Home | About LCPS | Contact | Careers

Featured Analysis


عامر بساط وروبرت كان , على التوالي,  رئيس وحدة "الأسواق السيادية والناشئة" (ألفا) في شركة  بلاك روك ومدير وحدة "الاستراتيجية العالمية" ووحدة "الاقتصاد الكلّي العالمي" في مجموعة "أوراسيا"  


March 2020
كيف يتعيّن على لبنان إدارة الأزمة؟

 لا يخفى على أحد أنّ مجموعة الصدمات التي يتعرض لها لبنان وحكومته الجديدة لم يسبق لها مثيل. فالأزمة الاقتصادية والمالية الشديدة والخطر المستجدّ والكبير المتمثّل بانتشار فيروس كورونا يهددان بزعزعة الوضع الاقتصادي والسياسي المتردي أساساً. ومع اقتراب عدد من المواعيد الحاسمة، بما في ذلك خطوة تقسيط الدين الوشيكة، لا يمكن لأحد أن ينكر أنّ الأزمة ستكون مؤلمة وطويلة الأمد.

وبغية التوصل إلى حلّ مستدام، لا بدّ من اتباع نهج تشاركيّ يستوجب إجراء مفاوضات مع أطراف معنية متعددة سيُطلب منها تقديم تضحيات كبيرة. في هذا الإطار، سيتطلب الخروج من الأزمة توّفر ثلاث ركائز في المفاوضات.

أولاً، ينبغي إجراء مفاوضات مع الدائنين من القطاع الخاص. ممّا لا شكّ فيه أنّ الآمال التي يعلّقها حاملو السندات على تسديد الديون بالكامل هي آمال غير واقعية إذ إنّ إعادة هيكلة الدين تبدو خطوة لا مفرّ منها. وإنّ حجم الديون التي ستيوجب على الحكومة تخفضيها يعني أنّ المفاوضات ستكون في أغلب الظنّ صعبة ومطوّلة وستؤدي على الأرجح إلى منازعات، خصوصاً في غياب استراتيجية سليمة للتعافي الاقتصادي.

ثانياً، لا بد من إجراء مفاوضات أيضاً مع القطاع المصرفيّ. لقد باتت مصارف كثيرة مفلسة وستؤدي إعادة هيكلة حيازاتها الكبيرة من الديون العامة (والديون الخاصة المتعثرة) إلى اتخاذ قرارات صعبة بشأن إقفال المصارف أو تأميمها أو دمجها. وسيتعيّن على مُديري الأزمة أيضاً إرغام المصارف الصامدة (بما فيها البنك المركزي خصوصاً) على إعادة الرسملة والتفكير في الوقت نفسه في خطط مؤقتة للتعافي من الأزمة ("مصارف جيدة/سيئة"). وسيضطر مديرو الأزمة على الأرجح إلى اتخاذ قرارات غير محبّذة على الإطلاق تتعلق بالتخلف عن تسديد مستحقات المودعين وطريقة تنفيذ ذلك.

أمّا الركيزة الثالثة فتتمثل ببرنامج متين وموثوق للتعافي الاقتصادي يستدعي تدخلاً من صندوق النقد الدولي مدعوماً مالياً من جهات مانحة أجنبية. وفي هذا السياق، لا بدّ من اتخاذ قرارات صعبة. أولاً، سيتطلب البرنامج الماليّ الجديد اعتماد نظام أكثر مرونة لصرف العملات وتخفيص قيمة الليرة اللبنانية، ما سيؤدي إلى تداعيات اجتماعية وسياسية ضخمة. ثانياً، سيؤثّر البرنامج الماليّ الجذريّ والضروريّ على دافعي الضرائب وموظفي القطاع العام والمتقاعدين وغيرهم من المستفيدين من الخدمات الحكومية. وأخيراً، من المرجح أن يركز البرنامج في الدرجة الأولى على معالجة مشاكل الحوكمة والفساد المزمنة التي ألقت بثقلها على الاقتصاد اللبنانيّ، وهذه نقطة إيجابية في نظرنا، لكنّها ستواجه مقاومة شرسة من أولئك الذين استفادوا لوقت طويل من النظام القائم.

من القواعد الأساسية الواجب اتباعها عند إدارة أزمات الأسواق الناشئة تنفيذ الجهود بالتوازي، وليس بشكل تسلسليّ. فإدارة الأزمات تتطلب في الدرجة الأولى إجراء مفاضلات بما أنّ القرارات التي تُتّخذ في مجال معيّن تؤثّر على المجالات الأخرى. ولتوضيح هذه النقطة، سنعطي مَثلين اثنين. إنّ تخفيض الديون بنسبة كبيرة يوفّر مساحة أكبر من الحرية في التصرف في الأموال، لكنه يزيد من حجم المشكلة المصرفية ومن احتمال التخلف عن تسديد مستحقات المودعين. كذلك، قد يؤدي البرنامج الماليّ الضخم المحتمل إلى جذب مزيد من التمويل الخارجيّ، لكنه سيشكل عبئاً كبيراً على الاقتصاد. وبالتالي، لا بدّ من إدارة هذه الأزمة من منظور شامل بما أنّ أيّ نهج تدريجي وتسلسلي، مهما كان مغرياً، سيؤدي إلى ننتائج عكسية.

في الواقع، يعتمد نجاح جهود إدارة الأزمة على الجوانب اللوجستيّة. أولاً، إنّ اللجنة الوزارية المختصة بمعالجة الأزمة والتي تمّ تشكيلها مؤخراً ليست الوسيلة المناسبة لإدارة الأزمة لأنّها هيئة سياسية يتركز دورها حول اتخاذ القرارات الاستراتيجية. لذلك، ينبغي تعيين "مستشار اقتصاديّ وطني" للإشراف على الفرق المتفاوضة ولإدارة المفاوضات اليومية. ثانياً، ينبغي أن تتمتع الفرق المتفاوضة بصلاحية اتخاذ القرارات، ويتطلب ذلك إصدار توجيهات واضحة تحدد مسبقاً مهام هذه الفِرق ومساحة الحرية الممنوحة لها لاتخاذ القرارات. فالرجوع إلى اللجنة الوزارية للحصول على الموافقات هو أمر غير فعّال على الإطلاق. بالإضافة إلى ذلك، ينبغي أن تحظى الفرق بدعم سياسيّ، بما في ذلك دعم عامّ صريح و، إلى حدّ ما، حصانة قانونية.

ثالثاً، في أوقات الأزمات، لا بدّ من اتخاذ القرارات المهمّة سريعاً، وبالتالي تُعتبر الجاهزية التحليلية أساسية. في هذا الإطار، ينبغي توفير الموارد الكافية للفرق المتفاوضة بما يسمح لها ببناء وإدارة "إطار عمل كليّ" يربط بين القرارات المتعلقة بالدين والقطاع المصرفي والقرارات المالية والضريبية. إنّ هذه المهمة ليست بالسهلة، ويتعين على الدائنين وعلى فريق صندوق البنك الدوليّ الجلوس على طاولة المفاوضات وفي حوزتهم إطار العمل المذكور. وينبغي أن يكون لدى المفاوضين اللبنانيين إطار مماثل أيضاً. وأخيراً، لا بدّ من الحصول على موافقة الشعب (الذي سيُطلب منه تقديم تضحيات كبيرة). وممّا لا شكّ فيه أنّ معلومات مغلوطة كثيرة ستنتشر، بالإضافة إلى تكنهات من الخبراء في المجال، ما يستدعي وضع استراتيجية شفافة ومتّسقة وواضحة للتواصل. ويُنصح أيضاً بوضع آلية تشاركية لمناقشة السياسات مع المجتمع المدنيّ وتمكين المواطنين من مراقبة عملية التنفيذ.

يواجه لبنان أزمة شديدة، والوقت ليس لصالحنا. يتعين على مَن يديرون الأزمة اليوم تخطي ثغرة كبيرة في الموثوقية والشرعية. فقد ضاق ذرع المجتمع المحليّ والمجتمع الدوليّ من تلكؤ صنّاع السياسات اللبنانيين عن اتخاذ الإجراءات اللازمة على مدى 30 سنة. لقد كان التاريخ مخيّباً للآمال، فدعونا لا نكرّره.
 
 
 






Copyright © 2020 by the Lebanese Center for Policy Studies, Inc. All rights reserved. Design and developed by Polypod.