتنويع اقتصاده أوّلاً من خلال إنتاج سلع أكثر تطوّرًا، مثل السلع ذات القيمة المضافة العالية بالنسبة إلى الاقتصاد. ورغم أنّ القطاع الصناعي في لبنان ليس متطوّرًا جدًّا، فإنّ وضع التنويع الّذي لا يُعدّ بهذا السوء يشعل بصيص أمل. والواقع أنّ قطاع الصناعة اللبناني هو في موقع يخوّله إنتاج سلع أكثر تعقيدًا لديها القدرة على دعم الصناعات القائمة أصلاً في البلد، والدفع باتّجاه التوسّع لإنتاج سلع أخرى أكثر تعقيدًا. إلى ذلك، فعند النظر عن كثب إلى قاعدة الإنتاج في لبنان، نجد أنّه يمكنه التركيز على تطوير قدرته الإنتاجيّة في السلع المعقّدة الّتي له فيها تواجد أصلاً، ولا سيّما تلك المتّصلة بالآلات والمواد الكيميائيّة. وفي هذا الصدد، يمكن للبنان الاستفادة من سياسة صناعيّة سليمة تعيد إحياء قطاعه الصناعي المهمل منذ زمن. ولكنّ كلّ ذلك مهدّد إذا لم يتمّ وضع السياسات الهادفة إلى دعم القطاعات الإنتاجيّة في البلد قبل الشروع في استخراج البترول.
 
ونهايةً، لا يرجَّح تحقيق أي نتيجة إيجابيّة من استخراج الموارد ما لم يتمّ اعتماد سياسة صناعيّة متّسقة تنطوي على مسار متين للقطاعين العام والخاص. وتدعو الحاجة إلى دعم الحكومة لجهة توفير المدخلات الحكوميّة اللازمة مثل البنية التحتيّة والأنظمة، بغية مساعدة الصناعات الموجودة في لبنان على تحسين إنتاجيّتها، والتوسّع لاقتناص الفرص المجاورة، وتنويع رزمة الإنتاج. ومن شأن مثل هذه الاستراتيجيّة أن تجعل لبنان أقلّ عرضةً للوقوع في فخّ الاعتماد على الموارد.






Copyright © 2017 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.