Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


باسل صلّوخ, أستاذ مشارك في العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية الأميركية في بيروت وباحث مشارك في المركز اللبناني للدراسات


April 2018
باريس 4: أحلام اليقظة

يبدو أن ساعة الحساب المالي في لبنان قد دقّت أخيرًا، أو أقلّه هذا ما يُستشفُّ من البيان الختامي لآخر بعثة لصندوق النقد الدولي بتاريخ 2 شباط 2018. وهو يحذّر من أنّ "دين لبنان لا يمكن ان يستمر بحسب السيناريو الأساسي. وفي سياق النموّ المتدنّي في لبنان وارتفاع معدّلات الفوائد عالمياً، لا تنفكّ ديناميّات الدين في التدهور، والدين العام في التنامي بسرعةٍ ليصل إلى ما يناهز 180 بالمئة من إجمالي الناتج المحلّي بحلول 2023 بموجب السيناريو الأساسي عينه، ليواصل ارتفاعه فيما بعد؛ كذلك، ستتعزّز التبعيّة الكاملة والمتبادلة بين المصارف والدولة، كما أنّ اعتماد لبنان المتزايد على تدفّق الإيداعات سيعرّض الاقتصاد لمزيد من التقلّبات في ثقة المودعين".

يمكن وصف ردّة الفعل اللبنانيّة على تقرير صندوق النقد الدولي بالمتباينة في أفضل الأحوال. فالبعض يعتبر أنه لا يعدو كونه ضرب آخر من ضروب العنجهيّة المعهودة. فمعضلة ميزان المدفوعات في لبنان ليست جديدة، على حدّ قول هؤلاء، ولطالما تمّ تخطّيها باعتماد سياسات نقديّة ابتكاريّة. ويجزع آخرون، لكنّهم يعلّقون الآمال على أنّ مؤتمر باريس 4 المنتظر سيمنح لبنان الوقت الكافي، على الأقلّ، لحين تدفق الإيرادات النفطية المرتقبة، ما يمكّن الحكومة من تثبيت استقرار عجز الميزانيّة وعكس مسار الدين العام المطّرد ونسبته الى إجمالي الناتج المحلّي. ووفقًا لهؤلاء، يبدو باريس 4 استراحة مثاليّة بين شوطين، وضروريّة للبلاد، وهي تفصل بين الظروف الاقتصاديّة الحاليّة الصعبة وبرّ الازدهار الّذي يلوح لنا في المستقبل.

هذا هو فعليًّا المنطق الاقتصادي وراء باريس 4 على ما يبدو. ولو سلّمنا بدقّة التقارير الإخباريّة، فالحكومة اللبنانيّة متوجّهة إلى باريس 4 على أمل جمع الأموال لقائمة أماني طويلة من مشاريع البنى التحتيّة، تصل كحدّ أقصى إلى 16-17 مليار دولار على مدى ثماني إلى عشر سنوات، من خلال مزيج من المنح والقروض الطويلة الأمد والشراكات بين القطاعين العام والخاص. ويُفترض أن توجد الاستثمارات في مشاريع البنى التحتيّة بين 120,000 إلى 160,000 وظيفة جديدة سنويًّا، وأن تفضي إلى معدّلات نموّ تتراوح بين 6% إلى 8%. والأهمّ أنّ الاستثمارات في البنى التحتيّة ستؤدّي تلقائيًّا إلى نموّ إجمالي للناتج المحلّي، ما سيؤول بدوره إلى خفض نسبة الدين إلى إجمالي الناتج المحلّي.

وبصرف النظر عن توقيت مؤتمر باريس 4 المُزمع إجراؤه قُبَيل الانتخابات النيابيّة التي طال انتظارها، ومهرجانات الزبائنيّة الّتي غالبًا ما تنتجها الانتخابات، يبدو أن هذه الآمال كبيرة فعلاً. ولا يشكّك أحد بالحاجة الملحّة لإصلاح البنى التحتيّة للبلد. فلو قارنّا البنى التحتيّة في كلّ من بيروت ودبي، لظننّا أنّ الأخيرة شريط من أفلام الخيال العلمي. ولكنّها ليست كذلك. إنها ثمرة عمل حكومة لا تملك الموارد وحسب، بل تعتمد مخطّطًا مستقبليًّا شاملاً لما تريده للإمارة، بالإضافة إلى حرصها على تحميل المتعاقدين مسؤوليّة عملهم. إلى ذلك، إن تهاوي البنى التحتيّة للبلاد لا يعود فقط لسنواتٍ من الإهمال الحكومي وحسب، بل هو أيضًا نتيجة للضغط الناجم عن تدفّقات اللاجئين جرّاء الحرب في سوريا. وللحكومة اللبنانيّة كلّ الحق في المطالبة بأن يتحمّل المجتمع الدولي قسطه من الثمن الجيوسياسي في ذلك.  هذا ما فعلته دول أخرى، ومنها تركيا، بلا خجل أو وجل.
ولكن، في دولة تضرب جذورها عميقةً في الممارسات الزبائنيّة وعبر الشبكات الرعائية الحديثة، من يضمن مسارًا شفّافًا للمناقصات وتنفيذ المشاريع؟ فلو رشحت تجربة إعادة البناء بعد الحرب عن درس، فهو أنّ الإنفاق المستقبلي على تنمية البنى التحتيّة ليس بالترياق الّذي تعدنا به الحكومة اليوم. أمّا القائلين بأنّ نجاح باريس 4 مشروط بالشراكات العامّة-الخاصّة وبإحراز التقدّم في قوانين الخصخصة، فيبدو أنّ الرابط العضوي العميق بين الزبائنيّة والقطاع العام قد فاتهم، وهو جسر العبور بين القطاعين العام والخاص، أو أنّهم لا يملكون أدنى فكرة عن مسار التعاقد والمقاولة من الباطن في ما يُسمّى بـ"المعجزة اللبنانيّة"، أو أنّهم ينوون توظيف التقارير الإعلاميّة المظلمة والمتشائمة الّتي صدرت مؤخّرًا للحصول على مزيد من التنازلات الماليّة من فئات مجتمعيّة بالكاد تؤمن احتياجاتها.

لكنّ ما يعجز العقل عن فهمه هو أنّ قلّة قليلة فقط في البلد مستعدّة لاعتبار ما يبدو كأنّه عاصفة مثاليّة تتحضّر كفرصة للقيام بإصلاحات اقتصاديّة حقيقيّة. وليست الوصفة بالجديدة ولا بالمعقّدة. إلاّ أنّها تتطلّب رؤية تختلف اختلافًا جذريًّا عن واقع لبنان، وعمّا يجب أن يكون عليه، وتعتبر البلد أكثر من مجرّد ملاذٍ ضريبيّ أو بقرة حلوب تتناول المنشّطات خدمةً لنخبةٍ من المحظيّين. وهي تستوجب سياساتٍ تُشبه تلك المعتمدة في الكثير من بلدان جنوب الكرة الأرضيّة، تقود البلد إلى مسار النموّ الطويل الأمد، وتمكّنه من خفض التفاوت في الدخل في نهاية المطاف. وتشكّل الشراكات العامّة-الخاصّة شرطًا أساسيًّا لتطوير البنى التحتيّة المتهاوية في البلد، لكنّها غير كافية لحلّ مشكلات لبنان الاقتصاديّة. فإلى جانب مشاريع البنى التحتيّة، يحتاج الاقتصاد اللبناني بشكل ملحّ إلى استثمارات حكوميّة وخاصّة في القطاعات القديمة كما الجديدة.
 
لطالما عانى قطاعا الزراعة والصناعة من الإهمال بسبب هيمنة الفكر الريعي القائم على الخدمات  للسلطة الحاكمة، وتركُّز الأنشطة الاقتصاديّة في بيروت وضواحيها. ونتيجةً لذلك، تحوّلت المناطق اللبنانيّة النائية فعليًّا إلى قنبلة موقوتة، وأماكن قاحلة مهجورة، تخلو من فرص العمل ويخبو فيها الأمل. 

ويشهد كلّ من عَمِل على مكافحة التطرّف العنيف أنّ العقائد المتطرّفة تستهوي، على وجه الخصوص، الأشخاص الّذين تضيق بهم الأفق الاجتماعيّة الاقتصاديّة. فلم يُطرح بديل لأجيال من سكّان الأرياف سوى الإنتقال إلى بيروت بزحمتها الخانقة، بحثًا عن وظائف متواضعة ومتدنيّة الأجر، في حين يهاجر الأوفر حظًّا سعيًا وراء حياةٍ أفضل. فالأجدى بأيّ اقتصاد سياسيّ  يرعى شؤون الناس أن يستغلّ المواهب الخارقة لشباب الألفيّة لتحويل المناطق الريفيّة في لبنان إلى جنّةٍ من الحلول الزراعيّة، والسياحة البيئيّة، والأشكال البديلة من السياحة الداخليّة، والترفيه، والتنمية. وذلك يتطلّب أكثّر من شق طريق هنا وإنشاء ملعب كرة قدم هناك، بل أنّه يشمل "تنمية الوجهة المقصودة" بما لا يقتصر على زيادة جاذبيّة هذه المناطق للسوّاح على مدار السنة، بل  بدعم مستوى المعيشة لدى المجتمعات المضيفة أيضاً. فعلى الرغم من نجاح "فقرا" و"فاريّا" في اجتذاب نوع خاص، وإن كان محدودًا، من الزبائن، فهما لا تمثّلان نموذجًا سياحيًّا ناجحًا للبلد بأسره. ولا شكّ أنّ تنمية المناطق الريفية التي تقوم بها الحكومة أو عبر الشراكات العامّة-الخاصّة ، والتي تشمل البنى التحتيّة، تشكّل استراتيجيّةً أكثر نجاعةً من الخطاب والممارسات الّتي تطال سكّان الأرياف و تتعمّد شيطنتهم.

الصناعة هي ضحيّة أخرى من ضحايا الفكر الاقتصادي الريعي في لبنان. فالهوس بقطاع الخدمات على حساب القطاع الصناعي المنتج للوظائف قد أدّى إلى استيراد ما يقارب 85% من استهلاك اللبنانيّين بكلفة 23.1 مليار دولار عام 2017، ما أدّى إلى عجز في الميزان التجاري بلغ نحو 20.3 مليار دولار للسنة نفسها. ولا يزال التحيّز الدائم ضدّ هذا القطاع، في بلد يعجّ بالمواهب، وترتفع فيه معدّلات البطالة والاستهلاك، يشكّل لغزًا محيّرًا. فهل يرجع السبب في ذلك إلى الخوف من ميل القوى العاملة المنظّمة إلى الاصطفاف بحسب الترسيمات الاجتماعيّة-الاقتصاديّة، وليس الطائفيّة، كما يتبيّن من تجربة الحقبة التي سبقت الحرب الأهلية، بما يُفضي إلى حرمان النخبة السياسيّة الطائفيّة من قاعدة انتخابيّة كبيرة وإنّما مطواعة ومنضبطة ضمن استراتيجيّة الزبائنيّة؟ أو يُردُّ ذلك إلى صعوبة الإقرار بأنّ ما يحتاجه لبنان لطالما تمثّل بنوع آخر من الدولة الإنمائيّة، تلك الّتي ترعى الصناعات المحليّة الوليدة وتخصّص الائتمانات على نحو انتقائي، بخلاف قوى السوق العمياء؟ إن الاستعاضة عن الواردات على نحو متين ومتنوّع في الوقت عينه، مقرونةً بقطاع صناعي موجه نحو التصدير، من شأنه تأمين حياةً أكثر كرامةً وإنسانيّة لجحافل العاطلين عن العمل في لبنان – المموّهين بوظائف مُبتكرة وإن كانت زهيدة الأجر إلى حدّ مزرٍ، على غرار موظّف خدمة ركن السيّارات، الّذي لا يكلّ ولا يتعب، والمنتشر في كلّ مكان. وقد يخفّض ذلك أيضًا من كلفة الاستيراد، وبالتالي من العجز التجاري. أو هل أنّ الدولة الإنمائيّة طلبٌ بعيد المنال لدى نظام بيروقراطي تستشري فيه الولاءات الزبائنيّة؟

وإلى جانب الاستثمارات في القطاعات الآنف ذكرها، تدعو الحاجة أيضًا إلى مبادرات جريئة في قطاعات جديدة واستشرافيّة. ونذكر على سبيل المثال لا الحصر، الحاجة إلى الاستثمار في التكنولوجيّات المستدامة  لاستغلال موارد الطاقة الشمسيّة في البلد، كما في مرافق إدارة النفايات لتضع حدًّا للظروف البيئيّة السرطانيّة السائدة حاليًّا، وفي المؤسسات الاجتماعيّة كي تسخّر المواهب الابداعيّة في البلد، وفي نوعٍ جديد من النظم التربويّة فتُعدّ الأجيال المستقبليّة لمواجهة التحديات التي تنتظرها في القرن الواحد والعشرين. أفلم يُلقّن أطفالنا أسطورة اللبنانيّ الّذي ورث عن الفينيقيّين روح ريادة الأعمال؟ لماذا لا نتيح لأبناء أجيالنا الشابّة إذًا فرصة توظيف مهاراتهم في الديار، بدلاً من الاحتفال بنجاحهم في المهجر بعد فوات الأوان؟
 
فلنأمل إذًا – حيث يكاد يضيع الأمل – أن يؤدّي باريس 4 إلى إعادة تقييم نوع الدولة التي يستحقّها اللبنانيّون تحديدًا. وتشهد الأدبيات الأكاديميّة نقاشًا سليمًا حول المقدّرات الفعليّة للدولة اللبنانيّة، في ظلّ الاستقلاليّة الذاتية الكبيرة الّتي تتمتّع بها الطوائف، ونفوذ جماعات المصالح الخاصّة.
ويمكن لهذه "الدولة" الّتي غالبًا ما نستهين بها، أن تفاجئنا في بعض الأحيان. فقد نجحت على سبيل المثال، ورغم المعارضة الهائلة لمجتمع الأعمال، في فرض زيادة سلسلة الرواتب بكلفة ناهزت الـ1.9 مليار دولار، تمّ التعويض عنها جزئيًّا – وعلى الرغم من المعارضة الهائلة– برزمة من الزيادات الضريبيّة شملت أرباح الشركات (من 15% إلى17%)، والفوائد على الودائع (من 5% إلى 7%)، والضريبة على القيمة المضافة (من 10% إلى 11%)، والضريبة على عائدات سندات الخزينة واليوروبوند. ورغم أنّ هذا الإجراء أتى متأخّرًا، أثبتت "الدولة" اللبنانيّة قدرتها على التصرّف كدولة متى أرادت ذلك.
 
يقف من يمسكون بزمام الاقتصاد السياسي اللبناني اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يتجاهلوا إشارات الإنذار- يعمدون الى الحيل المالية مثلما فعلوا سابقاً لتمويه ميزانيّة عام 2018- فيعتمدون نفس الخيارات الاقتصاديّة الّتي أفضت إلى الفشل الحالي، أو يمكنهم استغلال باريس 4 لإعادة التفكير في نوع الاقتصاد الّذي يمكن بل يتعيّن اعتماده في لبنان، وبذلك يحوّلون الأزمة إلى فرصة، فيطرحون على أنفسهم السؤال الّذي طرحه حاكم ولاية ميشيغان، جورج رومني، عام 1963: "إن لم نقم نحن بذلك، فمن سيفعل؟ وإن ليس الآن، فمتى؟" ولنأمل أن يقوموا بذلك قبل فوات الأوان فعليًّا. 






Copyright © 2018 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.