-
شؤون اجتماعيةنوفمبر 29، 2025
تجريم التحرُّش الجنسي في لبنان: الإنجازات القانونية والتحديات
- كلارا ديبه

في إطار جهود المناصرة التي يبذلها المركز اللبناني للدراسات في سبيل تحقيق تعافٍ مستدام، محوره الإنسان، من انفجار مرفأ بيروت، وتماشيًا مع مساعيه الرامية إلى تعزيز العدالة الاجتماعية المُنصِفة والشاملة للجميع، وبناء الثقة بين الأفراد والكيانات والحكومة اللبنانية، أقام المركز شراكة مع منظّمة الشفافية الدولية وفرعها الوطني، أي منظمة الشفافية الدولية لبنان- لا فساد، لإصدار "مرصد الإصلاح". ترتبط المواضيع التي يغطيها المرصد بمجالات الإصلاح والتعافي وإعادة الإعمار. ويندرج المرصد في إطار مشروع بناء النزاهة والمساءلة الوطنية في لبنان ("بناء") المموّل من الاتحاد الأوروبي. الآراء الواردة فيه لا تعكس بالضرورة وجهة نظر الجهة المانحة.
ما هي الإشكالية المطروحة؟
لا يزال التحرُّش الجنسي يشكّل تحديًا قانونيًا واجتماعيًا مستمرًا في لبنان، على الرغم من إقرار القانون رقم 205 في العام 2020 لتجريم هذه الأفعال وحماية الضحايا. ومع أنّ هذا القانون مثّل خطوة مهمة إلى الأمام، يبقى تطبيقه محدودًا. فحتى العام 2024، لا يبدو أنّ هناك سجلات متاحة للجمهور، بما في ذلك الأحكام القضائية أو الإحصاءات الرسمية، توثّق ملاحقات قضائية أو إدانات صريحة استنادًا إلى القانون رقم 2020/205. كذلك، وعلى الرغم من أنّ القانون 205 ينص على إنشاء صندوق مخصّص لدعم الضحايا لدى وزارة الشؤون الاجتماعية، تشير التقارير المتاحة حتى العام 2024 إلى أنّ هذا الصندوق لم يُنشأ أو يُفعَّل بعد.
تفيد تقارير صادرة عن منظمات حقوقية وبحثية بأنّ وتيرة التنفيذ لا تزال بطيئة، مع محدودية في أنشطة الإنفاذ وتأخّر في إنشاء الآليات اللازمة لتنفيذ القانون. وعلى الرغم من هذه الثغرات، نُفِّذَت بعض المبادرات المؤسّسية ومبادرات التوعية المحدودة، مثل برامج تدريب للموظفين العموميّين وحملات التوعية في أماكن العمل. ومع ذلك، لا تزال آليات الإنفاذ والإبلاغ ضعيفة، ما يترك العديد من الضحايا من دون سُبُل انتصاف يمكنهم الوصول إليها.
تطوّر القانون 205
على مدى العقد الماضي، عملت مجموعة متنوّعة من الفاعلين، من محامين وباحثين وناشطين ووزراء ومنظمات دولية، على الدفع باتجاه إقرار تدابير قانونية لتجريم التحرُّش الجنسي. ففي العام 2012، تعاونت مجموعات من المجتمع المدني ومحامون وقضاة وباحثون وناشطات نسويات على إعداد مشروع قانون لمعالجة التحرُّش الجنسي في مكان العمل.
واندرجت تلك الجهود في إطار حملة نسوية ومشروع متعدّد الوسائط بعنوان "مغامرات سلوى"، نظّمه التجمّع النسوي، وهدف إلى التوعية بالتحرُّش الجنسي وحشد الدعم العام لإصلاح القانون من خلال الرسوم المتحركة والسرد القصصي والمناصرة. وبعد عامين، أي في العام 2014، قدّم النائب غسان مخيبر اقتراح قانون معجّل لتجريم التحرُّش الجنسي والإساءة العنصرية.
غير أنّ هذين المسعيَيْن لم ينجحا في نهاية المطاف. فلم يُدرج الاقتراح الأول على جدول أعمال مجلس النواب، كما لم يُناقَش مشروع القانون المقدَّم في العام 2014 في مجلس النواب إلا في العام 2017، حيث قوبل بانتقادات من بعض النواب. وفي العام نفسه، أُنشئ مكتب وزير الدولة لشؤون المرأة، برئاسة الوزير جان أوغاسابيان. وبدعم من مستشارة الشؤون الجندرية والسياسات العامة، عبير شبارو، قدّم المكتب مشروع قانون بديل لتجريم التحرش الجنسي. وقد أقرّ مجلس الوزراء اللبناني هذا الاقتراح البديل في 8 آذار/مارس 2017. وأخيرًا، في كانون الأول/ديسمبر 2020، أقرّ مجلس النواب اللبناني قانونًا لمكافحة التحرُّش الجنسي هو "قانون تجريم التحرش الجنسي وتأهيل ضحاياه" (القانون رقم 205).
الأحكام الرئيسية
يُجرِّم القانون 205 التحرُّش الجنسي، ويُنشئ صندوقًا خاصًا لدى وزارة الشؤون الاجتماعية لدعم تأهيل الضحايا وإعادة إدماجهم في المجتمع. ويُموَّل هذا الصندوق من خلال مساهمات الدولة والتبرعات، و10٪ من الغرامات المفروضة بموجب المادة 2 من القانون، التي تُحوَّل إلى الصندوق بأمر قضائي (مركز المعلوماتية القانونية في الجامعة اللبنانية، 2021). ولكنْ حتى تاريخه، لا تتوافر معلومات عمّا إذا كان الصندوق قد أُنشِئ بالفعل أم لا يزال حبرًا على ورق.
وإلى جانب الملاحقة الجزائية، يمكن لأصحاب العمل والمؤسّسات اتّخاذ إجراءات تأديبية، كما يمكن لضحايا التحرُّش الجنسي المطالبة بتعويض عن الأضرار. ويعاقب القانون كذلك المرتكبين ويوفّر الحماية للضحايا والشهود الذين يتقدّمون للإبلاغ عن حالات تحرُّش. وعلى وجه التحديد، يسعى القانون إلى حماية من يُبلّغون عن التحرُّش أو يُدلون بشهادتهم بشأنه، من خلال منع التمييز ضدهم أو إساءة معاملتهم أثناء التحقيق والملاحقة.
مع ذلك، وبينما تُقرّ المادة 5 من القانون 205 بحق الضحية في المطالبة بالتعويض عن الضرر النفسي أو المعنوي أو المادي، وتفرض المادة 6 إنشاء صندوق لدى وزارة الشؤون الاجتماعية، لا يحدّد القانون 205 الخطوات الإجرائية اللازمة (مركز المعلوماتية القانونية في الجامعة اللبنانية، 2021).
كذلك، ينصّ القانون 205 على عقوبات أشدّ عندما تكون هناك "علاقة تبعية" (مثل علاقة صاحب العمل–الموظف، أو المعلّم–الطالب) أو عندما يقع التحرش في مؤسّسات محدّدة (مجموعة البنك الدولي، 2022). فعلى سبيل المثال، تُخصَّص أقسى العقوبات – أي السجن من سنتين إلى أربع سنوات وغرامات تتراوح بين 30 و50 ضعف الحد الأدنى للأجور – للمرتكبين الذين يتمتّعون بسلطة كبيرة على الضحية.
على سبيل المثال، ينطبق ذلك إذا كانت الضحية تعاني من إعاقة جسدية أو كانت غير قادرة على الدفاع عن نفسها، أو إذا ارتكب التحرُّش عدة جناة، أو إذا مارس الجاني ضغطًا شديدًا للحصول على خدمات ذات طابع جنسي. ومع ذلك، لا توجد حتى اليوم سوابق قضائية مُعلَنة تُظهر أنّ المحاكم طبّقت هذا الظرف المشدِّد (جبّور والزير، 2022).
خطوة إلى الأمام
اعتبرت عدة هيئات دولية ومنظمات محلية أنّ القانون 205 هو الأوّل من نوعه في المنطقة، وأنّه ينطوي على عدد من المزايا والفوائد.
أولًا، يُعدّ إقرار هذا القانون بحدّ ذاته، بعد سنوات من جهود المناصرة، خطوة كبيرة إلى الأمام. إذ جاء استجابة لارتفاع عدد حالات التحرُّش الجنسي المُبلَّغ عنها، ويهدف إلى ضمان آليات قانونية شاملة للحماية من العنف الجنسي.
ثانيًا، تتمثّل الفائدة الأساسية للقانون في حماية الضحايا من الانتقام، بما يضمن سلامتهم في مجالات مثل الأجور والترقيات والنقل وتجديد العقود أو أي إجراءات عقابية. كما يحمي القانون المُبلِّغين عن المخالفات، ولا سيّما أنّ عبء الإثبات غالبًا ما يُلقى على عاتق الضحايا (جبّور والزير، 2022)، إذ إنه يجرِّم التمييز بحق من يُبلّغ عن التحرُّش أو يُدلي بشهادته بشأنه. وقد يؤدي الانتقام إلى السجن لمدة تصل إلى ستة أشهر، وغرامة تعادل 20 ضعف الحد الأدنى للأجور.
ثالثًا، تزامن إقرار القانون 205 للعام 2020 مع إصلاح قانون العنف الأسري الصادر في العام 2014 (القانون 293). وقد أسهم ذلك في توسيع البنية القانونية لمكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي في لبنان. إذ تعترف التشريعات الحديثة بالعنف الأسري كجريمة، حتى عندما لا يكون الأشخاص المعنيون متزوّجين. ويُوسّع ذلك نطاق الحماية القانونية للضحايا من خلال الإقرار بأنّ الإساءة قد تتجاوز الحدود التقليدية لمؤسّسة الزواج نفسها (طوق، 2023).
غير أنّ هذه التعديلات تركّز في المقام الأول على النساء في سياقات الزواج، ولا توفّر حماية كافية لجميع الأنواع الاجتماعية من العنف والإساءة، مع أنّهم/ن أيضًا يتأثرون بهذه الجرائم. ومع ذلك، تمثّل هذه التحديثات تقدمًا ملموسًا، إذ توفّر دعمًا وحماية تشتد الحاجة إليهما في حالة النساء اللواتي يعانين من التحرُّش والعنف الأسري في لبنان (طوق، 2023).
أوجه القصور والتنفيذ
وجّهت منظمات عدّة وسياسيون/ات وناشطون/ات ومحامون/ات انتقادات إلى القانون 205، معتبرين أنّه ينطوي على أوجه قصور تجعله غير فعّال في منع التحرُّش الجنسي وفي حماية الضحايا على نحوٍ مناسب.
أولًا، يرى منتقدو القانون أنّ الأخير لا يلبّي متطلبات اتفاقية القضاء على العنف والتحرُّش، بما في ذلك تناول التحرُّش الجنسي كجريمة، ووضع تدابير وقائية وتنفيذها، وإصلاح قانون العمل (منظمة العمل الدولية، 2019). كما يؤكدون على ضرورة تطوير آليات الإنفاذ وفرض عقوبات مدنية، التزامًا بالإرشادات الدولية (طوق، 2023؛ هيومن رايتس ووتش، 2021).
ثانيًا، من أبرز الإنجازات التي حقّقها القانون اعتباره أنّ الملاحقة الجزائية لا تحول دون لجوء الضحايا إلى سُبُل الانتصاف المدنية، بما في ذلك المطالبة بتعويض عن الصرف التعسفي أو غيره من الأضرار. غير أنّ القانون يفتقر إلى إطار قانوني واضح يتيح للناجيات/الناجين المطالبة بهذه السُبُل أمام المحاكم المدنية.
ثالثًا، تشير المادة 3 من القانون إلى ضرورة حماية الضحايا والشهود أثناء التحقيقات والملاحقات، إلا أنّ المنتقدين اعتبروا أنّ هذه العملية لا تزال مبهمة (هيومن رايتس ووتش، 2021). بالإضافة إلى ذلك، وبما أنّ القضايا المرفوعة بموجب القانون 205 تُنظر أمام المحاكم الجزائية، فإنّها تسير بوصفها محاكمات علنية. ويشير محلّلون قانونيون إلى أنّ غياب السرية يشكّل رادعًا إضافيًا. إذ قد يخشى الضحايا الإدانة العلنية أو الانتقام أو الإحراج أو الوصمة المرتبطة بكشف قضيتهم على الملأ (الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية، 2022).
رابعًا، يواجه القانون 205 أيضًا تحديات إضافية تحدّ من فعاليته. فهو، على سبيل المثال، يفتقر إلى آليات واضحة للإبلاغ وضمان الامتثال، ما يترك الضحايا عرضة لاستمرار الإساءة (عريضي وعريضي، 2022). وعلى وجه التحديد، يتمثل أحد التحديات الرئيسية في أنّ عبء الإثبات يقع على عاتق المدّعي/ة، الذي/التي يتعيّن عليه/ا إثبات وقوع التحرُّش الجنسي، وهو ما يصعب إثباته غالبًا (جبّور والزير، 2022؛ خنيصر، 2018).
وعلى الرغم من إقرار القانون، لا تزال معظم النساء غير محميات، ولم تتحقّق بعد تغييرات جوهرية لمعالجة التحرُّش الجنسي. كذلك، فإن بطء تنفيذ القانون، إلى جانب الصعوبات الاقتصادية المستمرة في لبنان، يعني أنّ كثيرًا من النساء يضعن أولوية البقاء الأساسي فوق الإبلاغ عن التحرُّش (غالي، 2022). كما أنّ غياب التدريب المراعي للنوع الاجتماعي في أجهزة إنفاذ القانون وفي النظام القضائي، واستمرار الصور النمطية الجندرية والمواقف التمييزية، يعيقان قدرة النساء على اللجوء إلى القانون لتحقيق العدالة (سايرن أسوشيتس، 2023).
لماذا يُعدّ هذا مهمًا؟
يمثل القانون 205 خطوة إلى الأمام لضمان المساواة بين الجنسَيْن والحماية من العنف الجنسي. ومن خلال الاعتراف بالتحرش الجنسي كجريمة، يساهم القانون 205 في تحدي الأعراف الثقافية التي سمحت باستمرار هذا السلوك من دون أيّ تبعات قانونية. ويشكّل هذا القانون تقدمًا ملحوظًا عبر تجريم التحرُّش الجنسي وتوفير الحماية للمبلّغين/ات عن المخالفات. غير أنّه لا يستوفي المعايير التي تحدّدها اتفاقية منظمة العمل الدولية بشأن العنف والتحرُّش، وينطوي على أوجه قصور وتحديات على صعيد التنفيذ (هيومن رايتس ووتش، 2021).
وتُبرِز التحديات التي تعترض تنفيذ القانون 205، مثل وقوع عبء الإثبات على الضحايا، وغياب آليات واضحة للإبلاغ، والعوائق المجتمعية، صعوبة تحويل الإصلاحات القانونية إلى تغييرات فعلية على أرض الواقع. وبالتالي، فإن معالجة هذه التحديات شرط ضروري لضمان فعالية القانون، ولكي يشعر ضحايا التحرُّش الجنسي في لبنان بالأمان والتمكين للإبلاغ عن الانتهاكات التي تعرّضوا/تعرّضن لها.
المراجع
عريضي، ر. وعريضي، ل. (2022). التحرش الجنسي في لبنان. Global History Dialogues.
غالي، م. (2020). لا يزال الطريق طويلًا لمكافحة التحرش الجنسي في لبنان. The New Arab.
كلارا ديبهباحثة مبتدئة في جامعة زويد للعلوم التطبيقية في ماستريخت وطالبة ماجستير في دراسات العولمة والتنمية في جامعة ماستريخت.