• بيئة
    يناير 22، 2026

    تلوُّث مياه البحر وتحدّيات الحوكمة في لبنان

    • فاتشه تشلدريان
    تلوُّث مياه البحر وتحدّيات الحوكمة في لبنان
    المصدر: جوزيف عيد عبر أ ف ب

    انجـز مرصد الإصلاح هذا بدعـم مـن سفارة النرويج في بيروت. إنّ الآراء الـواردة فيه لا تعكـس بالضـرورة وجهـة نظـر الجهـة المانحـة.


    ما المسألة المطروحة؟

    يُقدِّم التقرير السنوي لعام 2025، الذي نشره المركز الوطني لعلوم البحار التابع للمجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان، تقييمًا مُحدَّثًا لجودة مياه البحر والثروة السمكية على طول الساحل اللبناني[1]. تتناول الدراسة السنوية عيّنات مأخوذة من 38 موقعًا، أغلبها على الشواطئ العامّة، وتفحص وجود المجموعات البكتيرية، وفقًا للمنهجية التي يوصي بها "برنامج تقييم ومراقبة التلوُّث في البحر الأبيض المتوسّط" (MEDPOL).

     

    يُظهِر التقرير عمومًا أنَّه من أصل 38 موقعًا مُراقَبًا، تَبَيَّنَ أنَّ هناك 24 موقعًا آمنًا للسباحة (63%)، و8 مواقع (21%) تُعتبَر غير آمنة أو على وشك أن تكون غير آمنة، و6 مواقع مُلوَّثة بشدّة (16%). المواقع المُلوَّثة بشدّة تقع تحديدًا في طرابلس (الشاطئ العام)، وجونيه (الشاطئ العام)، والضبية (شمال مارينا الضبية)، وأنطلياس (مصبّ نهر أنطلياس)، بالإضافة إلى موقعَيْن في بيروت (المنارة والشاطئ العام في الرملة البيضاء). يمكن الاطّلاع على الوضع البكتيري في جميع المواقع المرصودة من خلال الخريطة التفاعلية التي أعدَّها المركز الوطني لعلوم البحار التابع للمجلس الوطني للبحوث العلمية[2]. مقارنةً بنتائج عام 2024، سجّلت تسع محطّات تدهورًا في جودة المياه، وخُفض تصنيفها إلى درجاتٍ أدنى، ومن بينها إحدى المحطّات التي خُفض تصنيفها من "آمنة" إلى "مُلوَّثة بشدّة".

     

    على الرغم من أنَّ تقرير عام 2025 لا يذكر هذا الرابط السببيّ بشكل صريح، إلّا أنَّ التقرير الصادر عام 2023 أشارَ إلى وجود علاقة بين ارتفاع مستويات التلوُّث البكتيري، من جهة، ووجود المياه المبتذلة والماء النضيض (السائل الذي يستخرج مكوّنات المواد الصلبة بمروره من خلالها). كذلك، ذَكَرَ تقرير عام 2023 أنَّ النفايات الصلبة هي المصدر الرئيسي للتلوُّث البحري في لبنان، ما يؤدّي إلى ارتفاع مستويات النضيض.

     

    معظم الأنهار اللبنانية تنقل مياه الصرف الصحّي والنفايات العضوية مباشرةً إلى البحر، ولا سيّما بالقرب من المُدُن والمناطق الصناعية. وتُشيرُ دراسةٌ أُجرِيَت عام 2025 إلى أنَّه على مدار أربعة فصول، وعلى امتداد أربعة شواطئ (شاطئ الغليغيلة في البترون، وشاطئ كفرعبيدا، وشاطئ الرملة البيضاء، وشاطئ صيدا العام)، قد يتجاوز عدد النفايات الصلبة 20,000 قطعة في كلّ 100 متر من الساحل. في المقابل، أوصت لجنة أوسلو وباريس (أوسبار) بأنَّ النسبة يجب ألّا تتجاوز 20 قطعة لكلّ 100 متر. معظم النفايات المتناثرة على الشواطئ اللبنانية عبارة عن مواد بلاستيكية، يليها الورق المقوّى والزجاج والمعادن[3].

     

    يمنع القانون اللبناني تصريف النفايات غير المُعالَجة في البحر. وينصّ قانون حماية البيئة رقم 2002/444 على الحقّ في بيئة نظيفة، وعلى ضرورة اتّخاذ تدابير لمنع التلوُّث [4]. أمّا القانون رقم 1988/64 (المحافظة على البيئة ضدّ التلوُّث من النفايات الضارّة والمواد الخطرة) فيضبط التلوُّث بالمواد الضارّة في البيئة البحرية [5].

    تنصّ المادّة الـ9 من هذا القانون على معاقبة أيّ شخص (طبيعي أو معنوي) "يرمي في البحر مواد كيماوية أو نفايات ضارّة أو غير ذلك من المواد التي تجعل استعمال البحر أو خلاف ذلك مُضِرًّا بالصحّة أو التي تؤدّي إلى قتل الأسماك أو الحدّ من تكاثرها وإفساد صلاحها كغذاء للإنسان أو التي تضرّ سائر الحيوانات والنباتات البحرية". وتُشكِّل الاستراتيجية المتكاملة لإدارة المنطقة الساحلية في لبنان لعام 2025 تكملةً لإطار حماية البيئة البحرية في البلد[6].

     

    الاستراتيجية المتكاملة لإدارة المنطقة الساحلية

    "الاستراتيجية المتكاملة لإدارة المنطقة الساحلية"، التي نُشِرَت في تمّوز/ يوليو 2025 ضمن المشروع 2.1 التابع لبرنامج البحر الأبيض المتوسّط ​​من مرفق البيئة العالمي، أوّل خطّة وطنية شاملة لحماية الموارد الساحلية والبحرية في لبنان. تستند هذه الاستراتيجية إلى منهجية محدّدة تُعرَف باسم "العوامل المُحرِّكة، والضغوط، والحالة، والآثار، والاستجابات" (DPSIR)، بهدف الحدّ من تلوُّث السواحل، واعتماد التخطيط المكاني، وحماية النُّظُم الإيكولوجية، وتحسين حوكمة المجال البحري العام. وردَ تعريف المنطقة الساحلية ضمن هذه الاستراتيجية على النحو الآتي: المنطقة الجيومورفولوجية التي تتفاعل فيها النُّظُم البحرية والبرّية، وتشمل الأنهار الداخلية، والأراضي الرطبة، والمياه الساحلية، والمناطق البحرية الممتدّة حتّى 12 ميلًا بحريًا، وذلك وفقًا للمادّة الـ2 من بروتوكول الإدارة المتكاملة للمنطقة الساحلية.

     

    تنصّ "الاستراتيجية المتكاملة لإدارة المنطقة الساحلية" على أنَّ التحدّي الرئيسي الذي يَحول دون إدارة السواحل في لبنان يتمثّل بكثرة التشريعات، أي وجود قوانين وأنظمة متعدّدة ومتداخلة لتنظيم البيئة البحرية. وقد أدّى ذلك إلى غموض المقتضيات القانونية وضعف التنفيذ. تخضع السواحل لأكثر من 14 صكًّا قانونيًا وتنظيميًا، من بينها قرار الأملاك العمومية البحرية رقم 144/س لسنة 1925، والمرسومان 4809 و4810 لسنة 1966، والقانون 2002/444 بشأن حماية البيئة، والقانون 2011/163 الذي يُحدِّد المناطق البحرية، بالإضافة إلى نصوص قطاعية خاصّة تتعلّق بمياه الصرف الصحّي، ومصائد الأسماك، ومكافحة التلوُّث، واستخدام الأراضي.

     

    نتيجةً لذلك، تُسَجَّل انتهاكاتٌ عديدة في ظلّ المحاسبة المحدودة، بما في ذلك الأبنية غير القانونية في المجال البحري العام، والتصريف غير المُنظَّم لمياه الصرف الصحّي، والمنشآت الصناعية القريبة من الشاطئ.

     

    ترتكز "الاستراتيجية المتكاملة لإدارة المنطقة الساحلية" على القانون 2002/444 كإطار عام ومرجع لحماية البيئة. ويسعى مشروع قانون الإدارة المتكاملة للمنطقة الساحلية لسدّ الثغرة المؤسّسية من خلال إنشاء إطار موحّد للحوكمة يتضمّن صلاحيات واضحة، وتعزيز آليات إنفاذ القانون لضبط مصادر التلوُّث والتعدّيات غير القانونية على الأملاك العامّة. ومن منظور مؤسّسي، يدعو مشروع القانون إلى التنسيق بين وزارة البيئة، ووزارة الأشغال العامّة والنقل، ووزارة الطاقة والمياه، فضلًا عن تحديد أدوار أوضح للبلديات في إدارة السواحل.

     

    وعلى غرار النتائج التي صدرت عن المركز الوطني لعلوم البحار التابع للمجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان، تُحدِّد "الاستراتيجية المتكاملة لإدارة المنطقة الساحلية" التحدّيات الأكثر إلحاحًا التي تُهدِّد الساحل اللبناني، وهي: تصريف مياه الصرف الصحّي غير المُعالَجة، والتلوُّث الصناعي، والاستخدام غير القانوني للأراضي الساحلية، واستخراج الرمال، وتراكم النفايات الصلبة، مُشيرةً إلى أنَّ هذه الضغوط يُفاقِم بعضها بعضًا مع مرور الوقت.

     

    صحّة الأسماك والتداعيات البيئية

    بالإضافة إلى ما ذُكِرَ سابقًا، أجرى المركز الوطني لعلوم البحار التابع للمجلس الوطني للبحوث العلمية تحليلًا لنِسَب المعادن الثقيلة في أنسجة 11 نوعًا من الأسماك المحلّية التي اصطيدَت من صور وبيروت وطرابلس. وتَبَيَّنَ أنَّ مستويات الكادميوم والرصاص والزئبق في جميع الأصناف أقلّ من الحدود القصوى المسموح بها. بالتالي، يمكن أن نفترض مبدئيًا أنَّ الأسماك آمنة للاستهلاك إذا اصطيدَت من مناطق بعيدة عن مَخارِج التصريف أو نقاط تصريف النفايات الصناعية.

     

    تُعتبَر صحّة الأسماك مؤشّرًا غير مباشر على سلامة النظام البيئي البحري. ورغم الاستقرار الحالي، إلّا أنَّ مخاطر التلوُّث المستمرّة قد تُهدِّد مخزون الأسماك والسلامة الغذائية إذا لم تُعالَج. ويُؤكِّد الدليل الميداني للأسماك في شرق البحر الأبيض المتوسّط ​​الصادر عن الاتّحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN) لعام 2022 أنَّ تجمُّعات الأسماك في لبنان حسّاسة إزاء تغيُّرات درجة حرارة المياه ومستويات المُغذّيات، ما يُعرِّضُها للخطر عندما يُؤدّي التلوُّث إلى تغيير موائلها[7].

     

    يوصي النهج الإيكولوجي لإدارة مصائد الأسماك، الذي وَرَدَ في تقرير منظّمة الأغذية والزراعة لعام 2022، بربط إدارة مصائد الأسماك بمراقبة جودة المياه. وفي لبنان، لا يزال هذا النهج غير مُطبَّق بسبب محدودية التنسيق بين الوكالات[8].

     

    ما أهمّية ذلك؟

    إذًا، تُشكِّل نظافة مياه البحر ركيزةً عملية لتعزيز الشفافية والمساءلة. وتتطلّب الإصلاحات تفعيل قوانين الصرف الصحّي والنفايات الصلبة، وضمان ربط بيانات رصد مياه البحر (كتلك التي ينشرها المركز الوطني لعلوم البحار التابع للمجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان) بالجهات المعنيّة بإنفاذ القانون. بالتالي، من المهمّ مواءمة إنتاج البيانات مع آليات الإنفاذ لتقليص الفجوة بين التلوُّث المُوثَّق والاستجابة المؤسّسية.

     

    في نهاية المطاف، يُعَدّ الموقع الجغرافي للبنان ومناخه "موردًا رأسماليًا طبيعيًا" يمكن البلدَ الاستفادةُ منه من أجل تعزيز النشاط الاقتصادي وتحسين الظروف المعيشية. كذلك، فإنَّ الحفاظ على جودة مياه البحر ضمن الحدود المقبولة يُعتبَر شرطًا أساسيًا للمحافظة على هذه الموارد.

     

    على مستوى السياسات العامّة، لا تعتمد حماية البيئة الساحلية على سنّ تشريعات جديدة بقدر ما تعتمد على توحيد الأُطُر القانونية والتنظيمية القائمة وتطبيقها بشكل متناسق. وتُعَدّ الإصلاحات الإجمالية في القطاع البحري ضروريةً لتحسين الصحّة العامّة، بل أيضًا لتحقيق فوائد اقتصادية من الموارد الفريدة في لبنان ودفع عجلة التعافي الاقتصادي.

     

     

    المراجع

    [1] المركز الوطني لعلوم البحار. (2025). وضع البيئة البحرية في لبنان: تقرير الرصد السنوي لعام 2025. Status of the Marine Environment in Lebanon: Annual Monitoring Report 2025. المجلس الوطني للبحوث العلمية – لبنان. https://cnrs.edu.lb/wp-content/uploads/2025/10/Marine-Report-CNRSL_NCMS_2025.pdf 

     

    [2] المركز الوطني لعلوم البحار (2024). الوضع البكتيري للمواقع المُراقَبة على طول الساحل اللبنانيBacteriological Status of Monitoring Stations along the Lebanese Coast. المجلس الوطني للبحوث العلمية – لبنان. https://sunar-cnrs.maps.arcgis.com/apps/instant/minimalist/index.html?appid=4c3d60b21bff459191abffdcf11df366

     

    [3] فريق خبراء نفايات الشواطئ التابع لأوسبار، لاكروا، ك.، أندريه، س.، ميلاند رود، أ.، فان لون، و. م. ج. م.، بليدبيرغ، إ.، مورا، ا.، برايس، ل.، راسل، ج.، شولز، م.، سيبولفيدا، ب.، ستراند، ج.، زورزو، ب.، بيارنادوتير، ك. (2025) إرشادات برنامج الرصد البيئي المُنسَّق للرصد البحري وتقييم نفايات الشواطئCEMP Guidelines for marine monitoring and assessment of beach litter. اتّفاق أوسبار 2020-02، تحديث عام 2025. https://www.ospar.org/documents?v=44122

     

    [4] الجمهورية اللبنانية. (2002). القانون 444/2002 لحماية البيئة. الجريدة الرسمية. http://77.42.251.205/Law.aspx?lawId=244662

     

    [5] الجمهورية اللبنانية. (1988). القانون 64/1988 المحافظة على البيئة ضدّ التلوُّث من النفايات الضارّة والمواد الخطرة. الجريدة الرسمية. http://77.42.251.205/LawArticles.aspx?LawTreeSectionID=245620&LawID=244381&language=ar

     

    [6] برنامج الإجراءات العاجلة/مركز الأنشطة الإقليمية. (2025). تقرير التحليل التشخيصي المتكامل. الاستراتيجية والتشريعات والخطّة الوطنية المتكاملة لإدارة المنطقة الساحلية في لبنان. برنامج الإجراءات العاجلة/مركز الأنشطة الإقليمية، برنامج الأمم المتّحدة للبيئة، مرفق البيئة العالمي. https://gefmed.paprac.org/wp-content/uploads/2025/09/Lebanon-ICZM-Strategy-Integrated-Diagnostic-Analysis-Report.pdf

     

    [7سماحة، ز.، حسيني، م.، وباريش، م. (2022). الدليل الميداني للأسماك في شرق البحر الأبيض المتوسّط. Eastern Mediterranean fish field guide. الاتّحاد الدولي لحفظ الطبيعة. https://portals.iucn.org/library/sites/library/files/documents/2022-015-En.pdf

     

    [8] فاسكونسيلوس، م. وأونال، ف. (2022). الانتقال نحو نهج النظام البيئي في مصائد الأسماك في البحر الأبيض المتوسّط ​​- دروس مستفادة من خلال دراسات حالات مختارة. Transition towards an ecosystem approach to fisheries in the Mediterranean Sea – Lessons learned through selected case studies . الورقة التقنية رقم 681 بشأن مصائد الأسماك وتربية الأحياء المائية - منظّمة الأغذية والزراعة. روما، منظّمة الأغذية والزراعة. https://openknowledge.fao.org/items/a46ca831-a699-4120-81e9-609f66d4e5ba

    فاتشه تشلدريان

    يشغل فاتشه تشلدريان منصب باحث في المركز اللبناني للدراسات، وهو خرّيج الجامعة اللبنانية الأميركية حيث نالَ درجة الماجستير في الاقتصاد التطبيقي. خلال دراساته، تولّى قيادة فريق البحث في قسم الاقتصاد في الجامعة. وفي رصيده العديد من الأوراق البحثية الأكاديمية المُقدَّمة للنشر في مجالات اقتصاد العمل، والاقتصاد الدولي، والأسواق المالية. إضافةً إلى ذلك، قَدَّمَ فاتشي دعمًا استشاريًا للعديد من المنظّمات الدولية، ومن بينها منظّمة العمل الدولية، حيث أعدّ أُطُر عمل لدمج قضايا العمالة والتوظيف ضمن السياسات التجارية والاستثمارية في لبنان.

اشتركوا في نشرتنا الإخبارية
شكرًا للإشتراك في نشرتنا الإخبارية